علي اللافي

مهما كانت طبيعة الوقائع والتطورات خلال الساعات والأيام القادمة والسابقة ليوم 16 يونيو الحالي (التاريخ المبرمج للإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل)، ومهما كانت ماهية الإجراءات المرتقبة التي قد يُعلن عنها الرئيس “سعيّد” مجددا سواء لدفع رؤيته ومشروعه – والذي من الواضح أنه لم ولن يتنازل عنه مهما كانت المخاطر والاستشارات والضغوطات وأنه تحول بينه وبينه الا أمران ( وهما في علم ألله أولا وأخيرا).

 فان الثابت أن ملامح المشهد ستحددها تطورات الإقليم، ورغم أن الملف التونسي لم يطرح في أشغال أغلب القمم الإقليمية الأخيرة فانه أولى الملفات التي ستُدار مستقبلا بناء على تكيّف الفاعلين الدوليين والإقليميين وبمقاربة لم تعد أقرب لمعالجة الملف اللبناني بل بمعالجة ما بين معالجة ملف سوريا سنة 1953 وبين معالجة الملف المصري سنة 2014.

ولكن كيف ولماذا سيرتبط مستقبل “قيس سعيّد” ومنظومة 25-07 المرتبطة بشخصه ككل وبمشروعه بمعالجة الملف لليبي وبناء عليه أيضا؟

***

** مقاربات ومعطيات وخلفية اساسية

أولا، الفاعل الدولي يَبني سياساته تجاه كل بلدان العالم العربي والإسلامي بناء على أنها وحدة متكاملة وأن التطورات فيها يجب ان تكون متماهية وفي حد أدنى متقاربة من حيث الوقائع ومن حيث ترتيب المشهد السياسي، ومن ثم كيفية التأثير فيه في كل بلد.

وبقراءة مختصرة لمجمل التغييرات الطارئة على كل مشهد في كل بلد مغاربي منذ نهاية عقد الخمسينات يمكن القول انه بينت وتأثرت بمجمل الاحداث والتطورات في بقية البلدان المغاربية رغم أن فترة 1955 – 1987 لم تُجر فيها تطورات كبرى ونوعية في البلدان الثلاث المغرب والجزائر وتونس في ما عرفت ليبيا تحولا وحيدا وعرفت موريتانيا تطورات في أكثر من مناسبة.

ثانيا، منذ نهاية الخمسينات كل تطور في ليبيا كانت تأثيراته مباشرة وغير مباشرة على المشهد التونسي حيث أثرت مرحلة ما بعد لحظة الطفرة النفطية على طبيعة المشهد عبر نتائج مؤتمر الصمود وقراراته الكارثية على البلد حتى اليوم ومن بينها طبعا تَبني بدعة “الاشتراكية الدستورية”، كما أن وصول “القذافي” للسلطة صُوحب في تونس بمحاكمة “بن صالح” ومحاكمات أخرى لمعارضي النظام البورقيبي ولاحقا كان وصول “بن علي” للسلطة نتاجا لعلاقته السرية والخاصة مع القذافي وعبر ترتب اجتماعي وسياسي لطرد آلاف العمال التونسيين من ليبيا سنة 1985.

كما أن فشل انقلاب “ورفلة” سنة 1993 مثّل فرصة للمخلوع ( أي “زين العابدين بن علي) لإحكام قبضته على الساحة السياسية والاجتماعية في تونس ومقابل ذلك مثّل تخلي “القذافي” عن طموحاته النووية وانفتاحه على الغرب متنفسا لمعارضين في تونس وتنامي المعارضة الراديكالية ضد نظام الرئيس المخلوع.

وكانت أولى خطوات خلعه تجمّع المعارضين في حركة 18 أكتوبر 2005 وأحداث الحوض المنجمي وسقوط خطة إقليمية كانت ستفضي الى التوريث في كل من مصر واليمن وليبيا وتونس (وهي طريقة سقطت بشكل دراماتيكي ومحيّر).

ثالثا، معلوم أن أيَّ نظام أو فاعل سيَاسي في البلدين يَبني رؤيته وفعله على تجاهل التكامل الاستراتيجي بين البلدين أو يحدث نفسه بالمس من العلاقات بين البلدين أو توتيرها لصالحه او لصالح الغير الإقليمي، سيَجد نفسه خارج مربعات التاريخ فالرئيسين الأسبقين “بورقيبة” و”المخلوع” من جهة و”القذافي” وقبله “الملك ادريس” من جهة ثانية رحلوا جميعا ورحلت أنظمتهم لحظة اختلال لتلك العلاقة السياسية المباشرة بين البلدين، وهي حقيقة مَبنية على منهجية وفلسفة التاريخ وبيَّناه بالتفصيل في مقال سابق منذ أشهر.

