محمد بالروين

لم تهتم الدولة في مناهجها التعليمية، بتدريس القواسم المشتركة بأساليب منهجية وعملية هادفة، والمقصود بالقواسم المشتركة هنا هي الخصائص التي تجمع وتوحد مكونات الدولة والأفراد مع بعضهم البعض.

بمعنى آخر، هي مجموعة القيم والمصالح والمزايا والسلوكيات والاهتمامات المشتركة التي تجمع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم ومكوناتهم ومناطقهم، والحقيقة أن القواسم الاجتماعية المشتركة كانت بالنسبة للدولة مجرد مسلمات أكثر منها مبادئ وقيم، وأصبحت أخيرا في حالة من التآكل، بل ويمكن القول أن بعضها أصبح يتلاشى كقاسم مشترك بين أبناء الوطن الواحد.

لماذا القواسم المشتركة؟

يجب على كل شعب الاتفاق علي قواسمه المشتركة لأسباب عديدة لعل من أهمها:

  • ضرورة ومهمة لكي تتحد الدولة وتزدهر
  • تساعد علي زيادة وعي الشعب وإدراكه بمن حوله
  • أداة فاعلة لتحقيق التوافق على القيم الأساسية مثل التسامح والعيش المشترك
  • وسيلة ناجحة لحل النزاعات بين الفرقاء وتحقيق التعاون بينهم
  • أهم القواسم المشتركة

لعل من أهم القواسم المشتركة التي ينبغي أن يجتمع عليها الليبيون هي:

1. الدين

يمكن اعتبار الدين الإسلامي اهم القواسم المشتركة التي يجتمع عليها الليبيون، إذ لا وجود لاختلافات جوهرية بينهم حول أصوله، فهو الذي يوفر إرشادات للحياة المرغوبة والقيم التي يجب الاحتفاظ بها.

2.اللغة

تعتبر اللغة من أهم القواسم المشتركة في كل المجتمعات، فمن خلالها يستطيع الشعب المحافظة على عاداته وتقاليده وذاكرته التاريخية وأنماط تفكيره، وهي الأداة التي تساعد المواطنين على الشعور بأنهم جزء لا يتجزأ من أبناء الوطن الواحد، وبالرغم من أن هناك أكثر من لغة مُحترمة في المجتمع الليبي، إلا أن اللغة العربية هي التي يتحدث بها الجميع، وبالتالي ينبغي اعتبارها القاسم المشترك الذي يجمع أبناء الوطن ويوحدهم.

3.التاريخ

يساعد المواطنين على رسم صور لما عاشه أباءهم وأجدادهم، ومن أهم وظائفه تحديد التسلسل الزمني للأحداث، وفهم التجارب الإنسانية، والاستفادة منه للتنبؤ بالمستقبل، من هذا الفهم يجب اعتبار تاريخنا، في سرده وتحليله للأحداث والأفكار والتغيرات السياسية والاجتماعية من أهم القواسم المشتركة لكي نستطيع الاستفادة من إيجابياته وسلبياته والسعي الجاد لإعادة بناء دولتنا الحديثة.

4.التراث

المقصود بالتراث هو الأحداث والعمليات التاريخية (الإيجابية والسلبية) التي لها معنى خاص ومهم في ذاكرة مجتمعنا، وهو ما ورثناه من أسلافنا وماضينا المتعدد والمتنوع، فكل مجموعة عرقية أو جهوية أو ثقافية في الوطن لها حكاية أصلها وتقاليدها وثقافاتها الفريدة والخاصة بها، وكل هذه المجموعات ساهمت في صنع تاريخنا وثقافتنا الجامعة في الوطن، ومن هذا الفهم يمكن القول إن التراث مهم لأنه يوفر لنا أدلة على ماضينا، وكيف تطور مجتمعنا، ويساعدنا على فحص ونقد تاريخنا وتقاليدنا، ويمكننا من تطوير الوعي بأنفسنا، ويساعدنا على فهم أسباب الوضع الذي نحن فيه.

5.الشعب

مفهوم “الشعب” هنا هو مصطلح سياسي، يشمل جميع المواطنين في الدولة، بغض النظر عن شعوبهم وقبائلهم ومناطقهم وثقافاتهم ومكوناتهم، وهذا المصطلح يعني أن كل مواطني الدولة متساوون أمام القانون في حقوقهم وواجباتهم السياسية، وأن حكومتهم في خدمتهم جميعا، وعليه فمفهوم “الشعب الليبي” يشمل كل المكونات والقبائل والشعوب والأقاليم والثقافات الموجودة في داخل الدولة الليبية.

6.الجغرافيا

تعني الأرض المشتركة التي يعيش عليها أبناء الوطن الواحد، والعامل الأساسي للتأثير على سياسة واقتصاد وثقافة الدولة، وهي الطرق والأساليب التي تؤثر بها المساحة والتضاريس والمناخ على أعمال وأحوال وسلوكيات المقيمين عليها.

7.الحلم 

هو مجموع الأمال والطموحات التي يتطلع إليها أبناء الوطن الواحد، وهو التصورات المستقبلية التي من خلالها يصبح الوطن مكان لكل الأحرار، وأرض للفرص المتكافئة، وأداة للتحقيق السعادة للجميعـ (للمزيد راجع: بالروين, 2020).

صناعة القواسم المشتركة

بمعنى كيف يمكن صناعة القواسم المشتركة والاتفاق عليها وتعزيزها بين أبناء الوطن الواحد؟ والحقيقية أن هناك العديد من الأدوات والأساليب لتحقيق ذلك لعل من أهمها:

أولا: التربية 

هي أساس كل شيْ، ونقطة الانطلاق لكل عمل, وبدونها لا يتقدم أي مجتمع، وتشمل كل الأساليب والأدوات التي يستطيع بها المرء تعلم واكتساب المفاهيم والأفكار والاّراء والقيم في مجتمعه، وهي عملية “التأهيل” و”التكييف” في المجتمع الذى يعيش فيه المرء، بمعنى آخر، هي كل ما يساعد المرء على تشكيل شخصيتة وتعلمه السلوك والانتماء لشعبه ووطنه، ومن المؤسف أن في ليبيا اليوم لا وجود لمؤسسات تربوية هادفة؟!

بمعنى توجد مؤسسات تعليمية، ولكن لا وجود لمؤسسات تربوية!! وعليه لكي يتم إعادة بناء الوطن والوصول إلى قواسم مشتركة، لابد من إيجاد مؤسسات تربوية حقيقية تساعد على تنشأت الموطن وتوجيهه التوجيه الصحيح ولابد من الإيمان بأنه لا قيمة للتعليم بدون تربية.

ثانيا: التعليم

يهدف التعليم إلى زيادة المعرفة، بمعنى التعرف على من نحن وما يدور حولنا، وإلى تحسين أوضاعنا، والاعتراف بالآخرين الذين يختلفون معنا، وعند ذلك يحل القلم محل البندقية، والاختيار بدل الإجبار، والرضا محل الجشع، والعفو بدل الانتقام، والمساهمة في تحقيق المساواة بين الجميع، ولكي يكون التعليم قاسم مشترك بين كل أبناء الشعب، لابد أن يمارسوا أفضل ما يملكون من أفكار ومشاريع وبرامج، وأن يسعوا لكسب المزيد من العلم والمعرفة، وأن يتعلم الأطفال التعليم الصحيح، ولكي يكون التعليم صحيحاً لابد أن تكون التربية أساسه ونقطة انطلاقه، وأن يقوم الأباء بمساعدة أبنائهم في الحصول على المعرفة النافعة والمفيدة لهم وللآخرين.

ثالثا: المنهجية

بمعنى يجب أن تبنى المناهج العلمية والتقنية والعملية للوصول لما نريد، واختيار الأدوات والأساليب الفاعلة لتحقيق ذلك، وبمعنى آخر، لابد من اختيار الطرق والأساليب العلمية المناسبة لكيفية النظر إلى الأشياء والأفكار، والتفكير في كيفية تشابهها واختلافها من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة، ولابد من اتخاذ القرارات الصحيحة والمفيدة في الحياة لكي ينهض الوطن ويسعد المواطن.

رابعا: الحوار

بمعنى لتحقيق التفاهم المتبادل بين الفرقاء لابد من الحوار البناء، فهو البديل الصحيح والعملي والممكن للصراعات بين الفرقاء، وهو الأداة التي تحقق اعترافهم ببعضهم البعض، ولكي ينجح الحوار لابد من المصارحة والمعرفة والاعتراف والقبول بالنتائج مهما كانت، فالحوار فن من أهم الفنون للوصول لقواسم مشتركة بين الجميع، وعليه يجب اعتباره استراتيجية ضرورية لزيادة وتطوير القواسم المشتركة بين أبناء الشعب بكل مكوناته.

الخلاصة

مما تقدم يمكن القول إنه على أي شعب يريد النهوض، أن يتفق على قواسمه المشتركة، واعتبارها “الحد الأدنى” أو “الصفر الافتراضي” أو”نقطة الانطلاق” للنهوض والسير نحو المستقبل، ولابد أن ترتكز هذا القواسم على الأدوات الممكنة والمناسبة، والتي لعل من أهمها: التربية الصحيحة، والتعليم المناسب، والمنهجية العلمية، والحوار البناء القائم على المصارحة والمعرفة والاعتراف والقبول بالنتائج مهما كانت، وبالتالي على جميع الليبيين أن يدركوا أنهم في حاجة للاتفاق على قواسمهم المشتركة – أي الدين واللغة والتاريخ والتراث والشعب والجغرافيا والحلم في الحياة والحرية والعدالة – إذا أرادوا النهوض من جديد، وإعادة بناء دولتهم المدنية الديمقراطية التي يحلمون بها.

***
د. محمد بالروين ـ أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

________________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مواد ذات علاقة