مصطفى صلاح

شهدت ليبيا خلال الفترة الماضية مجموعة مختلفة من المتغيرات الداخلية التي يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على مسار استكمال العملية السياسية هناك ووضع إطار دستوري لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء الدولة؛ حيث تصاعدت الاحتجاجات في كثير من المدن الليبية وأعلن المتظاهرين إنهم سيواصلون التظاهر إلى أن تتنحى جميع النخب الحاكمة عن السلطة، وقد اقتحم الحشد مبنى البرلمان في طبرق شرقي البلاد وإحراق أجزاء منه، وإعلان العصيان المدني إلى أن يتحقق هدفهم المتمثل في إسقاط المؤسسات السياسية وإجراء انتخابات جديدة.

وضمن السياق ذاته، أعلن تيار بالتريس الشبابي، الذي يركز نشاطه عبر الإنترنت حول الظروف المعيشية، وكان وراء دعوات للاحتجاج عام 2020 عبر مواقع التواصل الاجتماعي استمراره في الدعوة للتظاهر خاصة وأن هذه الدعوات تشكلت بفعل الإحباط المتزايد بين الليبيين، من تناحر السياسيين المنقسمين، والفصائل التي يدور بينها الاقتتال منذ سنوات في شرق البلاد وغربها، وطالب متظاهرون المجلس الرئاسي بإعلان حالة الطوارئ وحل مجلسي الدولة والنواب مع الحكومتين، وتسلم زمام الأمور، وقيادة البلاد مع المجلس الأعلى للقضاء للوصول إلى الانتخابات.

استجابات متعددة

تجددت الاحتجاجات الشعبية المطالبة بحل المؤسسات السياسية وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا؛ حيث تظاهرت مدن طرابلس ومصراتة وسبها، كما احتج متظاهرون أمام معسكرات للمرتزقة السوريين في العاصمة طرابلس، بالإضافة إلى مدن جنوبية، وهو ما دفع إلى تصاعد الاستجابات الداخلية والخارجية تجاه التعامل مع هذه الأحداث؛ حيث أعلن المتحدث باسم الجيش الليبي اللواء أحمد المسماري، إن الجيش يقف بشكل كامل مع المطالب الشعبية المشروعة، وطالب المحتجين بعدم المساس بالمرافق العامة والخاصة. وأضاف أن الجيش سيتخذ الإجراءات اللازمة لصيانة الاستقلال الليبي، مؤكدًا أنه سيواجه أي محاولات خارجية للقفز على الحراك الشعبي.

وأعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبد الحميد دبيبة دعمه للمتظاهرين قائلًا إنه يوافق على رحيل جميع المؤسسات بما في ذلك الحكومة. واشار الى أن الانتخابات هي الحل الوحيد لإنهاء الأزمة في ليبيا.

من جانب آخر، دعا ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، قوات الأمن الليبية إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، كما دعا المتظاهرين إلى تجنب العنف، وذلك عقب تجدد الاحتجاجات الشعبية بمناطق عدة في ليبيا بسبب تدهور ظروف المعيشة وغياب تسوية سياسية في الأفق.

وعبر دوجاريك عن دعمه لحق التظاهر السلمي، مشيرا إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتابع بقلق المظاهرات التي اندلعت بمدن ليبية عدةوحث المسؤول الأممي كل الأطراف على العمل للتغلب على الجمود السياسي الذي يعمق الانقسامات، داعيًا كل الأطراف في ليبيا إلى الامتناع عن أي أعمال قد تقوض الاستقراروضمن السياق ذاته، أكد رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي أهمية التهدئة وإجراء الانتخابات في أقرب الآجال لتجاوز حالة الانسداد السياسي.

الجدير بالذكر أنه منذ الإحاطة الأخيرة لمجلس الأمن، تم إحراز بعض التقدم على المسار الدستوري؛ حيث عُقدت الجولة الثالثة والأخيرة من المشاورات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن الأساس الدستوري للانتخابات في القاهرة في الفترة الواقعة بين 12 و20 يونيو 2022

وتوصل المندوبون إلى إجماع واسع حول معظم المواد الخلافية في الاقتراح الدستوري لعام 2017، على الرغم من أن الخلافات لا تزال قائمة بشأن الإجراءات التي تحكم الفترة الانتقالية المؤدية إلى الانتخابات.

