علي عبد اللطيف اللافي

ليبيا بلد عُرف عنه منذ قرون أنه تُردد بشأنه مقولة “من ليبيا يأتي الجديد، وهو تحديدا الذي فشلت كثير بل كل دول الإقليم في الانقلاب على ثورته خلال السنوات الماضية رغم آلاف المليارات ورغم كل اللوجستيك الذي وفر لذلك.

كما فشلت محافل وقوى على تغييب هويته وخصائصه الحضارية رغم كل مؤامراتها ونكتها وترتيباتها، كما استحال على القوى الدولية تقسيمه، وهو البلد الذي يعرف الجميع أنه يمتلك الثروات والسواحل والموانئ والحدود الفريدة والاستثنائية بكل المقاييس وهو أيضا أيبسر الممرات للعمق الافريقي.

بسبب كل ذلك أشعلت وأوقدت فيه حرب ضروس وبالوكالة منذ سنة 2014 بعد نجاح ثوار فبراير في تنظيم الانتخابات التشريعية مرتين والبلدية مرات عدة كما تم إنجاح انتخاب هيئة الدستور، ولاحقا لم يكف فرقاء الصراع عن الاقتتال بين سنتي 2016 و2020 ولا هم انتبهوا لضيق أفقهم الاستراتيجي باعتبار أن اغلبهم “وظيفي” عند أذرع إقليمية خادمة بدورها لقوى دولية.

هذه القوى الدولية تُريد وتسعى ومنذ سنوات لتنزيل استراتيجيتها المسطرة منذ مدى عقود بناء على ما يجري من تطورات ومتغيرات، ولولا توازن القوى (وبالأحرى توازان الضعف) محليا وإقليميا ودوليا لتحولت ليبيا لمسرح لحرب عالمية ثالثة وربما سبقت الحرب الروسية/الأوكرانية في قوة وسرعة وانتشار تداعياتها في كل الدول والقارات.

فما الذي يجري في ليبيا منذ بداية سنة 2022، وكيف ينظر المجتمع الدولي للملف الليبي، وكيف سيتكيف الأمريكيون مع نسقية الأحداث وخاصة في مصر وتونس والجزائر انعكاساتها وتأثرها بما يجري في ليبيا؟

وما هي السيناريوهات الخمس الممكنة والمرتقبة نظريا، ولماذا سترجّح ديناميكية كل الإقليم ( افريقيا – المتوسط – الشرق الأوسط – الخليج – العالم العربي والإسلامي)، أي من تلك السيناريوهات؟

** أبجديات ضرورية لفهم ما يجري وما سيجري في ليبيا

1- أولا، كثير من المتابعين للتطورات في ليبيا خلال السنوات والأشهر الماضية غيبوا ويغيبون أبجديات ومعطيات أساسية فرضها التاريخ وأخرى فرضتها الجغرافيا، ذلك أن ليبيا هي بلد مفتاح للتاريخ والجغرافيا معا، فهي بلد الأصالة مثلما هي بلد التمدن والحداثة، وهي بلد ممتد على كل مربعات الإقليم (بلد مغاربي وافريقي وهو بلد عربي/مسلم كما هو أحد أركان المتوسط).

وهو بلد به مكونات متنوعة وتعايشت تاريخيا في تناغم تام وغير مسبوق بين العرب والأمازيغ والتبو والطوارق وعاش فيه اليهود بعشرات الآلاف حتى رحيل أغلبهم بين عقدي الأربعينات والستينات من القرن الماضي.

وهو بلد ورغم كل البلاء الذي حل به وكل الانتكاسات التي عرفها بقي شعبه اصيلا ومضيافا وقبل ذلك كانت نخبته تمتلك القدرات الاستشرافية ( البلد العربي الوحيد الذي تنبأت نخبته بقدوم المستعمرين واستعدت لذلك قبل عقدين بالتمام والكمال).

وكل ما سبق يعني أن كل تحليل أو استشراف يُغيّب تلك الحقائق والمعطيات وخصائص المجتمع الليبي وعلاقته بالتاريخ وهو تحليل معلول وخاطئ النتائج مسبقا، وفي ليبيا أيضا تتغير المعطيات والرؤى بسرعة ويحدث التكيّف العجيب مع المتغيرات بشكل برقي، ومعادلات اليوم سياسيا واجتماعيا وثقافيا ليست معادلات الغد كما أن اصطفاف أي طرف اليوم ليس هو نفسه اصطفاف الغد بل وقد لا تكون هناك أي علاقة ترابطية بينهما.

