كثيرة هي تلك الدلائل التي تؤشر إلى أنه ثمة تغييرات على الساحة الليبية قد يكون لها بعد استراتيجي يجري التحضير له، ومن بين تلك الدلائل أو لعله أبرزها، هو إعادة فتح سفارات أوروبية مهمة في طرابلس، وزيادة حركة الطيران العسكري الأجنبي المكثفة على مطاري مصراتة ومعيتيقة وقاعدة الوطية، خلال الأيام الماضية لعل من أبرزها دول أمريكا وبريطانيا وتركيا.

هذا وقد سبق ذلك رحلات مكوكية لبعض أهم قادة الكتائب المسلحة بطرابلس وغربها. كانت تلك الزيارات لدول أوروبية وإقليمية. وأهم هذه اللقاءات قد جمعت هؤلاء القادة برئيس البرلمان عقيلة صالح، باشراف المخابرات المصرية العامة في القاهرة. لكنه لم يفضي إلى منتائج تذكر أو يمكن التعويل عليها ظاهريا على أقل تقدير بالنسبة لحكومة فتحي باشاغا واستلامه لمهامه من حكومة الوحدة الوطنية.

إن أهم مرتكزات المواقف الدولية في الوقت الحالي، مما يجري في ليبيا، هو إبعاد التواجد الروسي المهم والذي يقطع البلاد من أقصى الشمال الشرقي إلى أقصى الجنوب الغربي، بطريقة تمثل أبعاد التواجد استراتيجية أهمها الطاقة والنفوذ العسكري، الذي يجعل البلاد في حالة انكشاف عسكري كامل.

بالذات كون روسيا تسيطر على أهم قاعدة عسكرية والتي تقع في صرة ليبيا ألا وهي قاعدة الجفرة الاستراتيجية والمطلة مباشرة بمساحة مفتوحة على حوض المتوسط.

إن أقل ما يمكن أن يوصف به هذا التواجد على رقعة الشطرنج الليبية هو تمركز استراتيجي يتيح هامش فسيح من المناورة على صعد ومستويات مختلفة من حيث الأهمية وسرعة التأثير ليس من خلال ليبيا فحسب، ولكن حتى من خلال دول الساحل الأفريقي، حيث ثالوت الرعب الإرهاب، وتجارة البشر، والمخدرات“. ناهيك عن مصادر الطاقة ومناجم التعدين.

إن المتتبع لحجم المتغيرات خلال العقد السابق على الساحة الدولية والاقليمية يلاحظ بجلاء تقدم مستوى التأثير الروسي في مجريات الأحداث عملياتيا وتكتيكيا واستراتيجيا، والسبب البارز والمباشر في ذلك طبيعة إدارة الحكم في روسيا القيصريةالتي تتيح مرونة وفاعلية في الحركة والتأثير ما جعل الروس يفعلون ثم يتكلمون بعكس الغرب الذي يتحدث ولا يفعل الكثير، وبالتالي هم يحاولون الآن محاصرة روسيا بقصد تقزيم تأثيرها في مجال حركتها إلى أقصى درجة ممكنة. هذا ما نراه صعب التحقيق بسبب تشابكات العلاقات والمصالح الدولية وكذلك تطور القدرة على إدارة الحروب وخوضها بلا دماء ما يعرف بالحرب الهجينة .

كل هذا ينعكس سلبا على ليبيا كونها ساحة من ساحات الصراع الدولي وحتى الإقليمي وإن كان بنسبة أقل.

إن حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبدالحميد الدبيبة تواجه تحديات جسام أخطرها ما يمكن أن نطلق عليه حالة انعدام الثقة والتوجس بين عبدالحميد الدبيبة والكتائب المسلحة داخل طرابلس وتلك التي تشكل طوق أمني عليها فهم بين ترهيب وترغيب.

أما السيد فتحي باشاغا رئيس حكومة الاستقرار بات يعاني من تدهور ثقة شريكية خليفة حفتر وعقيلة صالح بقدرته على أن يباشر مهامه كرئيس للحكومة من داخل طرابلس. وتواجهه مشكلة مع حليف الأمس تركيابسبب تحفظها الشديد على تشكيلته الوزارية التي تراها قد تهدد مصالحها تهديدا خطيرا في ليبيا.

وقد عزز مصداقية هذا التحفظ ما جاء في كلمة خليفة حفتر في بنينا بمناسبة ما أسماء الذكرى الثامنة لثورة الكرامة” (!!!). حيث تحدث صراحة عن احتلال المنطقة الغربية والمرتزقة في إشارة صريحة لدولة تركيا.

إن حالة الضعف المتنامي لرئيسي الحكومتين قد يفضي إلى إيجاد آلية ما يمكن من خلالها تكليف شخصية أخرى لرئاسة الحكومة، وسحب الاعتراف من كلا الحكومتين السابقين. ولعل ذلك قد يكون من خلال رئيس المجلس الرئاسي محمد يونس المنفي.

فالحالة الأمنية في العاصمة تشهد تدهورا خطيرا يعزيه بعض المتابعين إلى الكتائب الملسحة الداعمة لمشروع دخول فتحي باشاغا إلى طرابلس الأمر الذي قد يفضي إلى خروج العاصمة عن السيطرة والدخول في حالة الفوضى والعودة إلى المربع الأول ما بعد 2011.

