علي اللافي

لا تزال محاولة دخول رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، فتحي باشاغاللعاصمة طرابلس بداية الأسبوع الجاري، تلقى ردود فعل داخلية وخارجية، وان خسر الرجل رهاناته للمرة الثانية فان ما حدث وان كان في صالح “الدبيبة” مؤقتا الا أنه سيثبت الخيار الثالث وخاصة في ظل تقدم النقاشات في القاهرة بين وفدي المجلسين التشريعيين ( النوابالأعلى للدولة)، حيث من المرتقب مستقبلا تشكيل حكومة جديدة من 14 وزيرا وفقا لما هو متداول ومن ثم إنجاز انتخابات في ظرف سنة (مع فرضية المسارعة بإنجازها بين جوان/يونيو وسبتمبر 2022)،  وكل ذلكبعني أن الخارطة الأممية ستكون قابلة للتعديل ولكنها غير قابلة للنقض في خطها العام وهو ما توضح في تفاصيل ردود الأفعال محليا وإقليميا ودوليا…

** ردود الفعل المحلية

أولا، الثابت أن “باشاغا” وصل إلى طرابلس عن طريق بلدة الزنتان (180 كيلومتراً غرب طرابلس) برفقة رتل مسلح تابع لكتيبة النواصي، مروراً بمناطق سيطرة اللواء 444، جنوب شرق طرابلس وهذا الأخير لم يسانده ولكنه لم يعترضه، وعمليا قامت خطة فريق “باشاغا” الثلاثاء الماضي ( 17 مايو الجاري) على تكتيك أن ينضم لهم عدد من التشكيلات المسلحة متوسطة التسليح والموزعة في أكثر من مكان في طرابلس، وأنه طمح للسيطرة بسرعة على مقار الحكومة.

لكن جهاز دعم الاستقرار فاجأ الجميع بحجم القوة التي قام بنشرها، وطوّق سريعاً مقر كتيبة النواصي، وكل ذلك حدا بالكتائب الأخرى إلى التراجع عن وعودها لباشاغا، وبعد نحو أربع ساعات من ظهور باشاغا في كلمة مرئية مقتضبة أكد فيها دخوله طرابلس، تمكن قائد اللواء 444 من الدخول في وساطة لإنهاء الاشتباكات وتوفير ممر آمن لخروج من حلموا بدخول العاصمة، وهو ما تم تحديدا حيث نُقلوا إلى مقر اللواء 444 تحت حراسة مشددة…

ثانيا، اختلفت ردود الفعل على خطوة باشاغا وعلى فشلهاحيث طالب رئيس الحزب الديمقراطي الليبي، “محمد صوان” (وهو داعم قوي لباشاغا)، المجتمع الدولي باتخاذ خطوات فاعلة وواقعية لدعم إجراء الانتخابات وفي مقدمة ذلك دعم الحكومة المكلفة كونها المتفق عليها والقادرة على تسهيل إجراء الانتخابات في مختلف ربوع ليبيا حسب رأيه.

وقال صوان، في بيان باسم حزبه، إنه تابع بقلق شديد الاشتباكات، معتبرا أنها جاءت نتيجة لـ”إصرار الحكومة منتهية الولاية على اللجوء إلى العنف، واستخدام القوة للاستمرار في فرض الأمر، والامتناع عن تسليم السلطة، وتحريضها واستخدامها للمجموعات المسلحة في إشعال الأوضاع وجر الأطراف إلى المواجهة المسلحة”، مؤكدا أن الحل لن يكون إلا سياسيا عبر التوافق الذي كانت مقدمته في التقارب بين مجلسي النواب والدولة.

في مقابل ذلك، استنكر حزب العدالة والبناء، دخول باشاغا للعاصمة، والتي وصفها بـ” الخاطئة”، والتي كادت أن تجر العاصمة إلى “مربع الاقتتال والعنف”، وأكد الحزب، في بيان له، أن دخول باشاغا “غير المعلن والمفاجئ”، و”دون أي ترتيبات قانونية وميدانية”، تسبب في تفجر الأوضاع، وكادت أحياء طرابلس أن تتحول إلى منطقة “حرب طاحنة”، واعتبر الحزب الإسلامي الأبرز في ليبيا أن محاولة باشاغا أربكت الوضع السياسي “وخلطت الأوراق بتحويله إلى مشهد عسكري”، بل أن يركز القادة على المسار الدستوري لإنهاء المراحل الانتقالية بالذهاب إلى توافق لاجراء الانتخابات.

ثالثا، وفيما لزمت جميع الكيانات العسكرية في البلاد الصمت، سيما اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقيادة مليشياته، أصدر تجمع لقادة ما يعرف بـ”ثوار ليبيا”، بيانا استنكر فيه أحداث طرابلس، وأعتبر محاولة دخول باشاغا لطرابلس بـ”محاولة انقلاب”، وأضاف “يراقب تجمع قادة ثوار ليبيا بحذر ما حدث في طرابلس من محاولة انقلاب على حكومة الوحدة الوطنية، وذلك عن طريق استخدام القوة والاحتكام إلى السلاح لمحاولة فرض أمر واقع على العاصمة طرابلس وعلى كل أبناء الشعب الليبي” وفقا لتعبيره،.