2- ثانيا، ليبيا بلد فيه الايديولوجيا جد ضعيفة ولكنها وهذا الأغرب لا يمكنك تغييب الدين والفكر والايديولوجيا في كثير من المعادلات الثقافية والسياسية. وفي ليبيا قد يعتقد البعض أنه لا شيء جامع بين المناطق الثلاث ولكن باستقرائك للشخصية الليبية من حيث عمقها الاجتماعي والنفسي وفي تعاطيها مع اليومي ومع الوقائع والتطورات، تكتشف أنه يسيطر عليها ثالوث “القبيلة” و”الغلبة” و”الغنيمة.

وكل ذلك يعني أن تقسيم ليبيامثلا هو وهم لا غير،وحتى لو تم اجرائيا فسيتم نقضه موضوعيا بعد فترة قليلة والحقيقة انه ليس ورقة للابتزاز السياسي الرخيص ولن يُصدّقه في ليبيا ولن يدعمه لا العسكريين ولا القبائل ولا المثقفين ولا النخب الشبابية (أو النسائية)، ذلك انهم جميعا يعتقدون أن الجزائريين والتونسيين والمصريين هم جزء منهم وأنهم مكملين للشخصية الليبية وأن أولئك في تكامل معهم، وبالتالي فان أي حلول سياسية واستراتيجية لا تضع تلك المعادلات الاجتماعية موضع حساباتها هي حلول معتلة وغير دائمة وستهتز مع أي تطور زمني للأحداث وخاصة التطورات والوقائع الاجتماعية والسياسية في بلدان شمال افريقيا وفي المشرق العربي أيضا.

3- ثالثا، معادلة اليوم والظرفية الحالية سياسيا هي نفسها قبل الاستقلال سنة 1951 فقد كانت إيطاليا في طرابلس الغرب وبريطانيا في برقة وفرنسا في فزان (أي جنوب البلاد) والأمريكيون كانوا في سواحل سرت بل ولم يتغير شيء تقريبا رغم 82 سنة مرت.

والسبب أن الاستراتيجيات الدولية تَعي في الأمس واليوم كثيرا من الحقائق الواردة أعلاه وهي حقائق مضمّنة في تلك الاستراتيجيات وبالتفاصيل وبعض تلك التفاصيل لا يعلمها حتى الليبيون أنفسهم شعبا ونخبا وحكاما.

ومعلوم أن كثير من الأحداث تمت سابقا ولم ولن يكشف عنها حتى اليوم بل وقد لا تكشف تفاصيلها وحيثياتها وكواليسهاحتى مستقبلا على غرار حرب التشاد (وأيضا ما تلاها من أحداث وتطورات على غرار انتقال حفتر يومها لمعارضة القذافي، ثم سفره لفرجينيا الأمريكية وسبب لقاء القذافي بعائلته في مصر في بداية التسعينات).

كما أن الأحداث وغرائبها كثيرة في ليبيا ومن بينها طبعا موت السفير الليبي في روما وسبب مقتل رجل الأعمال الليبي الذي كان ممولا لمنظمة التحرير من طرف مواطنين ليبيين في روما بداية السبعينات، وكل ما سلفنا ذكره من معطيات وتساؤلات يؤكد أن معادلة الصراع الدولي في ليبيا لم ولن تتغير لأنها تُختصر أولا وأخيرا في مربعات الثروات الهائلة والنادرة والموقع الاستراتيجي وما حف حوله وخاصة في اتجاه المتوسط والعمق الافريقي.

وبالتالي فالحل دولي أولا وليبي ثانيا – وهو ما أكده “غسان سلامة” نفسه في احدى اللقاءات سنة 2018 عندما قال ” لا يكفي ان تتفقوا يجب ان يتفق المجتمع الدولي أولا”، وهنا يرتبط الحل في ليبيا منهجيا بالحل في سوريا رغم اختلاف الأطراف الدولية والإقليمية المتداخلة في الملفين.

