بينما أعلن الجيش المالي، الجمعة، العثور على مقبرة جماعية قرب قاعدة استعادها الجيش الفرنسي قبل أربعة أيام في غوسي بشمال البلاد، أشارت جميع الأدلة على ضلوع مرتزقة فاغنرالروس في المذبحة التي راح ضحيتها حوالي 300 شخص، معظمهم من المدنيين.

والسبت، قالت وكالة الصحافة الفرنسية فرانس برس، إن الجيش الفرنسي صور مرتزقة روسا يدفنون جثثا قرب قاعدة غوسي في شمال مالي، بهدف اتهام الفرنسيين بترك مقبرة جماعية وراءهم

ويظهر في الفيديو، وفق المصدر نفسه، الذي صور بطائرة مسيرة، جنودا منشغلين حول جثث يغطونها بالرمال.

وأكدت هيئة الأركان الفرنسية، أنهم جنود بيض، تم التعرف عليهم في مقاطع فيديو وصور التقطت في أماكن أخرى.

طباخ بوتين

قبل أن ينضم مرتزقة فاغنر إلى الهجوم على أوكرانيا، نشرتهم روسيا في عمليات عسكرية عبر ست دول أفريقية على الأقل، لتعزيز طموحات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في تقويض الديمقراطية في العالم، وفق تعبير وكالة أسوشيتد برس.

وبينما ينفي الكرملين أي صلة بمجموعة فاغنر أو حتى وجودها، إلا أن التزام فاغنر بتحقيق المصالح الروسية أصبح واضحًا منذ بدء الحرب على أوكرانيا، حيث كان مقاتلوها، من بين القوات الروسية التي تهاجم الآن شرق أوكرانيا.

وفي جنوب الصحراء الكبرى، في القارة السمراء، أعطت فاغنر موطئ قدم كبيرا لروسيا في جمهورية إفريقيا الوسطى والسودان ومالي

ويقول خبراء إن دور فاغنر في تلك البلدان يتجاوز مجرد تقديم خدمة أمنية.

والشهر الماضي، قال الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القوات الأميركية في إفريقيا، خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ: “إنهم منتشرون بشكل أساسي في جمهورية إفريقيا الوسطى، ومالي“.

وتحدد الولايات المتحدة ممول فاغنر  الرئيسي على أنه يفغيني بريغوزين، الأوليغارشي المقرب من الرئيس الروسي، والملقب بـ طباخ بوتينحيث يتردد أن الزعيم الروسي يفضل مطاعم الرجل المنتشرة في روسيا.

يقول محللون إن الخطة الروسية في أفريقيا، حيث ضمنت نفوذا لافتا في أقصى الشمال حتى ليبيا وإلى الجنوب حتى موزمبيق، واضحة، حيث تسعى موسكو  إلى إبرام تحالفات مع أنظمة تلك البلدان، في مواجهة حركات التمرد الداخلية لحكمها.

ويحصل القادة الأفارقة على اعتراف الكرملين بمجرد وصولهم إلى السلطة بالقوة،  ثم يدفعون لها الثمن، من خلال منحها صفقات لاستغلال النفط والغاز ومناجم الذهب والماس والمعادن الثمينة.

لكن مدير الأبحاث في مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، جوزيف سيغل، قال في حديث لوكالة أسوشيتد برس إن هناك هدفًا آخر لـ الحرب الهجينةالتي تشنها روسيا في إفريقيا.

الهدف الخفي

وكشف سيغل أن روسيا تخوض، في الواقع، معركة أيديولوجية، مستخدمة فاغنر كأداة لتقويض الأفكار الغربية عن الديمقراطية، وتحويل الدول نحو موسكو بدل أوروبا والولايات المتحدة.

وقال سيغل مفسرا سعي موسكو مساندة الدكتاتوريات في أفريقيا: “إذا تم اعتبار الديمقراطية نموذج حكم نهائيً في أفريقيا، فهذا سيكون أمرا مقيدا لروسيا“.

وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، يتجول مقاتلو فاغنر في أنحاء العاصمة بانغي في مركبات عسكرية لا تحمل أي لوحات ويحرسون مناجم الذهب والماس في البلاد

ويقول متابعون إنهم ساعدوا في صد الجماعات المتمردة المسلحة وإبقاء الرئيس فوستين أرشانج تواديرا، في السلطة، لكن نفوذهم يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، وفق خبراء.