ولا يختلف سياسيان في أن قراءة الوضع السياسي في تونس اليوم يتطلب أولا واخيرا فهم مؤثرات للتطورات في الجارة ليبيا وخاصة أي خارطة ستوضع لها لمرحلة ما بعد يونيو الجاري (تحيين الخارطة الأممية واجراء الاستحقاقات الانتخابية من عدمه على ملامح المشهد السياسي التونسي خلال الأيام والأسابيع والأشهر القادمة بين ديسمبر 2022 ويونيو 2023).

رابعا، سلطات حركة/انقلاب 25 يوليو ورغم أنها متجمعة في قرطاج لم تتقدم أي خطوة ولا أي شبر على مسار علاقاتنا بليبيا رغم ان البلد الجار هو باب استراتيجي مفتوح على مصراعيه:

  • امكانية تشغيل مئات الالاف من العمال من منطقتي الجنوب الشرق والوسط الغربي.

  • إمكانية تطوير أسواق الشركات التونسية والخدماتية أساسا وسوق كبيرة لسلع المعامل التونسية وأولها معامل النسيج إضافة لانتعاش اقتصادي كبير بين المناطق الحدودية المتاخمة لليبيا وصولا للوسط الغربي ولصفاقس بل والعاصمة.

***

** كيف ولماذا سيرتبط مستقبل منظومة 25-07 بتطورات الساحة الليبية؟

أولا، ليس سرا ان نقول ان الفاعل الإقليمي والدولي يسلم بالحقائق التالية:

  • أن بعض قوى دولية تعتقد جازما انه يجب متابعة الوضع في تونس بدقة وأنها أعطت الضوء الأخضر له مساء 25-07 ولكن تقييمها لتطور الاحداث تغيّر كثيرا وخاصة بعد 22-09-2021 وبعد 30-03-2022 بوضوح أكبر.

  • حسم تلك الأطراف الدولية في مستقبل الملف التونسي رغم ضغوطها الكبيرة والمتواصلة، متروك حتى ترتيب الملف الليبي في حده الأدنى ومن ثم النزول بكل قوة في حسم التعاطي مع الملف التونسي، ولكن الخلاف هنا أيضا هو هل فعلا قد حسمت الترتيبات في الملف في حدها الأدنى عبر توافق تركي/اماراتي/مصري منذ أسابيع (حكومة مركزية ب14 وزيرا ولا يرأسها لا “الدبيبية” ولا “بشاغا” وهو ما هو بيّن من اجتماع سرت الذي لم تحضره كل المؤسسات السيادية).

  • ان تضاءل حظوظ بشاغا في دخول العاصمة قد قلّص كثيرا من سيناريو أن منظومة 25-07 ستكون في طريق مفتوح في التعاطي مع الأوضاع في تونس بأريحية كاملة حتى أكتوبر 2024، كما أن الخلاف غير المعلن رسميا بين تونس والجزائر يقوم على قرب تونس من القاهرة على حساب الجزائريين وميلها لسيناريو صعود باشاغا وهو ما يتناقض مع الرؤية الجزائرية.

  • الجزائر تؤكد على دعم الدبيبة واهمية ابتعاد تونس على القاهرة وهي إشكالات ومواقف لا تعلن إعلاميا ولكنها تمرر وتدرس ضمنا وبيّنتها واظهرتها تصريحات تبون في روما وعبّر عنها سابقا في الكواليس أنه لا سبيل للنموذج المصري في تونس ( وتبعات ذلك كارثية على الجزائر على المدى القريب والمتوسط).

ثانيا، بعد أكثر من 10 أشهر كاملة لا يمكن تغييّب ان حركة 25 يوليو الماضي هي بكل المقاييس انقلاب كامل الشروط بمنطق التحاليل والوقائع.

وذلك أنه تم استعمال القوى الصلبة (المؤسستين الأمنية والعسكرية وهما أدوات لحفظ الدولة وحفظ وحدتها وأمنها القومي)، لتغيير المعادلة السياسية التي كانت قائمة والمترتبة فعليا على نتائج انتخابات 2019 وعلى اسقاط حكومتي “الجملي” و”الفخفاخ” وخيارات رئيس الحكومة المكلف من طرف “سعيّد” نفسه.

