علي عبداللطيف اللافي

قبل نوفمبر 2020 وتحديدا قل لقاء لجنة الحوار في ضاحية “قمرت” التونسية باشرت “وليامز” وهي يومها المبعوثة الأممية بالنيابة، وضع اللمسات الأخيرة لخطتها والقاضية بالدفع نجو أغنى البلدان الافريقية من حيث الثروات، الى مربع الاستقرار بناء على وجود خطة أمريكية استراتيجية تقضي بتحقيق الاستقرار في 10 دول من بينها “ليبيا”و”غينيا الجديدة” و”هايتي”(وبقية دول لم يسمها وزير الخارجية منذ أسابيع عند معرض حديثه عن تلك الخطة/الاستراتيجية).

ولكن السؤال اليوم وبعد أكثر من 17 شهرا من بدء تنفيذ الخارطة الأممية (ومن ورائها تنزيل مخطط “وليامز” المرسوم والذي قد يكون آخر أنشطتها قبل التقاعد لتلميذة رامسفيلد والدول العميقة الأمريكية وأيضا ابنة الحزب الديمقراطي)، هو:

هل ستمر المستشارة بسرعة للتنفيذ النهائي وعبر خطوات سريعة ومتناسقة للخارطة الأممية والى ما خططته وخاطته وخطته بنفسها عبر مراحل استيعابها لمفردات المشهد الليبي ومن ثم الدراية بتفاصيله ومجاراة نسقه الغريب والغامض والمعقد والمتسارع؟

وهل ستنجز تلك الخارطة أو ستُعدلها بناء على التداعيات الجيو سياسية لما يجري في الإقليم وفي أوكرانيا وبناء على ملاحظات صانعي السياسيات في مكاتب البنتاغون والخارجية ومؤسسات الأمن القومي الأمريكية؟

** تحركات “ستيفاني” الأخيرة وخطواتها المتسارعة

1- رغم كل الآمال والترتيبات وخرائط الطريق المختلفة محليا واقليما ودوليا فان “الصراع الليبي حتى الآن لازالت إدارته تجول فى مباراة صفرية، فالحلحلة لازالت متعثرة بسبب أن خلافات الأطراف المتنازعة تظل مبنية على قناعات مفادها أن كلا منهم صاحب الشأن والمخول الأولى بحوز السلطة والموارد الليبية، أكثر من أي قناعات أخرى تسعى لطي صفحة مليئة بالدم والفساد والبؤس والانهيارات المتوالية لبلد يتلاعب بمصيره، وأصبح يشار إليه كبؤرة للقلق وخلق القلاقل”.

ومعلوم لكل متابع أن الصراع في ليبيا وخاصة منذ 2014 هو أولا وأخيرا حرب بالوكالة خاضتها وتخوضها أطراف ليبية لصالح أذرع إقليمية، وأن هذه الأطراف الأخيرة هي أيضا وظيفية لدى قوى دولية لا يهمها أولا وأخيرا الا ثروات ليبيا الهائلة والنادرة وموقعها الاستراتيجي والمصنف أنه ممر يَسير للعُمق الافريقي.

2- بناء على عدم توصل الأطراف والمؤسسات والإدارات المحلية الليبية لإنجاز انتخابات 24 ديسمبر الماضي نتاج التجاذب والخلافات حول المسارين الدستوري والسياسي، تم تكليف “وليامز” مجددا بالعودة لليبيا واكمال خطتها السابقة والتي اشتغلت عليها منذ أن كانت قائمة بالإعمال في سفارة بلادها في طرابلس الغرب (بين يناير ويونيو 2018) ثم كنائبة للمبعوث الاممي الرابع غسان سلامة (بين يوليو 2018 وفبراير 2020)، ثم كمبعوثة أممية بالنيابة حتى 05-02-2021 (أي تاريخ “عبدالحميد الدبيبة” في جنيف، رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية).

ومن ثم غلب الحذر واستراتيجيا جس النبض على خطوات”وليامز” منذ عودتها لليبيا باعتبار تغير المعادلات وتغير كثير من اللاعبين والفاعلين الرئيسيين إضافة الى تغير المعطيات الجيوسياسية الخاصة بليبيا سواء إقليميا أو دوليا (أوكرانيا – التقارب التركي الإماراتي – عودة الجزائر للملفات الإقليمية – انقلاب تونسالتباين بين القاهرة وابوظبي من جهة وبين ابوظبي والرياض في ملفات شمال وغرب وشرق افريقيا).

وبناء على كل ذلك تدخلت “وليامز” حال عودتها بطرق ناعمة وتقبلت بهدوء رفض بعض أطراف لعودتها ولدورها ودور الأمم المتحدة كما تعاملت بليونة ظاهرة بعد رفض بعض فاعلين بعض مقترحاتها كما راعت في مواقفها وخطواتها تغير المعطيات في المسارات الأربع (المسار العسكري – المسار الاقتصادي – المسار السياسي – المسار الدستوري) وفي نفس الوقت أعادت رسم خطواتها المستقبلية وشبكة علاقاتها مع ممثلي الأطراف والمؤسسات والقبائل والمدن الليبية، ومن ثم تقدمت بثبات نحو الأفق الذي رسمته هي وأهم راسمي السياسات الأمريكية.

