د. محمد بالروين

انتشرت ظاهرة “الاغتراب” عبر التاريخ المعاصر بمعاني مختلفة وفي مجالات فكرية عديدة، فعلى سبيل المثال، هناك “اغتراب ذاتي”، و”اغتراب نفسي”، و”اغتراب وجودي”، و”اغتراب ديني”، و”اغتراب اجتماعي”، و”اغتراب ثقافي”، و”اغتراب وظيفي”، و”اغتراب اقتصادي”، و”اغتراب سياسي” وغيرها

في هذه العجالة سيرتكز حديثي حول “ظاهرة الاغتراب السياسي”، الذي يعني عدم ثقة المواطنين في السياسيين وحكومتهم، وشعورهم بعدم الانتماء للسلطات الحاكمة، والعجز على تغيير الواقع المُعاش، وأن ما يقوموا به لا معنى ولا قيمة له، مما قادهم إلى النفور والابتعاد ورفض الانقياد لأوامر السلطات وعدم مشاركتهم في العملية السياسية، وشعورهم بالقطيعة والانفصال عن البيئة السياسية المتواجدين فيها.

الأعراض

في هذا الوضع، وكنتيجة لانتشار هذه الظاهرة, سيطرت نخب فاسدة ومُفلسة على المشهد السياسي، وأنقسم المواطنين إلى شرائح متعددة تعيش مغتربة في وطنها ومُبتعدة عن بعضها البعض!

ولعل من أهم هذه الشرائح:

أولا: المهمشون

هم شريحة كبيرة من المواطنين وجدوا أنفسهم يعيشون على هامش المجتمع، ويشعرون بأنهم، بالرغم من كل ما قدموه للوطن، غير ممثلين في مؤسساته، ولا مراعاة لمصالحهم. ليس هذا فقط، بل سعي النخب الحاكمة الدائم لإخراجهم من مناطق التأثير ودوائر صنع القرار، مما نتج عنه شعورهم بالدونية وحرمانهم من العمل في مؤسسات الدولة بالرغم من أن الكثيرين منهم قادرون ومؤهلون للقيام بذلك.

فمن المؤسف أن تستخدم النخب المُسيطرة على المشهد السياسي أداة التهميش لإفقار وإضعاف شريحة كبيرة من المواطنين وعزلهم اجتماعياً واقتصاديا وسياسيا عن بقية شرائح المجتمع. والأسوأ من ذلك، استخدام النخب للتهميش كأداة لإخضاع المواطنين من أجل كسبهم أو جذبهم أو إقصاءهم أو حتى التخلص منهم في بعض الأحيان. وعليه لابد من رفض التهميش كأداة سياسية، لأنها خطيرة وضارة تجعل شريحة من أبناء الشعب تعيش أوضاع مأساوية وبيئة ملوثة وغير صحية وظالمة.

ثانيا: المحبطون

إلى جانب شريحة المهمشين في الدولة، توجد نتيجة لانتشار ظاهرة الاغتراب، شريحة ثانية تعيش حالة الشعور بالإحباط والفشل، أي الشعور بأنها لا تستطيع التأثير في أفعال وقرارات السلطات التي تخضع لحكمها. بمعنى أن هؤلاء المواطنين (وأغلبهم من الشباب) يعتقدون أن ما يحدث في حياتهم أصبح خارج سيطرتهم، وأن ما يقولونه ويفعلونه لا يهم المسؤولين ولا من حولهم، ويعتقدون أنهم أصبحوا عاجزين عن تحديد مسار حياتهم، والشعور بعدم تحقيق أهدافهم المنشودة مما قادهم إلى فقدان الثقة في أنفسهم وشعورهم بالصدمة والخذلان من الواقع الذي يعيشون فيه، كل ذلك قادهم إلى حالة من اليأس والقنوط من إحداث تغيير مجتمعي وحقيقي يمكن أن يحدث ويحقق لهم النجاح الذي يبحثون عنه.

ثالثا: المبتعدون

بالإضافة إلى شريحتي – المهمشين والمحبطين – أنتج الوضع الذي يعيشه الليبيون هذه الأيام شريحة ثالثة اختارت الابتعاد عن المكاره والمخاطرِ التي ينتجها الواقع السياسي المحيط بهم. فبالرغم من أن هذه الشريحة ليست كبيرة في الحجم، إلا أنها شريحة مهمة في المجتمع وضرورية لإنجاحه، فجُل أعضاء هذه الشريحة من الشخصيات الوطنية المتعلمة والمثقفة والمهنية ذات الكفاءة العالية التي تحتاجها الدولة للنهوض وإعادة البناء والإعمار.

مما نتج عن هذا الابتعاد أن أصبحوا مُغتربين عن واقعهم، وعن كل من حولهم، وعن شعبهم الذي في أمس الحاجة لهم، والأسوأ من كل ذلك أن أصبح هَمَّهم الأساسي هو البقاء على قيد الحياة. بمعنى آخر، لقد اختارت هذه الشريحة العُزلة، أي الابتعاد الاختياري عن المشهد السياسي، مما دفعها لعدم العمل والسعي لتغيير الواقع الذي تعيش فيه، ورفضها لكل المعايير التي من المفترض الالتزام بها، وتركها للأهداف التي ينبغي أن تشارك في تحقيقها مع بقية أبناء الشعب.

الخلاصة

باختصار يمكن القول إن اغتراب المواطن يعني ابتعاده عن المحيط السياسي الذي يعيش فيه، وانفصاله عن أفكاره ومعتقداته ومشاريعه وأحلامه، وبذلك يصبح في حالة نفسية لا يستطيع من خلالها التعرف على ذاته وغير منتجً، مما يؤدي لانعدام وعيه بحقيقة وجوده وتنازله عن حقوقه ومستحقاته للآخرين.