وما يهمنا هنا أن الغرب بالذات يعتبر أن تونس نموذج للحداثة والمدنية الغربية وبالتالي فهو سيبحث عن حل يرتبط بالفعل السياسي الديمقراطي وضمن سلاسة دستورية وبالحوار في المحصلة النهائية بغض النظر عن أسبقية أي فعل على آخر، بل قد تتطور المواقف مستقبلا نحو اعتبار ان أي مُضيّ هو خيار غير ديمقراطي كما أنه في الداخل سيعتبر تغييب للغة الاجماع الوطني أولا وثانيا تغييب مصالح البلاد الاستراتيجية وخاصة في ظل عزلة شبه كاملة دوليا وإقليميا.

ذلك أنه اصبح هناك إحساس مواطني وفي حد أدنى نخبوي أنه تم كسر أبجديات تسيير الدولة التونسية بغض النظر عن كارثية الفعل السياسي بين أكتوبر 2019 و 24 يوليو 2021، وفي حد أدنى لا يُمكن القَبول الا بخارطة طريقة توافقية تُؤدي الى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها ولكن ليست بما هو موجود في خارطة الرئيس “سعيّد” نفسه ( تحديدا بتفاصيلها الحالية).

ثالثا، بناء على معطيات النقطتين السابقتين والسيناريوهات والمسارات الليبية الثلاث أعلاه فإنه يمكن التأكيد أن المشهد السياسي سيرتسم بناء على الحاليتين التاليتين:

الحالة الأولى: في حال إقرار خارطة الاستحقاقات الانتخابية في ليبيا ولو بشكل جزئي (نيابية فقط) أو تأجيل لفترة قصيرة (فيفري 2023) فانه يمكن أن الانقلاب في تونس لن يبقى له الا أن يُوارى التراب بما هو خيار تغييب المعادلات السياسية والديمقراطية والحرية وأن أفق ذلك لا يمكن في أدنى الحالات هو منتصف يوليو القادم وفي أقصى الحالات انه قد لا يتم الوصول لمرحلة انجاز الاستفتاء.

الحالة الثانية: وهي تتمثل في تعثر التوافق على خارطة انتخابية ليبية مستقبلية والسقوط في متاهات التأجيل أو إسقاط الخارطة الأممية تماما (وهذا السيناريو الأخير أمر مستعبد في ظل وجود”ستيفاني” المستوعبة لفهرسة الساحة الليبية سياسيا واجتماعيا)، وفي تلك الحالة فان مشروع “سعيّد” سيتمدد زمنيا وقد يصل أفقه الزمني إلى خريف السنة المقبلة وربما الى 2024 وهي حالة ستتحدد من حيث التفاصيل بقدرة معارضي الانقلاب (وهم في تكاثر كمّي ونوعي ورغم وجود جبتهتين متمايزتين في كثير من النقاط والتفاصيل)، على التصدي للخيارات غير السياسية (ومن بينها نيّة العودة لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وتضييق الحريات والمضيّ في خيارات مشروع الديمقراطية المباشرة)

رابعا، عمليا من حيث المدى الزمني هناك 6 سيناريوهات مستقبلية

وقبل عرضها لنهاية الانقلاب لا تعني ضرورة خروج سعيّد من منصبه وإنما نهاية حكومته الحالية وطبيعة علاقته بها وأيضا تخلّيه عن مشروعه وخارطة طريقه الحالية (الارتكاز على الاستشارة تنظيم الاستفتاء – تعديل الدستور بالشكل المعلن عنه – تنظيم الحوار بذلك الاشكل والأسلوب).

وتلك السيناريوهات (ونسبها الممكنة وفقا لتقديرنا وتحليلاتنا) هي:

السناريو الأول: (4 بالمائة)

ويتمثل في نهاية الانقلاب بشكل أو بآخر في أفق الأسابيع القادمة وربما قبل 16 يونيو، وهذا السيناريو ضعيف جدا ولكنه ليس مستحيلا، ومحدداته هي بالترتيب اجتماعية محليا، ثم إقليمية، ثم دولية، ذلك أن الداخل التونسي متردد وقلق (أي أن الشارع يترقب حوار جامع حتى يطمئن وهو قابل للمضيّ به في كل الاتجاهات ولكنه قابل للتوظيف ولكنه غير قابل للإلهاء وإن بدا كذلك.

السناريو الثاني: (16 بالمائة)

وهو سقوط الانقلاب عبر إلغاء الاستفتاء وقد يتم أيضا عن طريق أشكال عدة من بينها اقتناع قصر قرطاج بانه لن يتم تحقيق أي نجاحات مثل تلك التي تم رسمها او تقديرها من طرف بعض من الفريق الاستشاري، والمحددات هنا دولية ثم إقليمية ثم محلية بل وحتى من داخل مربعات الانقلاب نفسه (وهو الذي زادت منظومته إنقساما على إنقسام، وبالتوازي قد يتم خلط الأوراق عبر إعتقالات وإقامات وإجراءات ولكنها خطوات قد تحقق في الأخير مبتغى نهاية الانقلاب في أفق ذكراه الأولى.

