سليمان شعباني

كشفت صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية عن أنَّ الإمارات عرقلت يوم الاثنين 27 يونيو (حزيران) 2022، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، مقترحًا للأمين العام للأمم المتَّحدة أنطونيو جوتيريش، بتعيين وزير الخارجية الجزائري السابق صبري بوقادوم، مبعوثًا أمميًّا إلى ليبيا. ويعرف منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا شغورًا منذ استقالة التشيكي يان كوبيش، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. 

وبعد محاولات عديدة فاشلة لملء هذا المنصب الشاغر، اقترح جوتيريش الأسبوع الماضي على أعضاء مجلس الأمن تعيين بوقادوم مبعوثًا إلى ليبيا وفق مصادر إعلامية عديدةوفي الوقت الذي حظي فيه هذا المقترح بدعم من الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من الدول الأعضاء فإنه لقي معارضة من الطرف الإماراتي، وفق مصادر دبلوماسية لم تُسمَّلوكالة الأنباء الفرنسية.

ويضم مجلس الأمن في عضويته 15 دولة، خمس منها ذات عضوية دائمة، هي: «الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا»، مع 10 أخرى غير دائمة العضوية منها الإمارات العربية المتحدة ممثلة عن الدول العربية، ولم يصدر حتى الآن أي رد فعل ليبي رسمي على الترشيح الأممي أو الفيتو الإماراتي.

لماذا راهن أنطونيو جوتيريش على المرشح الجزائري؟

بالاضافة إلى الاعتبارات الجغراسياسية خاصة في ظل تصاعد الدور الجزائري في المنطقة، ومساعي رئيسها عبد المجيد تبون إلى إعادة الجزائر إلى مواقع متقدمة عربيًّا وإقليميًّا؛ فإن حرص الأمين العام للأمم المتحدة على أن يكون مبعوثه الخاص في ليبيا من الخبراء بخصوصيات المنطقة وتفاصيل الخلافات الليبية، وأن يكون من دول شمال أفريقيا، جعل الأمين العام للأمم المتحدة يختار صبري بوقادوم لهذه المهمة.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور عمر روابحي أستاذ القانون الدولي الجزائري، لـ«ساسة بوست»: «لقد تداول على منصب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تسع شخصيات خلال السنوات العشر الأخيرة، ويبدو أن الأمين العام للأمم المتحدة قد خلص إلى أن من أهم المعايير الواجب أخذها بعين الاعتبار هو أن يكون المبعوث مستوعبًا للخصوصيات الليبية وتفاصيل الخلافات بين الفرقاء بينهم».

ويضيف روابحي أن: «أما يميز صبري بوقادوم بالإضافة إلى اعتباره جزائريًّا وبالتالي سيكون حريصًا على المساهمة الجدية في إنهاء الأزمة الليبية؛ هو خبرة الرجل الكبيرة في مجال العمل الدبلوماسي الأممي، وأيضًا درايته بتفاصيل الملف الليبي انطلاقًا من خبرته على رأس الدبلوماسية الجزائرية». 

ويذكر أن صبري بوقادوم كان قد شغل منصب ممثل الجزائر لدى الأمم المتحدة بين 2013 و2019، وكان سفيرًا بعدة دول ومدير مساعد للشؤون السياسية بالأمم المتحدة ونزع السلاح من 1992 إلى 1993، كما شغل منصب وزير شؤون خارجية الجزائر بين سنتي 2019 و2021.

ومن أبرز مواقف بوقادوم خلال توليه منصب وزير الشؤون الخارجية في الجزائر هو انتقاداته اللاذعة للتدخل العسكري والسياسي الأجنبي، ومنه الإماراتي، في ليبيا.

صراع جزائري إماراتي متواصل في ليبيا

تتعارض سياسات الجزائر التي تجمعها بليبيا ألف كم من الحدود، مع سياسات الإمارات هناك منذ اندلاع الثورة الليبية، ففي الوقت الذي تحرص الإمارات على دعم المعسكر الشرقي بقيادة خليفة حفتر فإن الجزائر تقف على طرف النقيض – رغم ما تبديه من حياد-.

وظهر التعارض الإماراتي الجزائري بخصوص الوضع في ليبيا في مناسبات عديدة، أبرزها الموقف من حكومة فائز السراج، ففي الوقت الذي دعمت فيه الإمارات خليفة حفتر حرصت الجزائر على دعم حكومة السراج وتصدت لمحاولة حفتر السيطرة على طرابلس، صدر بيان عن الرئاسة الجزائرية – في الوقت الذي كان يستعد فيه حفتر للدخول إلى طرابلسجاء فيه: «طرابلس خط أحمر نرجو ألا يجتازه أحد»، وأوضح البيان إثر ذلك ما كان يعنيه بأن «طرابلس خط أحمر»، بالقول: «كنا نقصد أننا لن نقبل بأن تكون طرابلس أول عاصمة مغاربية وأفريقية يحتلها المرتزقة. كنا سنتدخل».

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تعارض فيها الإمارات مرشحًا جزائريًّا لمنصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا؛ فقد كشفت تقارير صادرة سنة 2020 عن أن الإمارات تقف وراء إقناع الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام «فيتو» أمام ترشح وزير الشؤون الجزائرية الحالي، رمطان لعمامرة، للمنصب نفسه.

ويقول في هذا الصدد، الباحث في العلاقات الدولية بالجامعة التونسية والدبلوماسي السابق في ليبيا، بشير الجويني،  لـ«ساسة بوست»: إنه من الأكيد أن «الإمارات كغيرها من الأطراف المتدخلة في الملف الليبي، معنية بمنصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا وتريد شخصًا مواليًا لها نظرًا إلى أهمية هذا المنصب» على حد تعبيره.

