أعلنت حكومة الوحدة الوطنية الليبية، في 12 يوليو/ تموز 2022، إعادة تشكيل مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط برئاسة فرحات عمر بن قدارة المحسوب على الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، خلفاً لمصطفى صنع الله رجل النفط القوي الذي كان مدعوما دوليا.

وأكدت وكالة الأناضول التركية أن إقالة صنع الله، وتعيين بن قدارة خلفا له، تطور مهم يحمل في طياته أكثر من مغزى إستراتيجي من شأنه إعادة ترتيب التحالفات السياسية والأمنية القائمة بين الشرق والغرب.

مشهد جديد

وذكرت الوكالة التركية الرسمية، أن أحد مؤشرات بداية تغير هذه التحالفات، إنهاء الجهات التابعة لحفتر، إغلاق الحقول والموانئ النفطية، بمجرد تعيين بن قدارة، رغم أن مطلبها الرئيس كان تسليم رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، السلطة لرئيس الحكومة المعينة من برلمان طبرق (شرقفتحي باشاغا.

وأكدت أن تعيين رئيس حكومة الوحدة لـبن قدارة، المحسوب على معسكر الشرق، لا يمكن أن يتم إلا باتفاق بين الدبيبة وحفتر، لكونهما يملكان سلطة الأمر الواقع.

ولم يعلن أي طرف وجود اتفاق بين الدبيبة وحفتر، برعاية إماراتية، إلا أن ناشطين ليبيين يتداولون على نطاق واسع، صفقة توصل إليها صدام نجل حفتر، مع ممثل عن الدبيبة، لإسقاط مصطفى صنع الله، من رئاسة مجلس إدارة مؤسسة النفط، وفتح الحقول والموانئ النفطية المغلقة منذ نحو 3 أشهر، رغم نفي الدبيبة إبرام أي صفقة.

لكن وكالة نوفاالإيطالية، لمحت إلى هذا الاتفاق عندما لفتت إلى أن الاتفاق الوحيد الممكن تقنيا، في الوقت الحالي، هو بين الدبيبة وحفتر، حيث يبحث الأخير بشكل مزمن عن أموال لتمويل آلته الحربية“.

وليست الأموال فقط ما يبحث عنه حفتر، بل إن المظاهرات التي اندلعت في مختلف المدن الليبية في الأول من يوليو، طالبت برحيل جميع الوجوه السياسية الحالية، لأسباب عديدة بينها انقطاعات الكهرباء لساعات طويلة، والتي من بين أحد أسبابها غلق المنشآت النفطية.

فحفتر، يدرك أنه لا يمكنه إغلاق النفط لفترات طويلة، لأن من شأن ذلك أن ينفجر في وجهه في شكل غضب شعبي، وضغوط دولية، لذلك سارع للاتفاق مع حكومة الدبيبة، على فتح المنشآت النفطية، مقابل تعيين أحد الموالين له على رأس مؤسسة النفط.

ولم تتضح بعد تفاصيل هذه التفاهمات، باستثناء تعيين بن قدارة، محافظ البنك المركزي في عهد نظام معمر القذافي، والمحسوب حاليا على معسكر حفتر، لكنها لن تختلف كثيرا على التفاهمات التي جرت في صائفة 2020، بين صدام حفتر، ونائب رئيس المجلس الرئاسي حينها أحمد معيتيق.

حفتر يريد ضمان حصة من عائدات النفط، ولا يمكنه الصمود أكثر أمام الضغط الشعبي والدولي بقيادة الولايات المتحدة، التي تريد تدفق النفط والغاز الليبيين نحو أوروبا، لتخفيف تداعيات العقوبات الغربية على المحروقات الروسية والتهاب أسعار الطاقة عالميا.

بالمقابل، فإن الدبيبة، يدرك أن عدم حل أزمة الكهرباء سريعا، أو على الأقل التقليل من ساعات انقطاعه، من شأنه الإطاحة بحكومته شعبيا.

والاتفاق مع حفتر، لفتح النفط، من شأنه إعادة تدفق الغاز نحو محطات إنتاج الكهرباء، ما سيساعد على تخفيف أزمة الانقطاعات الطويلة.

التضحية بباشاغا

بعد إقالة الدبيبة، لمجلس إدارة شركة الكهرباء نهاية يونيو/حزيران 2022، جاء الدور على مصطفى صنع الله في مؤسسة النفط، لكن باشاغا، قد يكون القربان الثالث لإسكات غضب الشارع الليبي الذي يطالب برحيل جميع وجوه الطبقة السياسية.

فاتفاق الدبيبة وحفتر، على تعيين مدير جديد لمؤسسة النفط مقابل فتح صنبور الإنتاج والتصدير، يعني أن باشاغا، وحكومته لم يعد لهما دور مهم في المرحلة المقبلة.

وهو اعتراف ضمني بحكومة الوحدة، التي فرضت تنفيذ قرارها بتغيير مجلس إدارة مؤسسة النفط، رغم معارضة صنع الله، ومجلسي النواب والدولة، وحتى السفير الأميركي للقرار.