هناك هنا بالذات سؤالين مهمين:

الأول، هو: أين وصلت حرب التوظيف والوعي بالتوظيف بين “سعيّد”(المنظومة وليس الشخص) و”القديمة” النوفمبرية؟ وهل سيبقى رابحا في توظيفها دون تحقيق أهدافها الدموية والباحثة عن الاقتصاص من الثورة أولا ومن النهضة ثانيا؟ أو ستربح هي معركة التوظيف وتضعه جانبا في آخر المطاف؟

الثاني، هو : هل سينتبه “سعيد” مجددا أنه لو أخرج النهضة وقبل ذلك الثورة من مسرح الأحداث أنه سيتم اخراجه لاحقا وبسهولة ويسر كبير؟

السيناريو الثالث: (20 بالمائة)

وهو ينبني طبعا على إجابات مفترضة للسؤالين الاسبقين ويقوم السيناريو على فرضية ان “سعيد” ينجز الاستفتاء والانتخابات وبطريقته وبمجرد الحصول على برلمان – بغض النظر عن طبيعة نوابه وطريقة اختيارهم والتعسف في وصولهم سياسيا وأمنيايتم المرور للقطار الثاني أي البديل عن “سعيد” وهنا لا يعرف تحديدا التمايز بين منظومة “سعيد”والمنظومة المحتوية لها في كل الاتجاهات أو بالأحرى من محتو للآخر، وهنا سيكون الأفق الزمني هو نهاية 2022.

السيناريو الرابع: (25 بالمائة)

وهو السيناريو السابق ولكنه مختلف من حيث المدى الزمني لطبيعة أحداث الإقليم الممكنة وأين وصلت الاحداث في لبيا ما بعد بداية 2023 وطبيعة الصراعات الدولية بين الأمريكيين والروس من جهة وبين الصينيين والأمريكيين، وقد يتم فعليا كسيناريو بين مارس 2023 و24-07-2023.

السيناريو الخامس: (5 بالمائة)

وهو شبه مستحيل وهو أن يفاجئ “سعيد” الجميع بين 10-06-2022 و24-07-2022 بخطاب يدعو فيه كل الأطراف السياسية والاجتماعية لطاولة الحوار مبتعدا عن منطق الفرز وفقا لمقولة الصادقين والكاذبين، وهو احتمال يبقى واردا، وفي الأخير السيناريو مفترض قد تفرضه معادلات لا تُرى الآن ولكن تفاصيله تتناقض مع شخصية الرئيس “سعيد” التي لا تقبل الرجوع عن خيارات مرسومة رغم أنه تراجع في أكثر من مرة وغير مواقفه في اكثر من موضوع ( وهذا حديث ثان في مقال ثان).

السيناريو السادس والأخير: (30 بالمائة)

ويتمثل في تظافر الظروف الإقليمية والدولية وتحولها لصالح “سعيد” وهو سيناريو وارد ولكنه يتطلب شروطا صعب توفرها (انقسام كل من جبهتي المعارضة (الخلاص – الديمقراطية الاجتماعية وقبول كل المنظمات الوطنية بشروطه الحالية وحدوث تفكك وانقسامات داخل كل منها، ومروره الى مرحلة بناء التنظيم الطليعي على الشاكلة الناصرية، كما يتطلب السيناريو وجود طرف إقليمي قوي قادر على الدعم بقوة ماديا ولوجستيا وفي المحافل الدولية ولو بطرق غير مباشرة ولكنها ناعمة من حيث التأثير وتوفير الشروط الصعبة أعلاه.

خامسا، في كلا الحالتين السابقتين للوضع في ليبيا، فان الانقلاب التونسي بنسقه الحالي وخطابه السياسي والاتصالي الحالي لا مستقبل له

ذلك أنه سقط منذ أسابيعه الأولى كسردية انبنت على مقولتي “تصحيح المسار” و”التفويض الشعبي” ولكن مرحلة التصدي له – أي الانقلابقد تطول أكثر ولأشهر أخرى رغم أن ما يسمى بإنجازات الحكومة اجتماعيا هي صفرية بالأساس وخاصة في موضوع الأسعار وتنمية الاستثمار وتعدد مظاهر العزلة الدولية لها وهي حكومة سكرتاريا رئاسية لا غير، بل هي تتطلب التعيين في الكثير من حقائبها خاصة في ظل أخطاء كارثية وفي ظل استقالة عضوين (أحدهما استشاري).

***

علي اللافي كاتب ومحلل سياسي

_______________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة