جمعة محمود الزريقي

بعد مضي سبع سنوات ونصف تقريباً على صدور الحكم التاريخي للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في الطعن الدستوري رقم 17 لسنة 61 قضائية؛ الصادر بتاريخ 6/11/2014م، عدت بذاكرتي إلى ذلك الحكم، وسألت عن حال ليبيا بعده  ذلك الحكم الذي وجدَ ردود فعل متعددة من قبل بعض الحقوقيين والسياسيين وغيرهم.

لقد تناولت في السابق الحكم الصادر في الطعن الدستوري رقم 16 لسنة 61 قضائية التي قضت فيه ذات الدائرة في نفس التاريخ (باعتبار الخصومة منتهية) وقد انصب الطعن المذكور على ثلاث مسائل؛ هي:

1 – انعقاد مجلس النواب بدعوة من غير مختص قانوناً بها،

2 – انعقاد مجلس النواب في غير المكان الذي نص عليه الدستور،

3 – عدم إجراء تسليم واستلام بين السلطة التشريعية المنتهية والسلطة الجديدة.

ولعدم صدور حكم فاصل في هذه المسائل قمت بدراستها وأدليت برأي فيها خارج نطاق الحكم، بل كباحث قانوني من رجل قضاء، ونشرتُ ذلك في كتابي (بحوث ودراسات في الدستور) ص 141 – 160.

تناولت في ذات الكتاب الحكم في الطعن الدستوري رقم 17 لسنة 61 قضائية االأساس القانوني الذي استندت إليه الدائرة الدستورية في القضاء بقبول الطعن شكلا وعدم دستورية الفقرة (11) من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل السابع الصادر بتاريخ 11 مارس 2014م، وكافة الآثار المترتبة عليه ولمَّا رأيت بعض الأساتذة قد علقوا عليه واعتبروا أن الحكم يخالف قانون المحكمة العليا التي ليس من حقها النظر في مواد الدستور.

حاولت أن أبيّن لهم المبادئ التي استندت إليها المحكمة في ذلك الحكم، وأن الطعن كان منصباً على التعديل الذي أصدره المؤتمر الوطني العام، وليس نصوص الإعلان الدستوري، وقد سبق للمحكمة العليا أن استندت إلى تلك المبادي في الطعن الدستوري رقم 28 لسنة 59 قضائية المتعلق بعدم دستورية التعديل الثالث للإعلان الدستوري المؤقت، وكذلك الطعن الدستوري رقم 11 لسنة 61 قضائية بشأن عدم دستورية قرار المؤتمر الوطني العام بتكليف حكومة امعتيق، وقد نال هذان الحكمان رضا الكثيرين، ولم يتم انتقاده من أي باحث قانوني. بل حظيا بالتأيد والشكر والتقدير، والدعوة ب (تحيا الدالة). ولمن أراد الاطلاع على ذلك في كتاب دراسات ومباحث في الدستور ص 160 – 168.

اطلعت فيما بعد على بحوث ودراسات وآراء عديدة تتناول موضوع الحكم في الطعن رقم 17 لسنة 61 قضائية، وأغلبها ينتقد ذلك الحكم ويشيد بمجلس النواب وصحة بقائه بعد ذلك الحكم، مع نقد المحكمة العليا في إصدار ذلك الحكم الذي يبدو فيما قاله أحدهم – أنه سبب انقساماً في البلاد – وقال آخر – إن انعقاد المحكمة كان في مدينة مغتصبة وصدور الحكم كان تحت تهديد السلاح – وانتهى أحد المحامين إلى أن – المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة غير مختصة بنظر الطعون على النصوص الدستورية الواردة في الإعلان الدستوري – ونسى أن الطعن كان منصباً على التعديلات (الإجراءات) وليس نصوص الإعلان – وقل آخر: إن الحكم المعدوم لا ينتح أي أثر قانوني – وخلص آخر إلى  القول :

إن الحكم الصادر عن الدائرة الدستورية لا أثر قانوني له لأنه صدر عن جهة غير مختصة  بل وصل الأمر إلى التجريح والتلميح لأعضاء الدائرة الدستورية بما فيهم شخصي الضعيف.

لا أنسى وجود أراء قانونية أشادت بالحكم وردت على المنتقدين له، منهم الأستاذ أنس أبوشعالة الذي كتب: “إن المحكمة لم تنظر في النص الدستوري وإنما في الإجراءات المتخذه عند تعديل الدستور، والفرق بين الأمرين كبير جداً، فلو تم احترام النصاب القانوني اللازم توافره لتعديل الإعلان الدستوري بذات المضمون في التعديل؛ لما قضت المحكمة بما قضت به، المحكمة لم تراقب مضمون النص الدستوري؛ وإنما راقبت مدى احترام النصاب القانوني والإجراءات الواجب اتباعها لتعديل الدستور، وهذه ليس أول مرة، تناول أيضا الأستاذ الدكتور عادل كندير بكلية القانون جامعة طرابلس في صفحته القانونية بتاريخ 24/11/2014م وأشار إلى أن قرار المحكمة بشأن عدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 المعدلة يكون قد وافق صحيح القانون، وحيث إن التصويت على هذه الفقرة جاء بالمخالفة للإجراءات المنصوص عليها في كل من المادة 30 من الإعلان الدستوري المؤقت والمادة 73 من النظام الداخلي للمؤتمر الوطني العام؛ فإن قضاء الدائرة الدستورية بعدم دستورية الفقرة 11 يكون قد وافق صحيح القانون أيضاً على نحو ما سار عليه قضاؤها في الطعن رقم 11 لسنة 61 قضائية بتاريخ 9/7/2014″