ومن قبل قبلت الأطراف دعوة المستشارة الخاصة، ستيفاني وليامز، للاجتماع في جنيف في الفترة الواقعة بين 28 و29 يونيو 2022، لمناقشة التدابير التي تحكم الفترة الانتقالية المؤدية إلى الانتخابات والتوصل إلى اتفاق بشأنها. في 7 يونيو 2022 في تونس، شاركت المستشارة الخاصة ستيفاني وليامز، مع فرنسا في رئاسة اجتماع عام لمجموعة العمل الأمنية لعملية برلين، بمشاركة اللجنة العسكرية المشتركة 5+5.

وقد ركزت المناقشة على الحاجة إلى تعزيز وقف إطلاق النار، بما في ذلك من خلال ضمان التقدم في نزع السلاح، وتسريح وإعادة دمج الجماعات المسلحة والميليشيات وانسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من ليبياكما أتاح الاجتماع الفرصة لمراقبي وقف إطلاق النار الليبيين من الشرق والغرب لإجراء مناقشاتهم الأولى لتفعيل آلية مراقبة وقف إطلاق النار التي يقودها ويمتلكها الليبيون.

تداعيات مختلفة

مع استمرار الجماعات المسلحة في دعم موقفها المؤيد لعبد الحميد دبيبة أو فتحي باشاغا، يزداد خطر التصعيد في ظل تراجع الحوار بين رئيس الوزراء دبيبة، وباشاغا – رئيس الوزراء الذي اختاره البرلمان الليبي؛ حيث توجد في ليبيا حكومتان متنافستان.

وعيّن البرلمان الذي يتخذ من شرقي ليبيا مقراً له فتحي باشاغا ليحل محل رئيس الوزراء الذي يتخذ من طرابلس مقرًا له عبد الحميد الدبيبة، الذي رفض التنحي قبل إجراء انتخابات جديدة وهو ما ينذر باستمرار الانقسام السياسي الداخلي.

على الجانب الاقتصادي، سيستمر الإغلاق الجزئي لقطاع النفط الليبي. فمنذ 16 أبريل 2022، أدى الإغلاق إلى خفض صادرات النفط الليبية بمقدار الثلث وكلّف البلاد 3.1 مليار دولار من العائدات المفقودة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الخلاف حول السيطرة على الأموال العامة واستخدامها الذي أدى إلى الإغلاق الجزئي مستمر ويمكن أن يؤدي إلى إغلاق المزيد من حقول النفط في المدى القريب؛ حيث أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، حالة القوة القاهرة على موانئ السدرة وراس لانوف، إضافة إلى حقل الفيل مع استمرار حالة القوة القاهرة في مينائي البريقة والزويتينة، مشيرة إلى خسارة البلاد 16 مليار دينار ليبي.

وضمن السياق ذاته، تتزايد في هذا الاتجاه احتمالات تراجع القدرة على الوفاء بالمتطلبات الاقتصادية للمواطنين الليبيين كنتيجة لتفاقم الأوضاع السياسية والأمنية وعدم الوصول إلى صيغة توافقية للخروج برؤية موحدة لإدارة العملية الانتقالية، وهو ما يعني استمرار الاحتجاجات التي تتخذ طابعًا اقتصاديًا حول عدم قدرة النخب الموجودة حاليًا على تجاوز هذه التداعيات الاقتصادية السلبية.

في الختام: تمثل هذه الاحتجاجات فرصة وعامل مهم في الضغط على النخب الليبية سواء في الشرق أو الغرب باتجاه تعزيز الجهود وتقديم التنازلات المتبادلة في إطار استكمال المسارات السياسية والأمنية لحل الأزمة الليبية المتفاقمة.

____________________________

المركز العربي للبحوث والدراسات

مواد ذات علاقة