أسامة رمضاني

هناك إدراك في ليبيا بأن أي حل عسكري أصبح شبه مستحيل، لقد سئمت القوى الإقليمية والدولية من الحرب العقيمة بالوكالة والشعب الليبي منهك بسبب سنوات من المعاناة وعرقلة الوصول إلى حلول.

وجدت ليبيا نفسها مرة أخرى في وسط مأزق سياسي، حيث تتنافس حكومتان، إحداهما في طرابلس والأخرى في سرت، برئيسي وزراء متنافسين على الشرعية وكذلك الدعم الداخلي والخارجي.

وبدأت المواجهة الأخيرة في شهر فبراير عندما عيّن البرلمان الواقع في مدينة طبرق وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا رئيسا جديدا للوزراء بدلا من رئيس الوزراء المؤقت عبدالحميد دبيبة، وكان من المفترض أن يستمر الأخير حتى الانتخابات الرئاسية في شهر ديسمبر 2021، وهي الانتخابات التي تم إجهاضها، لكنه تعهد في النهاية بعدم التنازل عن السلطة إلا لحكومة منتخبة.

وتطلّب الأمر محاولة فاشلة من قبل فتحي باشاغا لشق طريقه إلى طرابلس الشهر الماضي للفت الانتباه الدولي إلى الأزمة الليبية بعد أن تضاءل الاهتمام الدولي بها مقارنة بالحرب الأوكرانية.

كما تم تسليط الأضواء مرة أخرى على دور الميليشيات حيث قامت فصائل مسلحة مختلفة بتهريب باشاغا إلى طرابلس ومرافقته في النهاية إلى خارج المدينة.

وأثارت الاشتباكات التي اندلعت مخاوف من تجدد الحرب الأهلية والحذر من رد فعل حلفاء باشاغا، لاسيما رئيس البرلمان عقيلة صالح وقائد الجيش في الشرق خليفة حفتر.

وبسبب الخلاف حول المدفوعات، أغلقت العناصر القبلية المرتبطة بحفتر حقول النفط، مما أدى إلى خسارة البلاد لمليارات الدولارات من العائدات بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة.

المشكلة تكمن في أن الاتفاق على مسودة الدستور وتقديمه لاحقًا للاستفتاء هو هدف مفتوح، والذي شتت الانتباه عن قضية معالجة الخطر الأكثر إلحاحًا وهو الخلاف بين الدبيبة وباشاغا.

وأدت الدوافع الأنانية للسياسيين إلى تعميق تشاؤم الليبيين وإحساسهم بالعجز، وهو الشعور الذي كان متجذرًا جراء عقود من الحرمان من الحقوق في ظل حكم معمر القذافي والتدخل الجامح من قبل القوى الأجنبية منذ عام 2011.

وقد زاد الدور الفعلي والخيالي المنسوب إلى القوى الخارجية من الشعور بالارتباك لدى معظم الليبيين، حيث أدت الشائعات ونظريات المؤامرة إلى تعميق فكرة أن مصير بلدهم ليس في أيديهم، بل هو في أيدي أطراف خارجية.

ولسوء الحظ بالنسبة إلى ليبيا، فإن التدخل الخارجي حقيقي للغاية ولا يمكن رفضه باعتباره نسجًا من الخيال الشعبي.

فقد جلب الليبيون بعض تلك التدخلات الأجنبية على أنفسهم، ولطالما وجدت الفصائل المتنافسة في الشرق والغرب أنه من المناسب البحث عن الدعم من القوى الأجنبية.

وبالنظر إلى تاريخ التدخل الأجنبي في ليبيا، فلا مفرّ من الوصول إلى حقيقة أن حل النزاع قد يتطلب إجماعًا دوليًا وترتيبًا عمليًا للأولويات، إن الاختلاف في الرؤى بين أصحاب المصلحة الدوليين لن يؤدي إلا إلى تأخير أيّ ديناميكية لتسوية جادة.

وما يمكن أن يساعد في بناء ذلك الإجماع هو الاهتمام الأميركي بإعادة العمل في الشأن الليبي، وحتى لو كانت التطورات الدولية غير المتوقعة تجعله مؤقتًا أو محدود التركيز.

وقد يكون الاتجاه الإقليمي نحو التهدئة والمصالحة من ضمن العوامل الأخرى التي قد تساعد.

فقد تقرّبت تركيا من منافسيها السابقين بما في ذلك دول الخليج العربي ومصر، حيث لعبت تركيا بلا شك دورًا رئيسيًا في ليبيا على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري، علاوة على ذلك، أصبحت أنقرة الآن أكثر انخراطًا في سوريا والعراق وتشعر بالقلق من تأثير حرب أوكرانيا على مصالحها داخل الناتو والاتحاد الأوروبي وأيضا على تأثير ذلك على علاقاتها بالولايات المتحدة.