4 – رابعا، الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد الممسك بزمام كل الخيوط في ليبيا تاريخيا وآنيا وهي ملمة بكل ابجدياته الاجتماعية والسياسية والإقليمية وهي قد أدارته باقتدار منذ سبتمبر 2013 (أي بعد سنة من عملية مقتل سفيرها في بنغازي)، ولقد تفطنت مبكرا لطبيعة المستنقع فقد تورطت فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا ودول المحور المصري/الاماراتي/السعودي في الساحة الليبية وأيضا وقعت دول المحور المقابل ( أي المحور القطري/التركي) في نفس المطب تقريبا.

وقد استفادت واشنطن من مخرجات كل المؤتمرات الدولية بغض النظر عن نجاعة نتائجها، وهي من أوجدت معادلات توازن القوى محليا واقليميا ودوليا واستوعبت دبلوماسيتها مفردات المشهد الليبي أولا وفقهت طبيعة المصالح الروسية والصينية في ليبيا ثانيا مثلما فقهت طبيعة وظيفية القطريين والاماراتيين والسعوديين من جهة وطبيعة الأدوار الممكنة للمصريين والأتراك ولاحقا وضعت اطارا لخطوط حمراء ثلاث وهي ( لا لتوقيف انتاج النفطلا مساحات للتنظيمات الإرهابيةلا مجال للتمدد الروسي في سمال افريقيا وفي ليبيا بالذات)، وما عدا ذلك فالولايات المتحدة مستعدة للتعاطي مع موازين القوى والتأثير ومع الفاعلية: الدورين المغربي والجزائري في الملففاعلية الاتراك أمنيا وعسكرياالدور المصري وحدوده.

5- خامسا، الخلاصة أن المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية تحديدا سيقلعان قريبا عن سياسة الاختبار والتريث، ولن يتركا الحبل على الغارب في ليبيا مستقبلا، وسيتين للجميع أن الأمريكيين لم يتركوا ليبيا ولا ملفها يوما ولكنهم كانوا استراتيجيين في رصده وفي توريط اطراف عدة في ثناياه ومربعاته وان وقت الاستثمار قد حان وآن.

كانت سيتيفاني تمثل أبجدية مهمة للتطور في فهم ودراسة الساحة الليبية ( كانت قائمة بالأعمال في يناير 2018)، وكانت تلك السيدة استثنائية في إدارة المشهد الليبي بحيث خاطت وخطَّت وقبل ذلك خططت لوضع معالم استراتيجيا أممية وقبل ذلك امريكية للوصول لحل ناجع لليبيا مستقبلا وبما يتوافق مع السياسيات الأمريكية المستقبلية.

وكل ذلك يعني أن ليبيا – والتي وُضعت عمليا في الانتظار طيلة خمس عقود ورغم كل ازماتهاستكون بالنسبة للأمريكيين وحلفائهم الأوربيين أساسا، قاعدة لمواجهة تمدد الروس والصينيين في كل القارة السمراء بل وفي كل الإقليم الذي تنتمي له ليبيا وهو كما ذكرنا أعلاه متعدد ومتنوع الزوايا والمربعات.

** السيناريوهات الخمس، وكيف ستحدد ديناميكية الإقليم والفاعل الدولي أيها الأرجح؟

1- أولا، لا شك أن ديناميكية الإقليم ومنذ بداية سنة 2021 متطورة بشكل متسارع بل وبَرقي من حيث التكيَّف مع تداعيات الحرب الروسية /الأوكرانية، فلا نظام “السيسي” مثلا في وضع مريح ( سياسيا واقتصاديا) حتى يفرض شروطا (وقد طمأنه بعض حلفائه أنه لن يخسر واقعيا الحد الأدنى حيث يعرف الغرب وواشنطن أنه لابد لمصر من مصالح دنيا في ليبيا تهم أمنها القومي وخاصة الاقتصادي والاجتماعي تحديدا).

والواقع ان كثيرا من المساحات في الساحة الليبية مستقبلا لن تكون الا للجزائر – المتماهية في افريقيا مع تركيا وإيطالياوهذه الأخيرة عادت بقوة لشرق ليبيا وخاصة في الأيام الماضية وهو نفس الشرق الذي لم تعد أنقرة عدو له – أي بما يسمح لتركيا ان تقبل بشركاء كانت تضع عليهم خطوطا حمراءبل ان التقارب المصري التركي على بُطئه قد قام على تقارب في التوجهات تجاه ليبيا (وبما سمح بغلق طلبات القاهرة الكثيرة تجاه معارضيها المقيمين في تركيا) وهي التي تقاربت مع الرياض وابوظبي والقاهرة في نفس العام بناء على مقولة “صفر مشاكل بين حلفاء واشنطن الموضوعيين.