فبالنسبة لحفتر، لم يتمكن باشاغا، من دخول طرابلس، كما وعد بذلك أكثر من مرة، وتمسكه بالسلمية وعدم استخدام القوة لإزاحة حكومة الدبيبة، لا يخدم أهداف قائد قوات الشرق لإضعاف قوات المنطقة الغربية وتقسيم كتائب مدينة مصراتة، القوة الرئيسة التي أفشلت محاولته اقتحام طرابلس ما بين 2019 و2020.

كما أن مطالبات شعبية برحيل كل من الدبيبة وباشاغا، تعني أن الأخير، أصبح مرفوضا شعبيا، ناهيك عن عدم قدرة حكومته على ممارسة مهامها من العاصمة منذ مارس/آذار 2022، واستقرارها في مدينة سرت، وعدم حصولها على أي ميزانية من المصرف المركزي لتنفيذ برنامجها.

وفي حالة تأكد توافق الدبيبة وحفتر، برعاية إماراتية، لمواجهة الخطر الشعبيالمشترك، فإنه لن يكون أمام باشاغا، إلا خيارين، إما الاستسلام للأمر الواقع، وإعلان استقالته وإنهاء حكومته، أو محاولة تغيير هذا الواقع، من خلال السيطرة على طرابلس بالقوة المسلحة، وإعادة التفاوض مع حفتر، وهذا خيار انتحاري ستكون له تداعيات خطيرة على أمن البلاد.

باشاغا، يدرك جيدا أنه لن يحكم ليبيا إلا من طرابلس، ودخول العاصمة قد يكلفه إزهاق الكثير من الدماء، لذلك يحاول الرهان على إقناع قادة الكتائب في طرابلس على تغيير ولائهم، لتجنب السيناريو الدموي والكارثي حتى وإن انتصر فيه.

فبعد عدم نجاح 3 محاولات لدخول أو استقرار حكومته في طرابلس، آخرها تسببت في مقتل أحد رجاله، قرر باشاغا اتخاذ سرت عاصمة مؤقتة لحكومته، لكنه عاد، في 9 يوليو، للإعلان أنه سيباشر مهامه من طرابلس، خلال الأيام المقبلة“.

وبرر باشاغا، تغيير موقفه من عدم دخول طرابلس، إلى أن القوى التي كانت معارضة تغيّرت مواقفها، وتريدنا أن ندخل إلى العاصمة، وسوف ندخل“.

مخاطر الفوضى

وبالنسبة لاحتمال وقوع مواجهات مسلحة مع الكتائب الداعمة لحكومة الوحدة، قال باشاغا، ليست هناك معارضة شديدة، هناك معارضة من بعض القوى التي دفعت لها الحكومة السابقة أموالا“.

وهذا التصريح يعكس بداية نفاد صبر باشاغا، وأنه يستعد لمواجهة الكتائب الداعمة لحكومة الدبيبة.

لذلك سارع عدد من قادة الكتائب الأمنية والعسكرية في المنطقة الغربية للتحذير من أنهم عازمون على التصدي لكل من يحاول إحداث الفوضى داخل طرابلسفي إشارة إلى تهديدات باشاغا.

كما أصدر ناشطون في الحراك المدني، بيانا عبروا فيه عن رفضهم اقتحام العاصمة، والدخول في مراحل انتقالية، في إشارة إلى حكومة باشاغا.

وأمام هذا الرفض الأمني والعسكري والشعبي، بغض النظر عن حجمه، فلن تكون مهمة باشاغا هينة، خصوصا، أن سكان طرابلس، ما زالوا لم ينسوا بعد المآسي والجراح الذي تسبب فيها هجوم قوات حفتر على مدينتهم.

وحتى الآن، لم يتجاوز توافق الدبيبة وحفتر، مسألة النفط، ولم يتم التوافق بعد بشأن اعتراف الأخير بحكومة الوحدة، وسحب البساط من تحت حكومة باشاغا.

فالدبيبة وحفتر، ليسا لوحدهما في تقرير مصير البلاد، هناك فاعلون آخرون بإمكانهم قلب الطاولة على الجميع، على غرار مجلسي النواب والدولة، اللذين قد يتفقان على حكومة جديدة، لا يكون على رأسها لا الدبيبة ولا باشاغا.

دون تجاهل دور المجلس الرئاسي، الذي قد يلجأ إلى فرض حالة الطوارئ، وإسقاط البرلمان بغرفتيه، فضلا عن الحكومتين المتصارعتين، وإعادة تشكيل المشهد السياسي من جديد.

روسيا، التي لن يسعدها عودة النفط الليبي إلى السوق الدولية، قد تحرك شركة فاغنر، ذراعها الأمنية في البلاد، للضغط على الأطراف الليبية لتحقيق مصالح معينة.

وفي هذا الصدد، نقلت قناة بانوراما الليبية عن مصدر أمني، قيام مرتزقة فاغنر الروس بتمرين تعبوي بالذخيرة الحية في محيط قاعدة الجفرة الجوية (وسط) باتجاه سرت، بمشاركة مكثفة لطائرات ميغ 29″، ودون مشاركة مليشيات حفتر“.

فالجميع في هذا المرحلة يترقب أي خطوة يقوم بها الآخر، خاصة مع تعدد اللاعبين السياسيين والعسكريين في ليبيا، والفاعلين الدوليين أيضا، مع عدم استبعاد تغير التحالفات، وسقوط أوراق، وصعود أسهم أشخاص لم يكونوا في الحسبان.

_____________

مواد ذات علاقة