وعليه لابد على النخب الوطنية من العمل لاقتراح حلول واقعية وعملية للخروج من هذا الوضع المأسوي الذي يعيشه شعبنا وخصوصا الشرائح الثلاث التي ذكرتها أعلاه، وإلا فإن الشعب سيصل، عاجلا أو آجلا، إلى حالة الانفجار كما حدث عام 2011 ضد حكم القذافي، وعندئذ سيقف الجميع في حيرة من أمرهم، وسيكونوا عاجزين عن الخروج من حالة الانهيار السياسي الشامل. وفي اعتقادي المتواضع، لمواجهة ظاهرة الاغتراب السياسي التي يعيشها شعبنا، لابد من القيام بالآتي:

أولا: ضرورة رفع مستوي وعي المواطن

بالرغم من وجود العديد من النشطاء والهيئات والمنظمات والمؤسسات المجتمعية في الساحة السياسية الليبية منذ 2011، إلا أن جُلها دون وعي حقيقي لما تقوم به ولا معرفة عملية بالواقع الذي تعيش فيه، ودون إدراك لأهداف الدول الإقليمية والدولية التي تتواصل معها! وبذلك أصبحت تتخبط محلياً، ووقعت فريسة سهلة لمخططات القوى الإقليمية والواجهات المخابراتية الخارجية. وعليه فقد أصبح من الواجب على النخب من معرفة حقيقة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وأبعاده المعقدة، وإدراك نقاط الانطلاق لتحقيق الوعي المرغوب والمنشود. فبدون الوعي الحقيقي بمتطلبات الشعب ولماذا قام بالتغيير في 2011، لن يكون هناك إصلاح حقيقي، ولن تسير الأمور إلا نحو الأسوأ لا سامح الله!

ثانيا: ضرورة زرع روح الأمل

لكي يتخلص شعبنا من هذا التشرذم والانقسامات الخطيرة والضارة بين صفوفه لابد من العمل المنظم والدؤوب لزرع التفاؤل وبث روح الأمل بين المهمشين، وإقناع المحبطين بأن القادم أجمل والمستقبل أحلى يستحق العمل من أجله وانتظار تحقيقه، ولابد من إقناع المبتعدين عن المشهد السياسي بأن وجودهم في قلب المعترك السياسي فرض عين وواجب وطني، وأن الشعب في أمس الحاجة لمعرفتهم وخبراتهم وتخصصاتهم.

ثالثا: ضرورة وضوح وتبسيط الأهداف والمشاريع

بمعنى لابد أن تقوم النخب بتحديد أهدافها وأولوياتها، وأن تقوم بتقديم البرامج والمشاريع الواضحة والمفيدة للمواطن البسيط. وبمعنى لابد من إدراك أن التخبط في طرق الوصول للغايات المنشودة هو السبب الأساسي لحالة الإرباك واليأس والقنوط التي يعيشها المواطن هذه الأيام. وبمعنى آخر، إن وضوح الأهداف والمشاريع والأساليب سيسهل تحديد معايير الحكم على النتائج، ومساءلة كل من حاد عن الطريق، ومحاسبته على كل ما قام ويقوم به.

رابعا: ضرورة التركيز على البرامج الخدمية

بمعنى ضرورة دفع الأحزاب والتكتلات والتيارات السياسية لتقديم برامج خدمية ومشاريع واضحة وعملية تخدم المواطن وتُمكنه من اختيار الأنسب من بينها.

خامسا: ضرورة تحديد المكافآت والمزايا للمناصب السياسية

بمعنى ضرورة تحول المناصب السياسية، وخصوصا السيادية منها في الدولة، من مراكز للغنيمة والغنى السريع إلى مناصب خدمية ذات دخل محدود (أي رواتب محددة) ودون أي مزايا أخرى إلا ما تقتضيه الحاجة، وضرورة منع أي مسؤول، خلال توليه مهامه، من ممارسة أي نشاط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي آخر مهما كان السبب.

سادسا: ضرورة الالتزام بمبدأ التداول السلمي علي السلطة

بمعنى ضرورة تحديد مدة تقلد المناصب في الدولة ومخالفة كل من لا يحترم ذلك. ويجب ألا يُسمح لأي شخص (مهما كان) أن يتولى أي منصب لمدة تزيد عن عشر سنوات، حتى تُتاح الفرصة لكل جيل أن يشارك في حكم نفسه. ومن هذا المنطلق أدعو كل النخب المتصدرة للمشهد السياسي منذ 2012 أن تترك المشهد لغيرها، وأن يتم السعي لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب.

في الختام، على الخيّرين في الوطن، بغض النظر عن معتقداتهم الفكرية، أو انتماءاتهم السياسية، أو ارتباطاتهم العرقية ألا يتركوا ظاهرة الاغتراب السياسي تتفاقم دون علاج، لأن ذلك سيؤدي حتما إلى فقدان كل ما هو إيجابي ومقدس وجميل في الوطن، وعند ذلك، لا سمح الله، سنخسر جميعا ويفقد المواطن البسيط متعة العيش الكريم. فهل في الإمكان أن تتحد النخب الوطنية من أجل إنقاد الوطن أو ما تبقى منه؟!

ادعو الله أن يتحقق ذلك.

***

ا.د. محمد بالروين ـ أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

_____________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مواد ذات علاقة