وبينما يشغل الروسي، فاليري زاخاروف، منصب مستشار الأمن القومي للرئيس تواديرا يعد شخصية رئيسيةفي الوقت ذاته، في هيكل قيادة فاغنر، وفقًا لوثائق الاتحاد الأوروبي التي تتهم مجموعة المرتزقة بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

وكتكريس واقعي لمكانة فاغنر في أفريقيا الوسطى، نُصّب تمثال العام الماضي في العاصمة بانغي، يصور جنودا روس، يقفون جنبًا إلى جنب لحماية امرأة وأطفالها، حيث يُنظر إلى روسيا على أنها منقذ البلاد.

كما نُظمت مسيرات مؤيدة لروسيا لدعم الحرب في أوكرانيا وانتقاد الشريك الأمني السابق فرنسا، على الرغم من أن العديد من المتظاهرين قالوا إنهم يتلقون رواتب لقاء مواقفهم“.

ومثل هذا الدعم من الدول الأفريقية هو نجاح استراتيجي لروسيا، وفق خبراء.

وعندما صوتت الأمم المتحدة على قرار يدين غزو أوكرانيا، امتنعت 17 دولة من أصل 35 عن التصويت، كان نصف هذا العدد من أفريقيا.

وقال تقرير نشر في مارس الماضي، أعده معهد توني بلير للتغيير العالمي، وهو مؤسسة غير ربحية أسسها رئيس الوزراء البريطاني السابق، أصبحت إفريقيا حاسمة بشكل سريع في جهود بوتين لتخفيف نفوذ الولايات المتحدة وتحالفاتها الدولية“.

وتأتي استراتيجية روسيا في إفريقيا بأقل تكلفة اقتصادية وسياسية، حيث يقدر محللون أن فاغنر تعمل مع بضع مئات إلى 2000 مرتزق فقط، بينما قال سيغل إن العديد منهم من المخابرات العسكرية الروسية السابقة، ونظرًا لكونها قوة خاصة، يمكن للكرملين إنكار مسؤوليته عن أفعال فاغنر بسهولة.

الثمن الحقيقي.. اقتلاع الديمقراطية

اتهمت فرنسا والولايات المتحدة وجماعات حقوق الإنسان مرتزقة فاغنر بقتل المدنيين خارج نطاق القانون في جمهورية إفريقيا الوسطى.

وقالت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة إن الجماعات العسكرية الخاصة وخاصة مجموعة فاغنرضايقت الناس بعنف وارتكبت الاغتصاب والعنف الجنسي

وأقرت جمهورية إفريقيا الوسطى في عام 2021 بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من قبل الروس، مما أجبر السفير الروسي فلاديمير تيتورينكو على ترك منصبه.

المحلل في الشؤون الروسية الأفريقية في مؤسسة تشاتام هاوسالبحثية ومقرها لندن، آنو أديوي، قال  إن مخطط موسكو في أفريقيا، ولا سيما مالي، كان دائما  اقتلاع الديمقراطية، مشيرا إلى أن الثمن الحقيقي للشعوب الأفريقية هو هذا بالضبط“.

وفي أعقاب الانقلابات في عام 2020 والعام الماضي، في مالي، سحبت فرنسا قواتها من مستعمرتها السابقة، التي كانت تساعدها في محاربة المتطرفين الإسلاميين منذ عام 2013. 

بعد ذلك، مباشرة، تحركت مجموعة فاغنر، وأبرمت صفقة أمنية مع المجلس العسكري الجديد في مالي، الذي طرد السفير الفرنسي وحظر التلفزيون الفرنسي

وفي الشهر الماضي، قتل جيش مالي وجنود أجانب يشتبه في كونهم روس ما يقدر بنحو 300 رجل في بلدة مورا الريفية

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتشإن بعض القتلى كانوا متطرفين، لكن معظمم القتلى الآخرين من المدنيين، ووصفت الحادثة بأنها ذبح متعمد لأشخاص رهن الاحتجاز“.

وهذا الأسبوع، عندما سلمت القوات الفرنسية قاعدة غوسي العسكرية، قام عملاء فاغنر بدفن العديد من الجثث في مكان قريب من القاعدة الفرنسية، بينما ألقت حملة روسية على وسائل التواصل الاجتماعي باللوم على فرنسا واتهمتها بالضلوع في قتل الأبرياء.

لكن العديد من المحللين قالوا إن تلك الفظائع تحمل بصمات مرتزقة فاغنر والعلامة الروسية للسياسة الخارجية في عهد بوتين.

_____________

مواد ذات علاقة