وواضح لكل المتابعين في الداخل الليبي أن “باشاغا” خرج من طرابلس عقب التراجع عن اتفاق كان قد توصل إليه مع عدد من تشكيلات طرابلس المسلحة يقضي بدعمه إثر دخوله للعاصمة، والثابت أيضا أن بعض المقربين من باشاغا على غرار بعض مستشاريه في شرق البلاد قد أكدوا لمقربين منهم أن الرجل يتخذ خطوات بدون الرجوع اليهم وأن ذلك تم في أكثر من مرة وليجد نفسه في التسلل على غرار سفره لتركيا منذ أيام هو وأعضاء حكومته أو حتى خلال محالته الثانية لدخول العاصمة..

رابعا، حكومة “الدبيبة” أظهرت رغم كل ما جرى أنها في وضع شُبه مريح حيث اكدت في بيان لها أن “الأجهزة العسكرية والأمنية تعاملت بإجراءات حازمة ومهنية لمنع هذه الفوضى وإعادة الاستقرار للعاصمة، ما أدى إلى فرار المجموعة المسلحة”، وأضافت “تسببت هذه العملية الصبيانية المدعومة بأجندة حزبية في أضرار مادية وبشرية ما زالت أجهزة الدولة تعمل على حصرها ومعالجتها”.

وأكدت أنها “ستضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه المس بأمن المواطنين وسلامتهم”، وقد قال الدبيبة، في تصريحات خلال جولة تفقدية للأضرار الناجمة عن الاشتباكات، إن من يريد حكم البلاد عليه التوجه إلى الانتخابات، أما المستشارة الأممية ستيفاني وليامز فقد أبدت قلقها البالغ إزاء الاشتباكات. وحثت على “ضبط النفس والامتناع عن الأعمال الاستفزازية، بما في ذلك الخطاب التحريضي والمشاركة في الاشتباكات وتعبئة القوات”.

** ردود الفعل الإقليمية والدولية

أولا، وزارة الخارجية الامريكية عبرت عن قلقها الشديد حيال الاشتباكات التي حدثت فجر 17 ماي الحالي، ودعت جميع الأطراف إلى الابتعاد عن لغة العنف وتغليب لغة الحوار، وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية “نيد برايس”، خلال مؤتمر صحافي، إن من المهم للقادة الليبيين التوصل إلى توافق حول خيار سلمي، والاعتراف بأن الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها بالقوة سيتضرر منه المواطنين فقط، مؤكدا أن الخيار الوحيد هو السماح بإجراء الانتخابات، ومثنيا على مسار المحادثات الدستورية الجارية في القاهرة.

ومن جانبها، دعت وزارة الخارجية الفرنسية كافة الجهات الفاعلة الليبية إلى الامتناع عن ممارسة أعمال عنف والاستمرار في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بحسب بيان للخارجية الفرنسية اليوم الأربعاء، كما دعت فرنسا كافة القادة والأطراف الليبية إلى “عقد حوار حقيقي للوصول إلى حل سياسي دائم يجري على أساسه تنظيم انتخابات حيادية وشفافة في جميع أنحاء ليبيا في أسرع وقت”.

ثانيا، فعليا تقاربت دعوات تركيا وقطر والجزائر وبريطانيا ومصر في نفس يوم الاشتباكات (والتي انتهت بمغادرة “باشاغا”)، في دعواتها لوقف الاشتباكات، وتقيد الأطراف الليبية بالمسار السلمي للتوصل إلى حل يقضي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، ومعلوم أنه بعد فشل المحاولة في مارس الماضي والطلب الهادئ من السلطات التونسية يومها بضرورة المغادرة بعد فشله يومها في دخول الأراضي الليبية انطلاقا من معبر “ذهيبةوازن”، تم منذ أيام اجتماع في ‘مونتريو’السويسرية بين قيادات مجموعات مسلحة وفريق مضيق تابع لبشاغا حيث أكد بعض أولئك المسلحين والميدانيين استعدادهم لتقديم الحماية له وتسهيل وصوله إلى مقرات الحكومة في طرابلس، وكان ابرز نتائج الاتفاقات والاجتماعات ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية لاحقا والبدء في وضع خطط لذلك بدءاً من برمجة اجتماعات لاحقة في المغرب مضاف اليها ترتيبات أخرى عديدة.

