عبدالعزيز الوصلي

نشاط عسكري غربي غير مكتمل المعالم غرب ليبيا، وطائرات بريطانية تحط في مصراتة وأخرى أمريكية قادتها درّبوا سابقاً قوات البنيان المرصوص، وفق مصادر عسكرية، وحديث متفرق عن شحنات عسكرية قادمة جواً، وفي جملة العوامل المتحكمة بالسياق: ورقة النفط، ونفوذ الفاغنر، وحرب الغرب بالوكالة في أوكرانيا ضد روسيا؛ كلها كلمات سر في مشهد مشتبك المعطيات نحو سيناريوهات مفتوحة على حرب محتملة أو وساطة دولية سلمية أو عملية جراحية بمشارط غربية.

حرب محتملة؟!

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين أخباراً عن هبوط طائرات محملة بالأسلحة البريطانية في مطار مدينة مصراتة، الأمر الذي أكدته مصادر عسكرية في المدينة لرصيف22، من دون الكشف عن تفاصيل هذه الطائرات التي هبطت إحداها في مطار الكلية الجوية تزامناً مع إعادة فتح السفارة البريطانية في طرابلس، الأمر الذي قد يكون ضمن ترتيبات عودة الملحق الأمني للسفارة المصادر ذاته أوضح من وسط مصراتة، لرصيف22، أن طائرات أمريكيةً أيضاً هبطت في المدينة، وعلى متنها فريق من العسكريين الذي أشرفوا على تدريب قوات البنيان المرصوصفي حربها ضد تنظيم الدولة في سرت سنة 2016، من دون الكشف عن أي تفاصيل لعمليات تدريبية أو تجهيز قوات أو مناورات تجري على الأرض..

شحنات عسكرية قادمة

في المقابل، مصادر عسكرية وإعلامية محسوبة على المنطقة الغربية في ليبيا، أكدت من خلال تغريدات متفرقة على تويتر أن أسلحةً أمريكيةً وبريطانيةً وتركيةً في طريقها إلى طرابلس ومصراتة تباعاً، وتهدف إلى تحرير الموانئ النفطية من قوات فاغنر، وهذا جعل التخمينات تتجه نحو حرب قريبة ضد قوات حفتر، الأمر الذي ألمح إليه مستشاره السابق المقيم في الولايات المتحدة، محمد بويصير.

يبدو أن الأمور وصلت إلى ذروتها بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، وأن كافة المحاولات لتجنب الصراع تفشل يوماً بعد يوم، والمخاوف من اندلاع حرب جديدة زادتها الأنباء عن توريد أسلحة إلى قاعدة مصراتة لمحاربة قوات فاغنر في الموانئ النفطية في وسط ليبيا

من جهته، مدير مركز بيان للدراسات، نزار كريكش، أوضح لرصيف22، أنه يبدو أن الأمور وصلت إلى ذروتها بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، وأن كافة المحاولات لتجنب الصراع تفشل يوماً بعد يوم، مشيراً إلى أن المخاوف من اندلاع حرب جديدة زادتها الأنباء عن توريد أسلحة إلى قاعدة مصراتة لمحاربة قوات فاغنر في الموانئ النفطية في وسط ليبيا. كريكش، وبالرغم من تشديده على عدم وضوح الرؤيا، وصعوبة التأكد من تلك الأنباء بخصوص الدعم الغربي لمحاربة الفاغنر في ليبيا، لا يستبعد الأمر في ظل التصدعات المستمرة في معسكر حفتر شرقاً.

الحرب في أوكرانيا والدخان في ليبيا

النشاط الغربي تقابله معطيات قديمة باتت تداعياتها اليوم أخطر على أوروبا والولايات المتحدة، فالكرملين أكثر من أي وقت مضى يُعامل ليبيا الآن وبشكل علني كنقطة مركزية أخرى لأنشطته في الشرق الأوسط، وفي أوكرانيا، إلى جانب سوريا بعد سنوات من الإهمال الأمريكي، عقب التدخل العسكري الغربي الذي حوّل البلاد إلى ساحة حرب دولية بالوكالة منذ 2011.

روسيا وبالرغم من تنصلها المستمر، باتت تنافس النفوذ الغربي في ليبيا منذ تحالفها مع المشير خليفة حفتر في 2015، الذي تسيطر قواته على حقول النفط وموانئ تصديرها في جنوب البلاد وشرقها على ضفاف المتوسط قبالة أوروبا، الهدف التاريخي للروس منذ الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حين حاول جوزيف ستالين خلال مؤتمر بوتسدامعام 1945، أخذ الوصاية على إقليم طرابلس، لكن دون جدوى.

الصراع الغربي الروسي بدأ يتصاعد بشكل مستمر على الأرض الليبية بعد إدانة قوات فاغنر رسمياً بالمشاركة في حرب طرابلس في 2019. فأستاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا التركية، خيري عمر، يرى أنه كان واضحاً أن إثارة الانتخابات في العام الماضي واحدةٌ من سياسات إبعاد روسيا عن ليبيا، وليس نقل البلاد إلى مرحلة الاستقرار“.