3- حقائق المعطيات والمتغيرات السابقة أكدتها مثلا وأخيرا تصريحات رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري”حول لقائه بها منذ يومين حيث استعرض معها آخر تطورات العملية السياسية في ليبيا وجهود المجلس لكسر الجمود السياسي وإنجاح المسار الدستوري وللوصول إلى الحد الأدنى من التوافق، تمهيدا لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية على أسس دستورية وقانونية سليمة.

وهو أيضا ما يمكن القول انه قد تم مع مجلس النواب وممثليه حيث أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب “فوزي النويري”، أنه قد بحث مع المستشارة الأممية آخر المستجدات السياسية وسُبل المحافظة على الاستقرار، وكيفية إيجاد تسوية توصل إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب الآجال، وطبعا تصريحات “المشري” و”النويري” كممثلين للمجلسين التشريعيين تلتقيان مع بلاغات “وليامز”ومع نصوص تغريداتهاوتدويناتها حيث أكدت صفحتها الرسمية منذ يومين أنها أطلعت رئيس المجلس الأعلى للدولة، على نتائج زياراتها إلى العواصم الأوروبية الأسبوع الماضي بشأن ليبيا، مؤكدة له ضرورة التزام المجلس بالمشاركة في الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة المشتركة لمجلسي النواب والأعلى للدولة في القاهرة في 15 مايو لتحقيق الهدف الذي شُكلت من أجله وهو الاتفاق على الترتيبات الدستورية اللازمة للسير بليبيا إلى انتخابات وطنية في أقرب وقت ممكن.

4- نقلت“وليامز” في حسابها على “تويتر” أنه ناقشت (وسط الأسبوع الجاري)، مع السفير الإيطالي في ليبيا “جوزيبيبو تشينو” أهمية دعم مسار دستوري انتخابي قابل للتطبيق لإجراء الانتخابات في أقصر إطار زمني ممكن، واتفقا على ضرورة ضمان تنسيق جميع الجهود الدولية بشأن ليبيا لدعم العملية بقيادة ليبية مع الحفاظ على الهدوء على الأرض.

ولاشك أن ذلك مضاف اليه المعطيات الإخبارية السابقة تؤكد أن ما يجري في كواليس إدارة الملف الليبي في أكثر من عاصمة دولية وإقليمية، هو تماه مع مسارعة “وليامز” والبعثة الأممية لنحت معالم تعديل للخارطة الأممية المرسومة في نوفمبر 2020 وأساسا قبل تعيين شخصية افريقية كمبعوث أممي على رأس البعثة الأممية في ليبيا والتي تم التجديد لها حتى نهاية يوليو المقبل.

وهو ما يعني أن الملف يُدار حتى الآن بنسقية سريعة أولا ولكن بعقلية متابعة للتداعيات الممكنة للحرب في أوكرانيا على الملف الليبي وفي مراعاة تامة للخطوط الأمريكية الحمراء الثلاث (أهمية انسياب النفط – التصدي للإرهاب –التصدي والحد من الوجود الروسي في شمال وغرب القارة السمراء).

إضافة الى تنزيل بروية لاستراتيجيات الأولويات الأمريكية في المنطقة والقائمة أساسا على تحويل ملفات شمال وغرب وشرق افريقيا الى ملفات نائمة وتقديم الصين وايران وروسيا كأولويات رئيسية حتى 2024، وهو ما يعني ويؤكد أن خطوات “وليامز” ستكون كَثيرة وحَثيثة خلال الأيام القادمة بعد أن ضمنت الاستقرار على الأرض وعدم الاشتباك المباشر بين قوات طرفي الصراع (رغم التحشيد وعودة التجاذب اللفظي واحتدام التنافس بين الحكومتين وادعاء كل منهما للشرعية وتمثيل الليبيين).

** هل سيتم التنفيذ أم سيتم تعديل الأوتار وفي أي اتجاه؟

1- أولا،رغم أن الجميع وفي كل مدن ليبيا قد مل المعارك والتجاذبات وان هناك سعي ورغبة شعبية ليبية للتوافق ودفن آلام الماضي ومن ثم السعي والرغبة في الحوار والتآخي وبناء مستقبل واعد لكل الليبيين، فان برلمانٍ طبرق برئاسة المخضرم “عقيلة صالح” لا وظيفة له سوى إنتاج أزمةٍ من أزمة.

ولكن الواقع أنه ليس المتسبب الوحيد رغم تعدد كوارثه وفي كل الاتجاهات، في ما جرى بين 2014 و2020 ذلك أن أغلب النخبة الليبية الموجودة اليوم في واجهة الحكم، بحثت وتبحث فعليا عن الأدوار الوظيفية وعن الاستقواء بالآخر لبرح معاركها الداخلية بل هي موضوعيا نخبة غير هينة من حيث الأوزان والأعداد بل هي نخبة ذات حسابات مناطقية وقبلية في أغلب مكوناتها السياسية والاجتماعية وزاد الأمر تَعقيدا بوجود عسكريّ مهووسٍ مثل خليفة حفتر.

