بقلم د. الحسين الشيخ العلوي

ما دلالة التحرك الإقليمي والدولي بليبيا؟ وما دلالة دخول القطع البحرية الإيطالية الشواطئ الليبية المتزامن مع وجود عسكري فرنسي بشرق ليبيا؟ وكيف ألقت أزمة الخليج بظلالها على ليبيا في سياق نشاط إماراتي داخل ليبيا وفي محيطها الإفريقي؟ هذا ما يحاول هذا التقرير قراءته.

ظل الصيف في ليبيا وطيلة السنوات الأربع الفائتة، موعدًا لمعارك دامية بين الفصائل والتشكيلات الليبية المسلحة المختلفة، في حرب نفوذ سيزيفية عبثية، أمعنت في إضعاف الدولة الليبية، وكرست السلاح كلغة تخاطب بين الفرقاء الليبيين، إلا أن صيف هذا العام الجاري جاء مغايرًا، وإن لم يخل هو الآخر من معارك صغرى هنا أو هناك لتعزيز الموقف على الأرض، أو لتحقيق مكاسب ما، إلا أنه شهد العديد من المساعي الحميدة الأممية والإقليمية، كما عرف دخول أطراف دولية فاعلة على خط التسوية كفرنسا في خطوة باغتت الكثيرين وعملت على تعميق الشرخ داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يبدو أن دوله تتباين في مواقفها ودرجة تعاطيها مع الأزمة الليبية.

بدأ صيف ليبيا اللاهب للعام الجاري بخطوة مفاجأة يبدو أنها حُضِّر لها جيدًا منذ مدة، تمثلت في إطلاق سراح سيف القذافي، الذي ظل محتجزًا ولمدة ست سنوات من قِبل كتيبة أبي بكر الصديق في مدينة الزنتان الواقعة في أقصى الغرب الليبي في منطقة الجبل الغربي غير بعيد عن الحدود التونسية.

إطلاق سراح سيف القذافي منتصف شهر رمضان الموافق للتاسع من يونيو/حزيران 2017، صاحبته موجة تكهنات صاخبة لم يتحقق أي منها حتى كتابة هذا التقرير.

وشهد هذا الصيف أيضًا إحكام قبضة المشير، خليفة حفتر، على مدينة بنغازي (ثاني كبريات المدن الليبية)، في صراعه مع قوات أنصار الشريعة التي أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة الإسلاميةمنذ سنتين، وتقوم قوات الجيش الوطني الليبي التابعة للمشير حفتر منذ مطلع الشهر الجاري بمحاصرة مدينة درنة من جميع الجهات، هذه المدينة التي شكل ثوارها مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها“.

بعد أربعة أشهر من البحث عن شخصية تتولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وتشرف على المفاوضات الرامية إلى تشكيل حكومة مركزية توافقية تبسط سيطرتها على عموم ليبيا، تم الاتفاق بمجلس الأمن، في 20 يونيو/حزيران 2017، على تعيين الأستاذ الجامعي ووزير الثقافة اللبناني الأسبق، غسان سلامة، خلفًا للألماني مارتن كوبلر، ووصل غسان سلامة إلى مدينة طرابلس، يوم 5 أغسطس/ آب 2017؛ حيث قابل رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، ووزير خارجية حكومة الوحدة الوطنية، محمد الطاهر سيالة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن السويحلي، ثم انتقل مساءً إلى طبرق للقاء رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح .

التحرك الإقليمي والدولي وتأثيراته على الأمن القومي الليبي

شهدت العاصمة التونسية في هذا الصيف تحركات لافتة لمعظم الطيف السياسي الليبي وزيارات مكوكية لأبرز الفاعلين في المشهد الليبي، لعل أبرزها زيارات فايز السراج وخليفة حفتر ولقاؤهما مع رئيسي الجمهورية والحكومة، كما عرف صيف تونس نشاطًا محمومًا للمجلس الأعلى للمدن والقبائل الليبية والجبهة الشعبية لتحرير ليبيا (أبرز تنظيمات أنصار النظام السابق)، اللذين جعلاها محطة رئيسية في تنقلاتهم إلى العواصم الإفريقية وغيرها.

يظل لقاء باريس الذي رعاه الرئيس الفرنسي، في 25 يوليو/تموز 2017، أبرز التحركات الدولية، وقد تم بموافقة روسية ومباركة أميركية وتجاهل للحليف الإيطالي! حيث برع وزير خارجية فرنسا، جون إيف لودريان، في التحضير للقاء الذي جمع السراج وحفتر، في ثاني لقاء يتم بين الرجلين وتمخض عنه بيان من عشر نقاط.