عمر، المهتم بالشأن الليبي، أضاف لرصيف22، أن مرحلة ما بعد تعطيل الانتخابات واندلاع الحرب في أوكرانيا تكشف مدى قبول الكتلة الغربية جمود الأزمة الليبية وتضاؤل الرغبة في تحريك الوضع السياسي، غير مستبعدٍ أن يصل الخلاف إلى الصدام المباشر بين الروس والغربيين في ليبيا، منبّهاً إلى خطورة الأمر في حال شعرت روسيا بأن ليبيا أصبحت فعلاً نقطة صراع ساخنة، ما قد يدفعها إلى محاولة لإثبات وجود ربما اتسمت بالعنف.

روسيا وبالرغم من تنصلها المستمر، باتت تنافس النفوذ الغربي في ليبيا منذ تحالفها مع المشير خليفة حفتر في 2015، الذي تسيطر قواته على حقول النفط وموانئ تصديرها في جنوب البلاد وشرقها على ضفاف المتوسط قبالة أوروبا

حفتر أكثر هشاشةً

إحدى وسائل الإعلام الروسية المستقلة ميدوسا، ووفقاً لبعض التقارير، تتحدث عن خلافات حدثت بين موسكو وحليفها حفتر بعد الفشل في دخول طرابلس؛ توجهت روسيا نحو التحالف مع سيف الإسلام القذافي، ما دفع الولايات المتحدة إلى تجميد الانتخابات الليبية التي كانت مقررةً العام الماضي، الأمر الذي أكدته لاحقاً تصريحات السفير الأمريكي في ليبيا نورلاند، الذي قال إنهم عطلوا الانتخابات عندما تأكدوا أن سيف القذافي هو الأوفر حظاً للفوز برئاسة ليبيا.

وريث القذافي كان من المحتمل أن يعوّض روسيا ما خسرته في حوض المتوسط، بعد حملة الناتوفي عام 2011، التي كلّفت موسكو مكانتها بعد أن كانت قد دخلت قبل فترة طويلة إلى ليبيا وأنفقت مليارات الدولارات على العقود التي ذهبت هباءً منثوراً بموت القذافي، ليبدأ بوتين جهداً متضافراً منذ 2015، لاستعادة إمكانية الدخول إلى ليبيا من خلال دعم حفتر، من دون نتيجة تذكر.

في هذه الأثناء، يؤكد خيري عمر، لرصيف22، أن الحرب المفترضة على قوات الفاغنر في ليبيا ستنتج عنها بالضرورة عملية تخلص من خليفة حفتر، أحد أهم اللاعبين السياسيين في ليبيا منذ 2014، والذي على ما يبدو قد استنفد كل فرصه بعد فشله في دخول العاصمة طرابلس عسكرياً في 2019، وسياسياً من خلال التحالف مع رئيس الحكومة المكلف من البرلمان فتحي باشاغا في 2022.

تستفيد موسكو من البقاء في ليبيا ومن تأمين دخولها عبر الجماعات العسكرية الخاصة الفاغنر“. لذا، تبحث الولايات المتحدة وحلفاؤها عن سبلٍ لكبح أنشطة هذه الجماعات الروسية

السيناريوهات المطروحة

عملياً، تستفيد موسكو من البقاء في ليبيا ومن تأمين دخولها عبر الجماعات العسكرية الخاصة الفاغنر“. لذا، تبحث الولايات المتحدة وحلفاؤها عن سبلٍ لكبح أنشطة هذه الجماعات الروسية، وفي النهاية، فإن واشنطن هي الوحيدة التي لديها نفوذ كافٍ للتوصل إلى حلٍّ حقيقي للنزاع الليبي الأخير، سواء بشكل مباشر أو بالعمل من خلال حلفاء كبريطانيا وإيطاليا أو من خلال وكلاء كتركيا التي تلعب دور الوسيط مع الروس مؤخراً.

لذا، تبقى ثلاثة سيناريوهات تحمل جميعها القدر نفسه من التوقع، والاحتمال يبقى وارداً لنقل الحرب بين روسيا والغرب من شرق أوروبا إلى صحراء ليبيا وحقولها النفطية من خلال دعم قوات نظامية على الأرض تقاتل قوات حفتر المدعومة من الفاغنر وتفتك بحقول النفط وموانئ التصدير، في حين يجري الحديث عما يشبه عملية جراحية معقدة تتولاها قوات الناتو والأفريكوم والطيران التركي المسير من الجو للضغط على الفاغنر للانسحاب.

فيما يبقى الاحتمال الذي يؤيده بعض القادة العسكريين في الشرق والغرب، وهو قبول الروس بالوساطة التركية والانسحاب طواعيةً من ليبيا، كما كان متفقاً عليه في 2019، وتشكيل قوات مشتركة تستلم الموانئ النفطية والحقول سلمياً من قوات المشير حفتر الذي تشهد شعبيته تراجعاً كبيراً في مناطق نفوذه، الأمر الذي أكده ملتقى القبائل في بلدة سلوق في ضواحي بنغازي قبل أيام، عندما شدد على ضرورة الذهاب إلى الانتخابات والتخلص من كل الأجسام السياسية الموجودة على الساحة، في سابقة لم تحدث في مناطق نفوذ حفتر منذ 2014، بالرغم من محاولته إفشال الملتقى والتضييق على المجتمعين.

____________________

مواد ذات علاقة