ولكن قد تكون هناك حاجة إلى إعادة ضبط العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وذلك أكثر من أيّ وقت مضى، وهي العملية التي فشلت في اختبار إجراء الانتخابات في موعدها العام الماضي، وتواصل الأمم المتحدة العمل في ليبيا من دون وجود تصور نهائي للحل المحتمل.

وقد عقدت المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز محادثات مشتركة في القاهرة الشهر الماضي، والتي حضرها مندوبون من مجلس النواب ومجلس الدولة، وركزت تلك المحادثات على مراجعة “المسودة الدستورية لعام 2017”.

لا يمكن للانتخابات أن تكتسب زخماً بسهولة في الوضع السياسي غير المستقر في ليبيا والقائم على فكرة خروج المغلوب، وقد تحتاج البلاد في نهاية المطاف إلى قائمة جديدة من الشخصيات لاستعادة ثقة الجمهور في النخبة السياسية

ومن المقرر عقد اجتماع جديد في شهر يونيو على أمل الانتهاء من الاتفاق على المسودة الدستورية قبل إجراء الانتخابات.

وتكمن المشكلة في أن الاتفاق على مسودة الدستور وتقديمه لاحقًا للاستفتاء هو هدف مفتوح، والذي شتت الانتباه عن قضية معالجة الخطر الأكثر إلحاحًا وهو الخلاف بين الدبيبة وباشاغا.

والإجماع على الإطار الدستوري هو شرط نظري مسبق لإجراء انتخابات منظمة، لكنه أيضًا شرط أساسي قد لا تتمكن ليبيا من تلبيته في الوقت الراهن، بالنظر إلى الاحتياجات الملحة الأخرى للبلاد، ويمكن ترك الإطار الدستوري للبرلمان القادم للتعامل معه.

والمهمة الأكثر إلحاحًا هي التوصل إلى إجماع حول نوع الانتخابات التي ستجرى، ويأمل الكثير في أن تؤدي الانتخابات التشريعية أولاً إلى خلق مؤسسات الدولة الموحدة، بما في ذلك البرلمان والحكومة المؤقتة وإعادة تنشيط المحكمة الدستورية. فإن إعطاء الأولوية للانتخابات الرئاسية الأكثر حساسية سيعني تأخير أيّ اقتراع لفترة طويلة.

وسيتوقف التوافق على تهدئة مخاوف النقاد في الجانب الشرقي، الذين يرون أن الأولوية البرلمانية هي حيلة إسلامية لإلغاء الانتخابات الرئاسية بشكل لا رجعة فيه.

ومن الواضح أن الانتخابات في ليبيا تؤدي إلى تفاقم التوترات، حيث حدث ذلك بعد اقتراع 2014 ومرة أخرى قبل التصويت المقرر في ديسمبر 2021.

ولا يمكن للانتخابات أن تكتسب زخماً بسهولة في الوضع السياسي غير المستقر في ليبيا والقائم على فكرة خروج المغلوب، وقد تحتاج البلاد في نهاية المطاف إلى قائمة جديدة من الشخصيات التي يمكن من خلالها استعادة ثقة الجمهور في النخبة السياسية.

وفي الوقت الحالي، يجب أن ينصبّ التركيز على اغتنام الفرصة بشكل عملي ورسم نهاية يمكن قبولها.

ويمكن أن تكون الرياح مواتية في ليبيا، فعلى الرغم من كل المخاوف من أن يؤدي رئيسا الوزراء المتنافسين إلى إشعال حرب أهلية من جديد، إلا أن هناك إدراكا في ليبيا بأن أيّ حل عسكري أصبح شبه مستحيل. لقد سئمت القوى الإقليمية والدولية من الحرب العقيمة بالوكالة، والشعب الليبي منهك بسبب سنوات من المعاناة وعرقلة الوصول إلى حلول، ويتساءل الشعب لماذا أخذ السياسيون كل هذا الوقت الطويل، فعلى الرغم من الاختلافات الإقليمية والقبلية، إلا أن ليبيا لا تسيطر عليها الانقسامات الحزبية أو الطائفية التي لا يمكن التغلب عليها ولديها بالتأكيد الموارد للبدء من جديد، إذا ابتعد المفسدون عن المشهد .

***

أسامة رمضاني ـ رئيس تحرير العرب الاسبوعية

_______________

مواد ذات علاقة