عبد الله الكبير

عقب إنجاز صيانة شاملة للمنزل وإكمال كافة الترميمات، شرعت أسرة ما مكونة من أب وأم وعدد كبير من الأولاد والبنات، في التخطيط لشراء الأثاث والفرش وكافة الأدوات والأجهزة المنزلية.

دعا رب الأسرة إلى اجتماع حضره الجميع ليشاورهم في الأمر، وبدأ النقاش بطرح الموضوع من زاوية الاحتياجات الضرورية والمناسبة لراحة كل أفراد الأسرة.

فبما أن الأسرة كبيرة العدد لابد من اقتناء ثلاجة كبيرة، ولابد من مجمدة (فريزر) منفصلة لأن مجمدة الثلاجة صغيرة ولن تكفي، ويستحسن أن تكون ألوان المفروشات متناغمة مع لون الجدران، وملائمة للطقس الحار، وأن تكون من النوع الجيد حتى لو كانت غالية الثمن، لكي لا تتلف مبكرا ما يستدعي استبدالها فتزيد التكلفة.

وهكذا مضى النقاش، وجرى تداول كل الآراء في جو ديمقراطي يقوم على الحجة والإقناع، على هدي ثلاث معايير. حاجات الأسرة، جودة السلع، الأسعار الاقتصادية.

وفي نهاية الاجتماع طلب رب الأسرة من الأولاد الكبار البحث في الأسواق، عن كل قطع الأثاث والأجهزة التي تقرر اقتناؤها، ويعرض كل منهم نتائج بحثه لتجرى عملية التقييم والمقارنة والاختيار، ثم الشروع في عملية الشراء.

لنتصور أن أحد أفراد الأسرة لم يكن معنيا بمعايير الجودة والمتوافق عليها من الأغلبية، ولم يكن همه حصول الأسرة على أفضل الخيارات، وأجودها، وأكثرها فائدة، وإنما كان كل همه هو أن تتم عملية الشراء من معرض بعينه، من دون مبررات مقنعة، فقط لأنه يرتبط بصداقة أو مصلحة مع مالكه، وبينما يجتهد أفراد الأسرة في الوصول إلى أفضل ما يناسبهم بأفضل الأسعار، كان هو مستعدا لنسف كل شئ، إذا لم يحصل معرض صديقه أو حليفه على النصيب الأكبر من الصفقة.

أجزم أن كل من قرأ السطور السابقة سوف ينحاز تلقائيا إلى الموقف الطبيعي لأعضاء الأسرة، وسيثمن تخطيطها وقراراتها، ويستهجن الموقف الغريب والشاذ من العضو الذي يسعى لمصلحة البائع، على حساب مصلحة الأسرة واحتياجاتها.

هل يمكن إسقاط هذا المثال على مداولات اللجنة المشكلة من مجلسي النواب والدولة؟

فبينما تسعى الأغلبية لوضع شروط ومعايير للمتقدمين للانتخابات تصب في مصلحة الشعب، لكي يظفر بأفضل قيادات مؤهلة وقادرة، تسعى أقلية إلى تمكين شخصية محددة، عبر فرض شروط تسمح للعسكريين، ومزدوجي الجنسية الترشح لانتخابات الرئاسة.

لم تمنع مسودة الدستور العسكريين من الترشح، ولكنها اشترطت استقالتهم من العمل العسكري قبل مدة محددة من الانتخابات، وذلك لكي يستعدوا ويتهيأوا لخوض غمار مجال مدني بطبعه، يقوم على الحوار والنقد والرقابة، والتوازن بين عدة مؤسسات تتشارك في اتخاذ القرارات، ومن ثم فهو مجال مغاير للصرامة والتراتبية الهرمية والانضباط العسكري.

ولكن هذه المجموعة في الطرف التابع لمجلس النواب، تريد طرح شرط الاستقالة، أي منحهم فرصة العودة إلى مواقعهم إذا اخفقوا في الفوز.

ليس لهؤلاء مكانة للوطن في وجدانهم، ولا يعنيهم الشعب ولا البلاد، وإنما هم معنيون فقط بتمكين حليفهم من اعتلاء سدة الرئاسة.

فهل ثمة اختلاف بينهم وبين من يسعون لمصلحة التاجر في المثال السابق؟.

أما حجتهم في مساندتهم لـ”حق” مزدوجي الجنسية في الترشح، فهي مراعاة الظروف التي أجبرت الكثير من معارضي النظام السابق في المهجر، الحصول على جنسية أخرى، ورغم أن الحجة مقبولة، والادعاء بالجبر صحيح، ولكن هؤلاء المعارضين ضحوا بأجمل سنوات عمرهم، وكابدوا الغربة، وعرضوا حياتهم للخطر، من أجل تحقيق حلم إسقاط الدكتاتورية، فهل ماتزال لديهم أحلام أعز من هذا الحلم؟

وهل كانت معارضتهم لأجل تخليص شعبهم من الظلم والقمع، أم ليعتلوا كرسي الرئاسة بعد إزاحة الدكتاتور؟

وما ضرهم لو تخلوا عن الجنسية الأخرى بعد انتفاء الحاجة إليها؟ ثم يتقدموا ويطرحوا برامجهم الانتخابية في منافسة حرة ونزيهة.

ثم نأتي للأسئلة الأكثر خطورة وأهمية.

هل انتخب هؤلاء لمجلس النواب، واقسموا يمين الولاء للشعب، واحترام خياراته والالتزام بأهداف الثورة؟ أم لخدمة عسكري تقوده الأوهام في السلطة المطلقة؟.

وهل مايزال الشعب ينتظر من هذه الفئة، قوانين موضوعية ونزيهة لانتخابات، هدفها الأول والأخير إتاحة الفرصة أمام الناخبين، لاختيار الأفضل والأجدر بين المتقدمين؟

وماهي الخيارات الممكنة لإسقاطهم، ومحاسبتهم، وشق طريق جديد نحو التغيير، لا مكان فيه لمن يقصر وعيهم عن استيعاب الحرية، ولا يمكنهم العيش إلا في ظل حاكم مستبد؟.

***

عبد الله الكبير ـ كاتب صحفي

____________

مواد ذات علاقة