وفعليا تلبدت الوضعية أكثر بعد إيثار “فتحي باشاغا” التأزيم والتقسيم على ممكنات الوحدة والتوافق، وهو الذي نمى بنفسه الخلافات والصراعات مع خصمه المباشر “عبدالحميد الدبيبة” وهذا الأخير أغلق أيضا باب الحوار والتوافق وتمسك بأنه لن يسلم الحكم الا لسلطة منتخبة…

2- ثانيا،خطة “وليامز” في الأخير قد تجد طريقها للتنفيذ ولكن الليبيين يبحثون عن حلول مستدامة وليس تهدئة مؤقتة للمسارات الأربع، والحقيقة أن المرحلة المقبلة في ليبيا بغض النظر عن حيثيات تنزيل آخر خطوات ومراحل خارطة الطريق الأممية وبغض النظر عن تنزيلها أو تعديلها أو ارجائها أو اسقاطها، فان ليبيا ستشهد “متوالية المعارك المؤجلة” ذلك أن الخلاف بين الأطراف الليبية حول تشكيل كل من المناصب السيادية والمفوضية العليا للانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء، فضلا عن ملف الاستفتاء على الدستور ستتواصل بغض النظر عن البعدين الكمي والكيفي.

وتشير احدى الدراسات الأخيرة حول تطورات الأوضاع في ليبيا إلى أنه بخصوص المجلس الأعلى للقضاء، فإن الخلاف قائم ما بين تعيين رئيس التفتيش القضائي وفق توجه البرلمان بدلاً من رئيس المحكمة العليا أيضاً، كما نوهت نفس الدراسة إلى أنه بمرور الوقت «ستتوالى المعارك في ملف الاستفتاء على الدستور»، فلا يزال هناك عدم توافق بين المجلسين على طبيعة الإجراءات التي وردت في التعديل الدستوري، ناهيك عن معترك التطبيق.

3- ثالثا،أي تحالفات قائمة حاليا أو جديدة قد يتم تشكيلها خلال المرحلة المقبلة، ستختبر على المدى المنظور ما بين طرفي الصراع في المنطقتين الشرقية أو الغربية، على وقع التعامل مع الملفات المؤجلة والحاسمة لعملية الانتقال السياسي، ومن حيث تقويض ظواهر الفوضىوخاصة المظاهر المدعومة من الخارج أو شبكات المصالح المحلية ذلك أن الاختبار الحقيقي لأية حكومة مستقبلية في ليبيا هو كيف يمكنها استعادة ثقة الشارع، ذلك أن كل الليبيين تراجعت فعليا ثقتهم بالعملية السياسية بشكل عام أولا وبالسياسيين الموجودين في دفة السلطة حاليا وهو أمر بين منذ إهدار فرصة انجاز الاستحقاقات الانتخابية في 24 ديسمبر الماضي.

4- رابعا، الخلاصة أن “وليامز” تضع نصب عينيها أن بعض أطراف في المؤسسات الليبية الحالية سواء في شرق البلاد أو في غربها تريد تدوير المناصب وخاصة السيادية تحديدا ومن ثم العمل على تأجيل كل الاستحقاقات، وهو ما يعني صدقية قول بعض المتابعين في وصفه للحالة الليبية، باحتكار النخبة للعملية السياسية.

ومن ثم ستترسخ يوما بع يوم القناعة الشعبية الليبية أن “أي انتقال سياسي هو انعكاس لمصالح تلك النخب بغض النظر عن مواقف الشعب الذي أبدى رغبته الحقيقية في تجديد مشروعية الأطراف كافة من خلال الإقبال الهائل على بطاقات الانتخابات (أكثر من مليوني بطاقة) في حالة غير مسبوقة” على حد رؤية الدراسة الإماراتية سَالفة الذكر أعلاه.

وفي الأخير فان “وليامز” ساعية لتنزيل الخطة التنفيذية لخطتها عبر سيناريوهات عدة وبعضها تظهره للجميع وبعضها تخفيه على الكثير من الفاعلين الإقليميين والمحليين وهي تعي كثيرا طبيعة التداعيات الجيوسياسية لما يجري في أوكرانيا وفي منطقة الساحل الافريقي إضافة لفهمها معاني عودة الجزائر بقوة للملفات المغاربية والتمسك بإداراتها والحضور القوي في تفاصيل حلها وتفكيك ألغامها.

ومن ثم فهي – أي “وليامز”ساعية لرؤية انجاز ما خططت له يما وخطته وخاطته في نوفمبر 2020 من تفاصيل وحلول في الملف الليبي وعبر تماه مع تحركات المبعوث الأمريكي الى ليبيا (وهو في نفس الوقت سفير بلاده في طرابلس الغرب)…

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

____________

مواد ذات علاقة