وبناء على ما تقدم نعتقد أن مجريات الأمور تتجه إلى المزيد من التعقيد مما يؤشر إلى انسداد سياسي حقيقي يجعل التقدير للسيناريوهات المحتملة من خلال الاصطفافات الداخلية والمقاربة بالاهتمامات الإقليمية والدولية لا تخلو من أحد من السناريوهات التالية:

السناريو الأول: حدوث فراغ سياسي في البلاد

فبعد تاريخ 21 يونيو الجاري، الذي هو موعد انقضاء المدة الزمنية لانتهاء حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، والذي يترقبه الجميع، من المفترض أن تدخل البلاد في حالة فراغ سياسي يُخشى أن يسبب فراغ أمني وعسكري قد يتسبب في قدر من الفوضى في العاصمة طرابلس تحديدا.

فالتباين في المواقف تجاه معطى الحكومة الذي أصبح حقيقة واضحة بين التشكيلات العسكرية وما تملكه من أسلحة وعتاد عسكري يجعل من خطر الصدام المسلح بينها أمرا واردا، خصوصا إذا علمنا أن جلّ هذه التشكيلات لا تملك رؤية خاصة بها بقدر ما هي تحت سلطان الارتزاق بحيث تكون عرضة للتوظيف والاستخدام وبالتالي ترجع إلى نفس المشهد بعد تحرير العاصمة في 2011، بحيث كل تشكيل عسكري ينغلق على نفسه ويسيطر على مناطق نفوذه وظهور فوضى لا يسيطر عليها أحد. هذا الأمر، لو حدث يحتاج إلى وقت طويل لإعادة السيطرة عليه من جديد لأي حكومة قادمة.

السناريو الثاني: بقاء واستمرار حكومة الدبيبة

وتخدم هذا السيناريو جملة عوامل أهمها الخوف من الفراغ الذي قد ينتج من عدم التوافق على حكومة تستلم مهامها بعد 21 يونيو الجاري، وقد عبر عن هذا القلق، المجتمع الدولي من خلال البعثة الأممية، وتصريحات بعض الدول الكبرى. وعزز ذلك سوء إدارة حكومة باشاغا في سياستها للوصول للسلطة من خلال مواقف وتصريحات رئيس حكومة الاستقرار وداعميه، وهذا أيضا فتح أو سمح إلى عبد الحميد الدبيبة الاستقواء بالتشكيلات والقوى الفاعلة في طرابلس لمواجهة اي تصعيد يكون من حكومة باشاغا.

ولعل التصريح الأخير الذي ذكر فيه حفتر وقبله رئيس حكومة الاستقرار بأن طرابلس تحكمها التشكيلات المسلحة والميليشيات، وأومأ إلى عدم استبعاد أي عمل لمواجهته، يمثل نموذجا لحالة التأجيج الذي يستفيد منها عبدالحميد الدبيبة وفريقه. وهذا ما يسمح له بتقديم نفسه بالاستمرار في أداء مهامه حتى إشعار آخر ولعل تجربة حكومة الصخيرات خير مثال لذلك.

السيناريو الثالث: تشكيل حكومة جديدة (ثالثة)

هذا السيناريو ل يستبعد أن يكون الإعلان عنه من خلال رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ومن خلال ما يرى أنها من صلاحياته التي تمكنه من ذلك، بحيث يتم الإعلان عن تشكيل حكومة مصغرة لها مهمة محددة هي الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي سواء التشريعي أو الرئاسي.

ولكن يبقى هذا الأمر له توجس عند الدول المتدخلة في الشأن الليبي لصعوبة فرضه على كل الرقعة الجغرافية للبلاد، وكذلك إيجاد المعادلة التي يمكن صياغتها لذلك، مع التقدير بحصول اعتراض وتشويش وعدم قبول هذا السيناريو من قبل مجلسي النواب والأعلى للدولة.

السيناريو الرابع: استلام السلطة برئاسة المجلس الأعلى للقضاء

هذا من السيناريوهات قوية الاحتمال لدعمه من بعض الدول الإقليمية،خاصة مصر. وكذلك من قبل عقيلة صالح رئيس مجلس النواب بحيث يقود البلد بعد 21 يونيو الجارئ رئيس المجلس الأعلى للقضاء السيد محمد الحافي أو شخصية أخرى من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، يتم اختيارها فيما بينهم لتقوم بتشكيل حكومة مصغرة، على غرار ما حصل في مصر في يوليو 2013.

حكومة المجلس الأعلى للقضاء، تكون مهمتها الأساسية إعداد القاعدة الدستورية التي سيتم بها الوصول للاستحقاق الانتخابي في فترة زمنية محددة مسبقا.

مما سبق، نعتقد أن كل هذه السيناريوهات متوقعة الحدوث، وبالتالي لا نستطيع في ظل الانسداد السياسي والدستوري، الجزم بأي من هذه السيناريوهات التي لها الوزن الأكبر للتحقق. ولكن ما نراه إن ما بعد 21 يونيو الجاري سيكون المشهد مختلفا تماما عن ما قبله.

______________

المصدر: المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية 

مواد ذات علاقة