خالد محمود

بينما ينتظر الليبيون وقوع معجزة سياسية تنهي الصراع على السلطة بين حكومة الوحدة المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وغريمه فتحي باشاغا رئيس حكومة الاستقرار المدعومة من مجلس النواب، فاجأهم مختلّ عقلياً بإعلان حكومة ثالثة تحت اسم حكومة الوحدة الوطنية، البشاير والوحدة والاستقرار والفرج (بإذن الله!).

ببساطة متناهية لا تتلائم مع المخاوف من إمكانية اندلاع حرب أهلية وشيكة، وفي ظل الصراع بين باشاغا والدبيبة، نصّب شخص مجهول نفسه رئيساً لحكومة جديدة.

وخلال الساعات الماضية، كان أنصار الطرفين على مشارف اقتتال جديد، بعدما سعت ميليشيات مسلحة تابعة لحكومة الدبيبة، إلى اعتقال باشاغا الذي عاد مجدداً إلى مسقط رأسيهما في مدينة مصراتة في غرب البلاد، لكن حال تجمع ميليشيات باشاغا وأنصاره حول منزله في مصراتة، دون اعتقاله.

وعلى الرغم من أن الدبيبة الذي يرفض من مقره في العاصمة طرابلس، التخلي عن السلطة بالرغم من إعلان مجلس النواب انتهاء الولاية القانونية لحكومة الوحدة، يمارس باشاغا عمله من مدينة سرت في وسط البلاد، كرئيس لحكومة موازية تحمل اسم الاستقرار، بعدما عجز عن الدخول إلى العاصمة بعد مرور نحو ثلاثة شهور على تعيينه في منصبه.

امتلك مصطفى بشير السريتي، من الجرأة ما يكفي لكي يدشن منفرداً حكومته، وتلا عبر متحدث باسمها ما وصفه بالبيان المهم، دعا من خلاله الدبيبة وباشاغا لعقد اجتماع مشترك لتسليمه السلطة.

على الرغم من أن الدبيبة الذي يرفض التخلي عن السلطة بالرغم من إعلان مجلس النواب انتهاء الولاية القانونية لحكومة الوحدة، يمارس باشاغا عمله من مدينة سرت كرئيس لحكومة موازية تحمل اسم الاستقرار، بعدما عجز عن الدخول إلى العاصمة بعد مرور نحو ثلاثة شهور على تعيينه في منصبه

وطالب الناطق باسم حكومة البشائر، من الدبيبة وباشاغا، الاستجابة لهذه الدعوة، وأن يكونوا من رجال الله الصالحين، لا الطالحين!

وأضاف: “سيقتنع الطرفان بالجلوس إلى السريت، وأن يسلموا السلطة له نصرةً للأمة الإسلامية والإفريقية والعالم أجمع، فكل منهم قام بواجبه الوطني، ولكن الأمر كان ثقيلاً عليهما“.

وبثت وسائل إعلام محلية بيان السريتي، من مقره في محلة قصر أحمد في مدينة مصراتة في غرب البلاد، والتي باتت على ما يبدو معقل النزاع على السلطة، لأن الدبيبة وباشاغا ينتميان إليها بالإضافة إلى السريتي، الوافد الجديد.

وهكذا، من العدم خرج السريتي في مصراتة، علماً أن حلمه الوحيد في العام الماضي كان خوض الانتخابات البرلمانية لكي يصير عضواً في مجلس النواب الجديد.

وكتب عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: “أنتظر وبكل شغف، فتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية القادمة، لأكون سبّاقاً إلى التقدّم، وبرر ذلك من منطلق إيماننا الكامل بأن لا بد أن يكون لهذا الوطن رجال مخلصون يخدمونه، ومن مبدأ الوقوف بنيّة صادقة لرفعة بلدنا الممزق، وبدافع الغيرة على أهل هذا البلد الذين عانوا الكثير من ضنك العيش وتدنّي الخدمات، وأنه يجب أن ينوب عنهم من يضمن لهم حقوقهم، فالقرارات التشريعية تحتاج إلى شخصيات قوية تشرعن وتتابع حتى تصبح القرارات إنجازات ملموسةً“.

وفقاً للمعلومات التي تقدّمها صفحة السريتي، فهو من مواليد كانون الثاني/ يناير عام 1986، لكنه لا يقدّم سيرةً ذاتيةً معتبرةً، مكتفياً بالاشارة إلى أنه يمارس أعمالاً حرة.