أكد نص البيان على أن حل الأزمة الليبية لا يمكن أن يكون إلا حلًّا سياسيًّا، يمر عبر مصالحة وطنية، تجمع بين الليبيين وكافة الجهات الفاعلة: المؤسساتية والأمنية والعسكريةعُدَّ هذا بمثابة خارطة طريق لتسوية سياسية وشيكة، أبرز ما جاء فيه اتفاق الطرفين على وقف إطلاق النار بشكل كامل في ليبيا وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بأقرب وقت ممكن .

هذا اللقاء الذي تحاول فرنسا من خلاله توسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وأن تبرز كلاعب مؤثِّر وممسك بخيوط اللعبة في ليبيا عبر مراعاة موازين القوى والاعتبارات على الأرض وهي التي عملت ولسنتين على فصل إقليم فزان، وتشكيل حكومة رابعة في الجنوب الليبي، لينافس الحكومات الثلاث التي تتنازع الشرعية في الشمال الليبي في إقليمي برقة (شرق ليبيا) وطرابلس (غرب ليبيا) حتى يتسنى لفرنسا، التي تنسق أمنيًّا مع حكومات تشاد والنيجر، أن تجد لها موطئ قدم في الجنوب الليبي تعزز من خلاله تواجدها العسكري في منطقة الساحل الإفريقي التي تشكِّل أهمية جيوسياسية بالغة الأهمية بالنسبة لفرنسا.

لقاء باريس الأخير بين السراج وحفتر أفصح عن حجم تأثير فرنسا على مجريات الأحداث في ليبيا؛ وهو الأمر الذي أثار حفيظة روما التي دأبت على التنسيق مع فرنسا وألمانيا بخصوص الأزمة الليبية. وتحوَّل الامتعاض الإيطالي إلى غضب شديد، عبَّر عنه وزير خارجية إيطاليا، أنجلينو ألفانو، الذي لم يُخفِ عدم الرضا عن لقاء باريس أثناء وبعد اللقاء في تصريحات متتالية. فيما يبدو، فإن لقاء حفتر والسراج في باريس قد أخرج للعلن الخلاف الصامت بين باريس وروما بخصوص الملف الليبي مما جعل روما تبادر إلى توجيه دعوة لكل من خليفة حفتر وفايز السراج، عبر وسطاء محليين لزيارة روما، مباشرة بعد انتهاء لقاء باريس.

وقد تجاهل حفتر هذه الدعوة في حين لبَّاها السراج، الذي كان في روما ساعات بعد المؤتمر الصحفي للإعلان المشترك للقاء باريس.

هنا، بادرت إيطاليا إلى إعادة تفعيل الاتفاق الليبيالإيطالي، المبرم بين الطرفين في العام 2008، مع رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، وينص هذا الاتفاق على تقديم البحرية الإيطالية الدعم الفني والصيانة والتدريب لنظيرتها الليبية.

رحَّب فايز السراج بإعادة تفعيل الاتفاق الليبيالإيطالي واعتبره نصرًا سياسيًّا؛ وبالفعل وصلت سفينتان إيطاليتان على التوالي، يومي 2 و8 أغسطس/آب 2017، إلى الشواطئ الليبية (سفينة كوماندانتي بروزينيإلى قاعدة أبو ستة البحرية وسفينة تريميتيالإيطالية إلى قاعدة طرابلس البحرية)، وشكَّل وصول القطع البحرية الإيطالية، فرصة سانحة لخصوم المجلس الرئاسي في الشرق الليبي، الذين توحدوا مع أنصار النظام السابق، لإدانات صاخبة لهذه الخطوة، التي يعتبرونها انتهاكًا صارخًا للسيادة الليبية، وعودة مفضوحة للاستعمار الإيطالي إلى ليبيا عبر بوابة مكافحة الهجرة غير الشرعية.

وخرج عشرات المتظاهرين في بعض المدن الليبية منددين وتم حرق العلم الإيطالي في مظاهرات في مدن طرابلس وطبرق وبنغازي وسبها، وهدَّد المشير خليفة حفتر بضرب أية سفينة تدخل المياه الإقليمية الليبية واعتبرت إيطاليا هذه التهديدات خاوية نظرًا إلى أن المشير حفتر لا يمتلك الإمكانيات ولا الوسائل التي تمكِّنه من تنفيذ تلك التهديدات!

هذا، فضلًا عن أن إعادة إحياء الاتفاقية مع إيطاليا عملت على صف المجلس الرئاسي؛ حيث (أمهل نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فتحي المجبري، رئيس المجلس، فايز السراج، 72 ساعة لعقد اجتماع مع مجلس وزراء حكومة الوفاق لمناقشة الاتفاق الذي عقده مع رئيس الوزراء الإيطالي، مضيفًا: “لن نكون شهود زور نسجل في تاريخ حكومة الوفاق الوطني” .

