عباس ميموني

أبانت الجزائر عن موقف أكثر وضوحا من الأزمة الليبية، من خلال التمسك بالاعتراف بحكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ودعم تنظيم انتخابات تشريعية في أقرب الآجال.

وأعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، عن ذلك، في مقابلة أجراها مع وسائل إعلام محلية، في 23 أبريل/ نيسان الماضي.

ويراعي الموقف الجزائري المعبر عنه، عدم إثارة أية خلافات مع البلدان العربية، وهو ما دفع تبون، إلى التريث في قبول مقترح الدبيبة، لاحتضان مؤتمر لوزراء خارجية الدول المعنية بالملف الليبي.

في المقابل، وجهت الجزائر رسائل صريحة إلى مجلس النواب الليبي في طبرق، وشددت على أن الشعب وحده من يملك شرعية اختيار سلطة معينة، في إشارة إلى عدم الاعتراف بتعيين فتحي باشاغا، رئيسا للحكومة.

ويعترف المجتمع الدولي بحكومة الدبيبة، باستثناء روسيا ومصر، اللتين أعلنتا دعمهما لحكومة باشاغا.

** حسم موقف

وحسمت الجزائر، موقفها سريعا من الأزمة التي اندلعت بين حكومة الدبيبة، ومجلس النواب في طبرق برئاسة عقيلة صالح، والتي انتهت بتكليف الأخير لوزير الداخلية السابق فتحي بشاغا برئاسة الحكومة، مطلع مارس/ آذار الماضي.

وفي خضم الجدل المحتدم، استقبل الرئيس تبون، الدبيبة، على هامش قمة الدول المصدرة للغاز، التي احتضنتها قطر، في 22 فبراير/ شباط الماضي.

وبينما حاول باشاغا، حشد أنصاره لدخول العاصمة طرابلس، والسيطرة على المقرات الحكومية “سلميا”، استقبلت الجزائر وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة نجلاء المنقوش، في 7 أبريل.

وفي 18 أبريل، استقبلت الجزائر رئيس حكومة الوحدة، الذي كان مرفوقا بوفد أمني رفيع، على رأسه قائد أركان الجيش الليبي محمد الحداد.

كانت كلها رسائل كافية، لفهم الموقف الجزائري من الصراع المتجدد على السلطة في ليبيا، وهو عدم “الاعتراف بغير حكومة الوحدة”.

الرئيس تبون، أوضح في مقابلة مع وسائل الإعلام المحلية، أن دعم بلاده لحكومة الدبيبة يعود لكونها “تحظى بالشرعية الدولية (..) والشرعية الدولية هي الأساس”.

وألمح تبون، إلى أن موقف بلاده، هذه المرة مخالف “نوعا ما” لما كان عليه سابقا.

وبدا واضحا من كلامه أن الجزائر، قطعت خطوة كبيرة في اتجاه التعليق على ما يقوم به أطراف الصراع، بدل الاكتفاء بالدور التقليدي القائم على “الوقوف على المسافة ذاتها مع الجميع”.

وقال تبون، “ليس هناك حل في ليبيا دون العودة إلى الشعب الليبي.. التمثيل اليوم أصبح نسبيا، والانتخابات وحدها من تفرز برلمانا يمنح الشرعية للحكومة التي يراها مناسبة”.

وتلك إشارة واضحة، إلى أن الجزائر لا ترى في مجلس نواب طبرق جهة مخولة بمنح شرعية الحكم لأي حكومة.

لكن الرئيس الجزائري حرص على تأكيد أن بلاده لن تقوم بأية خطوة من شأنها “تأجيج التفرقة”.

** مراعاة الموقف العربي

في ختام زيارته إلى الجزائر، أعلن الدبيبة، أنه تطرق مع الرئيس تبون، إلى “احتمال تنظيم مؤتمر لوزراء خارجية الدول المعنية بالملف الليبي، لمناقشة نقطة جوهرية تتعلق بدعم تنظيم الانتخابات في أقرب الآجال”.