تناولت هذه الآراء وغيرها مما لم أذكره هنا، وناقشتها في كتابي الذي صدر سنة 2017م تحت عنوان (المحكمة العليا تاريخاًوواقعاً) الفصل الحادي عشر؛ ص 258 – 294. وبيّنت الأساس القانوني للحكم في الطعن رقم 17 لسنة 61 قضائية، وقد كفاني ما ذكره الأستاذ أنس أبو شعالة وما ذكره الأستاذ الدكتور عادل كندير بما تم توضيحه من أن المحكمة لم تتعرض لنصوص الإعلان الدستوري؛ وإنما تناولت الإجراءات التي نصت عليها المادة 36 من الإعلان الدستوري التي اشترطت لإجراء أي تعديل للإعلان الدستوري بصدور حكم بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس.

ولهذا قالت المحكمة العليا في أول طعن دستوري رقم 28 لسنة 59 قضائية تعليقا على القول بعدم اختصاص المحكمة العليا يجعل من النص لا فائدة من ورائه، فهو قيدٌ على المشرع وضعه بإرادته فإن خالفه فمن يتصدى لأبطال هذه المخالفة، وأضافت المحكمة: (ولو قيل بغير ذلك لكان للسطة التشريعية أن تنحل من القيوم الواردة بالدستور بشأن التعديل وهو إطلاق لسلطتها  وفتح لباب مخالفة النصوص الدستورية؛ وهو ما لايستقيم قانونا).

إن ما استندت إليه المحكمة في الطعون الدستورية المذكورة، وتصديها للتعديلات الدستورية، رسخت به قاعدة مهمة في النظام القانوني الليبي، ومبدأ دستوري مهم، وقد اعتنقتها الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور؛ ونصت في المادة 139 من المشروع على أن تختص المحكمة الدستورية دون غيرها: بما يلي… (2) (النظر في دستورية إجراء التعديلات الدستورية) وهذا يدل على أن هذا النوع من الرقابة الدستورية وصل إليه المشرع الليبي نتيجة اجتهاد المحكمة العليا  لحماية النصوص الدستورية من تغول السلطة التشريعية، ومعالجة الانحراف التشريعي لها، كما هو الحال لدينا الآن في ليبيا، والسلطة القضائية هي الضامنة لعلاج مثل هذه الأمور، وهي الرقيب على بقية السلطات لضمان الحقوق والحريات ومصالح الشعب.

ويكفي هيئة المحكمة التي أصدرت الحكم آنذاك وهي مكونة من خمسة عشر مستشاراً، يكيفها فخراً أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور المنتخبة من الشعب؛ قد اعتمدت المشروع في 29/7/2017م، وأقرت مبدأ اختصاص المحكمة الدستورية في المشروع  النظر في دستورية إجراء التعديلات الدستورية، وبذلك ردت على الذين طعنوا في الحكم السابق ودبجوا الصفحات وشغلوا المواقع في عدم اختصاص المحكمة العليا بالنظر في الطعون التي تقدم في التعديلات الدستورية.

والآن، وبعد تمسك مجلس النواب بالسلطة التشريعية، طيلة سبع سنوات ونيف بالمخالفة للحكم الذي قضى يعدم دستورية التعديل الذي تمت بموجبه إجراء الانتخابات؛ الأسئلة موجه إلى الشعب الليبي،

هل قام مجلس النواب بواجبه تجاه ليبيا واستقرارها؟

هل قام بتنفيذ الخطوات التي سنها الإعلان الدستوري بوضع خريطة قيام الدولة القانونية؟، هل وفق المجلس في إصدار التشريعات التي تعمل على ترسيخ وحدة البلاد وقيام المؤسسات الدستورية التي كان ينشدها الشعب الليبي وينادي بها طيلة سنوات عديدة؟

هل عمل على توحيد البلاد أم على تفرقها؟ 

هل أصبح المواطن سيداً في وطنه حاصلاً على قوت يومه، آمنا في سربه؟، هل تحسنت علاقات ليبيا مع البلدان الأخرى؟

هل بإمكان المواطن الليبي الحصول على العلاج في بلاده، وسهولة حصوله على ماله من المصارف بدون طابور مرهق؟ 

طرحت هذه الأسئلة على نفسي وأنا أعلم حق اليقين أن الإجابة عنها في غالب الأحيان بالنفي،

ولذا أقول لك الله يا وطني.

______________

مواد ذات علاقة