ولكن يظهر أن الامر قد بُني على خلل منهجي في التخطيط والعلاقات حتى داخل فريقه المضيق وتم تغييب بعض مستشاريه المقربين والذين فوجئوا بخطواته في أكثر من مناسبة، بل أن الثابت أنه يواجه حاليا نقداً محلياً كبيراً حيال خطوة دخول طرابلس من دون تنسيق كامل مع داعميه، وأكدت المصادر أن من بين منتقدي باشاغا عدداً من النواب المقربين من رئاسة مجلس النواب بمن فيهم رئيس البرلمان عقيلة صالح، وكان الأخير قد أبلغ السفير الأميركي لدى ليبيا أثناء لقائه به في القاهرة أخيراً، عزم الحكومة المكلفة العمل من مدينة “سرت”(وسط البلاد)…

ثالثا،تداولت مصادر دبلوماسية متطابقة في القاهرة وتونس عصر الثلاثاء الماضي أن اتصالات “متوترة” جرت بين “نورلاند”، ووزير الخارجية المصري “سامح شكري”(والذي تدعم بلاده باشاغا)، صبيحة اندلاع الاشتباكات في طرابلس ( أي صبيحة الثلاثاء 17-05-2022)، وأوضحت نفس المصادر أن المسؤول الأميركي أكد على الوزير المصري”ضرورة الضغط على باشاغا للانسحاب فوراً من العاصمة لمنع اندلاع مواجهات أوسع، وأشارت المصادر إلى أن “شكري” أكد خلال الاتصال عدم مسؤولية القاهرة عن الخطوة التي أقدم عليها باشاغا، وقد أكد”نورلاند” لشكري أن الولايات المتحدة لن تسمح ببقاء باشاغا في العاصمة، وأنها تعارض تلك الخطوة، بل هو حذر أنه “ستكون هناك إجراءات عقابية بحال بقي هناك…

” وأعربت السفارة الأميركية في ليبيا عن “قلقها من اشتباكات طرابلس”، داعية جميع الجماعات المسلحة إلى الامتناع عن العنف وأضافت في منشور لها أن “استيلاء القادة السياسيين على السلطة أو الاحتفاظ بها من خلال العنف سيُؤذي فقط الليبيين”، مضيفة أن السبيل الوحيد القابل للتطبيق للوصول إلى قيادة شرعية هو السماح لليبيين باختيار قادتهم.

وفي نفس السياقات تم تداول معطيات مفادها أن المصريين تواصلوا فعلا مع بشاغا وضغطوا عليه للانسحاب وهو ما تم في الأخير وخاصة ان أطرافا إقليمية تواصلت مع القاهرة في ذلك الشأن وهو ماي يعني ان مبررات الانسحاب لم تكن ذاتية ولا هي ما تم قوله في البيانات الإعلامية والتغريدات التي كتبها “بشاغا”…

رابعا، الجزائر كانت حاضرة وفي الصورة خلال اليومين الماضيين لأنها أصبحت اللاعب الرئيسي والرقم الصعب، وقد تم نقل فكرة للقاهرة صبيحة أول أمس وقبلها بأيام، استعداد الجزائر للتعامل مع المشهد في ليبيا بشكل يحفظ أمن مصر الخاص من جهة ويضمن استقرار الأوضاع في البلد الجار لها من جهة أخرى، ولكن تم التأكيد أيضا على عدم قبول الجزائريين بحكومة باشاغا تحت أي ظرف بل تم التأكيد أيضا على انه لن يتم الاعتراف بأي حكومة أو سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا بخلاف حكومة الوحدة إلى حين إنجاز انتخابات تنتج عنها سلطة جديدة.

والثابت أيضا أن القاهرة أخذت خلال الأسابيع الماضية خطوة للوراء على صعيد تعاملها مع الملف الليبي ومن ثم التوجه نحو عدم تبني أي  حلول عسكرية وخاصة في الوقت الراهن بناء على أزمة مصر الاقتصادية وكون الأوضاع الإقليمية الحالية لا تتحمل أي أزمات جديدة في المنطقة وقد تم ابلاغ فتحي باشاغا بذلك وهو ما يبرر أنه قد حاول للمرة الأخيرة فرض أمر واقع ومن ثم دفع الأطراف للتفاعل لاحقا كما من الوارد أنه أُعطيت له فرصة أخيرة لفرض الامر الواقع وخلط الأوراق، كما أن قراءات تؤكد عدم رضا مصري بشأن بعض تحركاته واتصالاته خلال الأيام الأخيرة…

خامسا، الثابت أن القاهرة تتخبط في التعاطي مع الملف الليبي ولكنها تمتلك هامش مناورة فهي وضعت الملف الليبي على الطاولة خلال الاجتماعات الأخيرة مع “الرباط” وهي تعلمحزم واستراتيجيا الجزائريين وتعلم أن تونس لا تستطيع الاصطفاف ضد الجزائر في الملف الليبي، وهي في نفس الوقت تريد الحفاظ على مسافة الأمان مع الأتراك نتاج عمليات التقارب البطيئة والهادئة وفي نفس الوقت تعلم القاهرة وجود تباينات بينها وبين حليفيها السابقين (أي مع أبو ظبي والرياض).

وكل ما سبق يُبرر قلقها الكبير بشأن التطورات في طرابلس بل وستكون حريصة مستقبلا بضرورة الحفاظ على الهدوء في ليبيا، ومن ثم ستسعىمن حيث الخطاب المعلن على الأقل لحثّ جميع الأطراف الليبية على ضبط النفس والامتناع عن اتخاذ أي خطوات من شأنها تأجيج العنف وهز الاستقرار  وهذا الخطاب سيكون هو الغالب خاصة أنها تعرف تفاصيل التوافقات بين المشري وعقيلة صالح…

***

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية

_____________________

مواد ذات علاقة