2- ثانيا، الملف الليبي ستُنتج له الحلول لا بسَبب تَقدم في جلسات “بوزنيقة” الجديدة فقط، ولا في جلسات المسار الدستوري في القاهرة والتي بدأت آخر جولاتها يوم 13 يونيو – ونتج عنها لجنة مصغرة عدديا بدأت جلساتها الماراتونيةبل لأن الامريكيين أيضا يريدون تحويل الملف الليبي لملف “نائم” مثله مثل سائر ملفات الشرق الأوسط ومنطقتي “غرب” و”شمال افريقيا”أي حتى يتفرغوا أولا وأخيرا للصينيين والايرانيين والروس وفي مربعات آسيا وافريقيا تحديدا وجزء من أوروبا بالنسبة للروس.

ولا شك أن توازن القوى أو توازن الضعف مُسطّر وفي حد أدنى مدعوم أمريكيا، ليس محليا فقط بل أيضا إقليميا، وحتى ما حدث سابقا كانت معادلاته كثيرة بسبب تطورات الإقليم، فحفتر مثلا ذهب للجنوب الليبي وتوغل فيه فعليا بالتوازي مع انطلاق الحراك الجزائري (فبراير 2019)،  وهو أيضا قدم للعاصمة طرابلس في 4 أبريل2019 أي يومين فقط بعد استقالة “بوتفليقة”.

بشاغا ما كان ليلتقي بعض أنصاره في كتائب طرابلس في تونس بل وحاول أن يستقوي بهم على حكومة “الدبيبة”(وما كان ذلك ليقع حسب قراءات البعض في ظل حكومة “المشيشي” وسنده البرلماني قبل 25 يوليو 2012.

3- ثالثا، عمليا ورغم ان سيناريو الاستقرار ومن ثم إجراء الاستحقاقات الانتخابية مرجّح على غيره، فان السيناريوهات المرتقبة الخمس في ليبيا هي كالتالي:

سيناريو أول (50%)

ويتمثل في الوصول الى حل توافقي وحل الإشكالات في المسارات الأربع (سياسي – دستوري – عسكري/أمني– اقتصادي)، ويتمثل السيناريو أساسا في تشكيل حكومة مصغرة من حوالي 14 وزيرا، وتقود نفس الحكومة البلاد لمدة سنة على أن تجرى الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2022 والرئاسية في يونيو 2023.

سيناريو ثان (20%)

وينبني ربما على أحداث وتطورات فُجائية خلال الأيام والأسابيع القادمة حيث قد يتم استهداف الحقول من طرف كتائب وقوى اجتماعية وعسكرية بحثا منها على طرد قوات “الفاغنر” الروسية هناك، ثم يتم لاحقا ترتيب السيناريو السابق نفسه تقريبا أي انتخابات برلمانية ثم رئاسية.

سيناريو ثالث (10%)

ويتمثل في اقناع “الدبيبة” بانتهاء ولايته يوم 21 يونيو2021 وتتم دعوته للترشح مقابل إيجاد حل لمباشرة حكومة باشاغا مع تعديلها كميا وكيفيا ثم تشرف بنفسها على مسار انتخابي مضبوط بخارطة طريق.

سيناريو رابع (5%)

تتطور الاحداث نحو مزيد من التأزيم ولكن لا تتوسع الاشتباكات ويتم الحرص على أن تبقى محدودة ومن ثم تتم المبادرة بدعم خطة إعادة الملكية لليبيا والاعتماد على دستور 51 جزئيا أو كليا

سيناريو خامس (15%)

وهو نفس السيناريو السابق تقريبا مع الدفع الإقليمي والمحلي للتقسيم أو ما شابهه سواء عبر الفيدرالية أو حتى الكونفدرالية المقنعة وهنا سيتم انشاء عملي لثلاث جيوش ولكنها جيوش تابعة لوزير دفاع مركزي (ضمن حكومة مركزية قوية ولكنها أقرب للتبعية للفاعل الدولي) وهنا ستواصل قيادة البعثة الأممية بمهام بعينها الى ما لا نهاية.

***

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

________________

المصدر : الرأي العام

مواد ذات علاقة