وأعلن تبون، أن بلاده “لم ترفض ولم توافق بعد على احتضان أو تنظيم المؤتمر”.

وقال إن “الجزائر لن تنظم مؤتمرا يكون مآله الفشل، نحن ندرس إمكانية نجاحه، وإذا وجدنا مؤشرات ذلك ستحتضنه دون تردد”.

ومن الدوافع التي جعلت الجزائر تتريث في قبول فكرة المؤتمر، “مراعاة تجانس الموقف العربي حيال الأزمة”، بحسب تبون.

وشدد تبون، على أن “مؤتمرا يسبب التفرقة بين الدول العربية لن ندخل (فيه)، لأننا نحاول ونعمل على لمّ الشمل”.

وتحتضن الجزائر القمة العربية في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، الذي يتزامن مع الذكرى الـ68 لاندلاع ثورتها التحريرية.

** جرعة وضوح

تصريحات تبون، تؤكد أن الجزائر حسمت موقفها من مجلس النواب في طبرق، والذي ترى فيه طرفا في النزاع والحل، ولكن ليست تلك الجهة التي تتمتع بشرعية منح أو توزيع السلطات.

في هذه النقطة، أوضح الإعلامي الجزائري المختص في الشأن الليبي عبد القادر دريدي، أن تصريحات تبون، “تميزت بجرعة إضافية من الوضوح، خاصة ما يتعلق بالموقف من مجلس النواب، الذي يمثل الجناح السياسي، للعسكري المتقاعد خليفة حفتر”.

وأفاد دريدي، للأناضول، أن الرئيس تبون، أكد مرة أخرى “أن الحل في ليبيا لا يمكن أن يتجاوز الجزائر كقوة إقليمية”.

وأضاف “أنها رسالة صريحة للجناح المناهض للشرعية الدولية والطامح إلى السيطرة على الحكم بشتى الطرق”.

وبيّن دريدي، أن “من أسباب إطالة أمد الأزمة الليبية هي أن الأطراف الداعمة لكل ما يدور في فلك ما يسمى برلمان طبرق، عجزت عن فرض منطقها في الحل، وتجاوز المؤسسات ذات الشرعية”.

ولفت إلى أن المؤسسات ذات الشرعية “تحظى بدعم دولي تشكل الجزائر أحد أبرز معالمه”.

وكشف المتحدث، أن “جناح حفتر فوّت على نفسه فرصة ثمينة في 2016، كانت ستجعله يحظى باعتراف الجزائر، وفق تفاهمات معينة، أهمها التوجه نحو انتخابات، وخلع البزة العسكرية، لكنه نكث بتعهداته، بتوجيه من بعض الأطراف الدولية”.

** توحيد الموقف العربي

وفي السياق، اعتبر مبروك كاهي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ورقلة (جنوب الجزائر)، أن الجزائر التي وضعت “المصالحة العربية” شعارا للقمة التي تستعد لاحتضانها مطلع نوفمبر المقبل، تؤكد حرصها على “وحدة وتماسك الصف العربي”.

وقال كاهي، للأناضول، إن تصريحات الرئيس تبون، “محاولة للتوفيق بين توفير مخرج آمن للأزمة الليبية، وتوحيد الموقف العربي حيال هذا الملف وباقي الملفات التي تسبب خلافات عميقة”.

ولفت إلى أن “تمسك الجزائر بحكومة الدبيبة، يحمل رسائل واضحة للحكومة المكلفة من مجلس نواب طبرق برئاسة فتحي باشاغا، والأطراف التي تقف وراءه”.

واستطرد كاهي، “الموقف الجزائري يجب ألا يفهم على أنه دعم لطرف على حساب طرف وإنما دعم لجهة تحظى بالشرعية الدولية، منوط بها مهمة رئيسية هي تنظيم الانتخابات”.

وفي مارس الماضي، كلف مجلس النواب في طبرق، باشاغا، بتشكيل حكومة، لكن الدبيبة، وبدعم من المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري) رفض تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة من الشعب.

______________

مواد ذات علاقة