اقترح مسؤول سابق، إخضاع المرشحين للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررةً نهاية العام الماضي وتأجلت إلى أجل غير مسمى، على طبيب نفسي، وطالب بأن يكون اجتياز التقييم النفسي من قبل متخصصة من ضمن شروط الترشح

وتحفل المعلومات المقتضبة التي يقدّمها السريتي، مع ذلك، بكم هائل من الأخطاء الإملائية والنحوية، على نحو يشي بضعف مستواه اللغوي والتعليمي، إذ يشير إلى نفسه على أنه رائس (رئيس) نادي البشائر قصر حمد، رايس (رئيس) نادي التصدي“.

لم تتوقف الكوميديا السوداء التي يقدّمها السريتي عند هذا الحد، فقد أمطره مواطنوه بكم هائل من التعليقات اللاذعة والساخرة عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.

بأدب شديد، سأله أحدهم: “فخامة الرئيس ممكن اتورينا الديلر لي تشري منه في صنف هذا شكله نوعه مليح حاجة نظيفة!”، وقال آخر: “اعقل، راك كبير، بينما كتب ثالث: “عليّ الحلال مانك صافي“.

وسخرت مواطنة من السريتي، قائلةً: “رئيس روحاني أنت، ورأى آخر أن البلاد ما هي ناقصة مهبلة ساد اللي فيها“.

وتعليقاً على الاسم الغريب والشاذ للحكومة الثالثة الجديدة، والذي جمع بين مسمّى حكومتي الوحدة الوطنية (الدبيبة)، والاستقرار (باشاغا)، وأضاف إليهما: “الفرج، تطوع ناشطون محليون لإضافة: “وفك السحر وجلب الحبيب وإرجاع المطلقة، وأيضاً: “حكومة البشاير للشعب الحاير“.

وكما ظهر في لقطات مصورة، كانت أول أعمال حكومة البشائر برئاسة السريتي، إقامة حضرة صوفية من أجل ليبيا داخل منزله الذي يستخدمه كمقر للحكومة في مدينة مصراتة، كما ظهر في فيديو مصور وهو يدق بيده على الطاولة ويتفوّه بعبارات غير واضحة وسط تصفيق الحاضرين.

خلصت دراسة استقصائية أعدها المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب عام 2013، بعد عامين فقط من نهاية نظام العقيد الراحل معمر القذافي، إلى أن قرابة ثلث الشعب الليبي يعاني من مشكلات في الصحة العقلية، سببها انتهاكات متعددة.

وتعتقد إليزابيث هوف، ممثلة منظمة الصحة العالمية في ليبيا، أنه من المحتمل أن يحتاج واحد من كل سبعة ليبيين (أي أكثر من مليون شخص)، إلى رعاية صحية نفسية لحالات مثل الاكتئاب والاضطراب الثنائي القطب، واضطراب ما بعد الصدمة والقلق والفصام“.

تلفت العديد من التقارير إلى أن الحرب الأهلية التي استمرّت عقداً بعد سقوط نظام القذافي، أدت إلى دمار كبير على الأرض، وكذلك في نفسيات العديد من الليبيين الذين لا يزالون يحاولون تجاوز الصدمات النفسية التي نجمت عنها، بين خوف من الفراغ، واكتئاب“.

وتلقّى موقع إلكتروني إجابات صادمةً عن سؤال طرحه على متابعيه المحليين، إذ قال أحدهم: “غالبية الشعب يعاني من الاكتئاب، لافتاً إلى أن أعداد المرضى النفسيين في ازدياد كبير، وأنه إذا ركّز أحد المختصين وعمل على إحصائية، فسيكون الرقم كبيراً“.

وتلفت دراسة إلى أن أي منظمة لم تتمكن حتى الآن بشكل دقيق من تقدير حجم الضرر الذي خلّفته الحرب، بسبب غياب البيانات والإحصائيات، بالإضافة إلى العائق الذي تمثّله النزاعات القائمة في مناطق مختلفة في أرجاء البلاد، وعدم تواجد عدد كافٍ من المراكز الصحية النفسية في مختلف مناطق المدن الليبية.

ولا تتوفر سوى ثلاث عيادات نفسية حكومية فقط في طول البلاد وعرضها، في طرابلس ومصراتة والزنتان، بينما تشير تصريحات لأطباء متخصصين إلى ارتفاع نسبة المرضى بعد الإطاحة بنظام القذافي بمعدل 80%، ورأوا أن معاناة الشعب من الحرب وتداعياتها، مثل قلة السيولة وأزمات انقطاع الكهرباء، استنزفت قواه النفسية.

واقترح مسؤول سابق، إخضاع المرشحين للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررةً نهاية العام الماضي وتأجلت إلى أجل غير مسمى، على طبيب نفسي، وطالب بأن يكون اجتياز التقييم النفسي من قبل متخصصة من ضمن شروط الترشح، لافتاً الى أن أغلب الواهمين الذين جرّبتهم ليبيا طوال عقود، كانوا مرضى نفسيين“.

_______________

مواد ذات علاقة