ويضيف الجويني: «من الطبيعي أن تعارض الإمارات العربية المرشح الجزائري نظرًا إلى الخلافات الجوهرية بين البلدين حول الحلول الممكنة في ليبيا، خاصة بعد تباين مواقف البلدين من الأزمة الأخيرة بين عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا».

والموقف من حكومة عبد الحميد الدبيبة جزء من القصة

وفي الوقت الذي عبرت فيه الإمارات العربية المتحدة – في تقاطع مع الموقف المصريدعمها لحكومة فتحي باشاغا التي زكاها البرلمان الليبي في طبرق خلفًا لحكومة عبد الحميد الدبيبة؛ فإن الجزائر وعلى لسان رئيسها عبد المجيد تبون قالت إنها «تدعم الشرعية الدولية في ليبيا من خلال حكومة الدبيبة، وأن الاستبدال بها يكون عبر انتخابات تفرز مجلسًا نيابيًّا جديدًا يعين حكومة جديدة».

وشدد تبون قائلًا: «نحن لن ندخل بمسار التفرقة في ليبيا، لقد جرى تعيين حكومة جديدة من طرف مجلس وطني، والحكومة التي لديها شرعية دولية هي حكومة الدبيبة، ونحن ندعم الشرعية الدولية، ولن يكون شيء آخر من غير هذه الشرعية الدولية».

ويرى رئيس تحرير موقع «أفريقيا 2050» الإعلامي علي اللافي، في تصريح لـ«ساسة بوست»: «أنه بسبب استناد الجزائر إلى موقفها من حكومة الدبيبة؛ فإن الإمارات قد استندت لهذا الموقف أيضًا لرفض ترشح صبري بوقادوم، معتبرة ذلك دليلًا على عدم حيادية الجزائر في ليبيا، ومن ثم عجز بوقادوم على القيام بدور التنسيق مع الأطراف المختلفة هناك».

وجاء في تقرير صحيفة «لوفيجارو» الفرنسيةوالذي استند إلى مصادر دبلوماسية–  أن ممثل الإمارات قال خلال جلسة مجلس الأمن إنّ «دولًا عربية وأحزابًا ليبية أعربت عن معارضتها» لتعيين بوقادوم مبعوثًا إلى ليبيا. وشدد المصدر نفسه، وفق الصحيفة الفرنسية، على أنَّه لو مضى مجلس الأمن قدمًا في تعيين بوقادوم لوجد الدبلوماسي الجزائري نفسه أمام «مهمة مستحيلة».

هل وافق رفض الإمارات تعيين بوقادوم «هوىً إسرائيليًّا»؟

بالاضافة إلى التباين في العلاقة بالمسألة الليبية، فتجب الإشارة إلى أن العلاقات الجزائرية الإماراتية ازدادت توترًا بعد الانتقادات التي وجهها الرئيس تبون للإمارات، بعد اتخاذها قرار التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في سبتمبر (أيلول) 2020، إذ صرح تبون حينها بأن بلاده: «لن تشارك ولن تبارك الهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل».

وكشفت تقارير حينها عن أن الإمارات ردت على هذه التصريحات برسالة سلَّمها الملحق العسكري الجزائري السابق في أبوظبي ورئيس المديرية العامة للأمن الداخلي، الفرع الرئيسي للخدمات الجزائرية، الجنرال عبد الغني الراشدي، وفق التسريبات التي ذكرها موقع «مغرب إنتليجنس» الفرنسي، هددت فيها الجزائر بمراجعة تعاونها الاقتصادي والثنائي بشكل كامل، كما لم تتأخر أبوظبي بافتتاح قنصلية لها في الصحراء الغربية، ردًّا على هذا التصريح، وانسجامًا مع الموقف الأمريكي الذي كافأ المغرب بإجراء مماثل إثر تطبيعها مع إسرائيل.

وتعرف الجزائر بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية والرافضة لاتفاقيات التطبيع مع دولة الاحتلال، في حين أن التنسيق الإماراتي الإسرائيلي تزايد في السنتين الأخيرتين، مما يجعل فرضية التنسيق الإماراتي مع الحكومة الإسرائيلية،  بخصوص قرار رفض ترشيح صبري بوقادوم قائمًا، وهو ما أكده رئيس تحرير موقع «أفريقيا 2050» المختص في الشؤون الأفريقية علي اللافي، لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «الأكيد أن الموقف الإماراتي اتُّخذ بعد التشاور مع عديد من الحلفاء الإقليميين، منهم مصر وفرنسا وأيضا إسرائيل» على حد تعبيره.

ويضيف اللافي بأن: «دولة الاحتلال منزعجة من الدور الجزائري الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لتطبيع دول عربية معها، ومن ثم تسعى للحد من هذا الدور، ولن ترضى بأن يكون للجزائر تأثير في ليبيا بما يجعل مساهمتها إسرائيلفي التأثير الموقف الإماراتي واردًا جدًّا».  

أخيرًا، وإن تعددت أسباب رفض الإمارات العربية المتحدة، التي أدانت تقارير أممية سابقًا دورها التخريبي في ليبيا، مرشحًا جزائريًّا لمنصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا؛ فإن البلاد  وفي ظل ما تعيشه من صراع زادت حدته في الأشهر الأخيرة، في حاجة إلى شخصية ذات دراية بطبيعة الخلافات فيها ويحظى بثقة مختلف الفرقاء هناك، فمن سيكون المبعوث الأممي القادم إلى ليبيا؟ والذي سيحظى بموافقة دول مجلس الأمن؟

_____________

مواد ذات علاقة