ويرى العديد من الخبراء أن تواجد القطع البحرية الإيطالية في المياه الإقليمية الليبية جزء من التواجد الحربي الأوروبي لمنع تدفق موجات المهاجرين من السواحل الليبية صوب القارة الأوروبية، كما أنه امتداد لعملية صوفياالبحرية التي يطبقها الاتحاد الأوروبي منذ سنوات في البحر الأبيض المتوسط وقبالة السواحل الليبية، ولا يرون فيها خطرًا يهدد الأمن القومي الليبي! في حين جاهر العديد منهم بخطورة التواجد العسكري الفرنسي غير المعلنفي الجنوب الليبي على الأمن القومي الليبي وعَدَّوه خطوة سلبية ومعوِّقًا جديًّا لأية خطوات أو تسويات سياسية قادمة.

تداعيات أزمة الخليج

لقد ألقت أزمة الخليج الأخيرة بظلالها الكثيفة على مجمل مجريات الأحداث، وشكَّلت منعرجات لافتة في مسارات الأزمة الليبية، وأفصحت عن مدى تغلغل نفوذ دولة الإمارات في شرق ليبيا؛ فقد سارعت الحكومة المؤقتة المنبثقة عن البرلمان الليبي بقيادة عبد الله الثني والمنتهية الصلاحية بعد الاتفاق السياسي بالصخيرات منتصف ديسمبر/كانون الأول 2015، وغير المعترف بها دوليًّا منذ ذلك التاريخ والمؤيِّدة لحفتر، سارعت (حكومة شرق ليبيا) ساعات من اندلاع الأزمة في الخليج إلى تأييد قرار مقاطعة دولة قطر؛ حيث قال محمد الدايري، وزير خارجية الحكومة المؤقتة، إن بلاده قررت قطع علاقاتها مع دولة قطر تضامنًا مع أشقائنا في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية

في حين التزمت حكومة الوفاق الوطني بطرابلس، بقيادة فايز السراج والمعترف بها دوليًّا، الصمت وآثرت الحياد، ورفضت طلبًا مصريًّا بقطع العلاقات مع دولة قطر واعتبارها داعمة للإرهاب.

ويُرجع المراقبون السياسيون موقف الحياد الذي التزمت به حكومة الوفاق الوطني إلى:

كون أن حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج متعاطفة مع دولة قطر.

تمتُّع الدوحة بعلاقات وثيقة مع عدة أعضاء من الأعضاء التسعة المكوِّنين للمجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج.

النفوذ العربي في إفريقيا جنوب الصحراء

منذ انهيار نظام القذافي، أواخر العام 2011، شهدت إفريقيا جنوب الصحراء سباقًا محمومًا غير معلن بين دول عربية ثلاث، هي: المغرب والسعودية والإمارات، لوراثة النفوذ الليبي الذي تغلغل كثيرًا في تلك المنطقة ، ويرى المراقبون أن حظوظ المغرب وافرة في مدِّ نفوذه إفريقيًّا من خلال تراكم الخبرات والتجارب في التعامل مع دول المنطقة، وقد وظَّف المغرب عاملين للتمدد إفريقيًّا، هما: المكانة الرُّوحية التقليدية للمملكة المغربية في غرب ووسط القارة، والاستثمار عبر مشاريع مشتركة عملاقة، في معظم القطاعات وأبرزها قطاعا المصارف والمواصلات، ويعتبر المغرب ثاني دولة مستثمرة في إفريقيا بعد دولة جنوب إفريقيا، حسب الوكالة الفرنسية للأنباء، وتمثِّل إفريقيا جنوب الصحراء 62.9% من الاستثمارات المباشرة الأجنبية المغربية في العالم.

وبالمقابل، يرى المراقبون أن حظوظ تمدد النفوذ السعودي إفريقيًّا ستظل تراوح مكانها؛ لأنها لا تزال تركِّز في المقام الأول على الجانب الدعوي للمذهب الوهابي الذي طالما تصادم مع الحركات الصوفية الإفريقية (عماد التدين في إفريقيا) منذ ما يزيد على أربعة عقود! في الجانب الآخر، برعت الإمارات في استخدام قوتها الناعمة في إفريقيا عبر مسارب شتى، ووصل تغلغلها حدَّ التعاون الأمني والاستخباراتي في منطقة الساحل الإفريقية، والقرن الإفريقي الذي يضم القاعدتين العسكريتين الوحيدتين للإمارات خارج حدودها، وهما: قاعدة عصبالساحلية الإريترية وقاعدة بربرةفي مدينة بربرة الصومالية على ساحل خليج عدن، في خطوة يرى فيها المراقبون، استعراضًا للقوة أكثر مما هو تفكير استراتيجي بعيد المدى!

فضلًا عن أن التمدد الإماراتي في إفريقيا يبدو أنه استفاد من تجربة نظام القذافي في التمدد الأفقي دون التعويل على التمدد الرأسي فقط.

في هذا السياق، تقول التقارير الإعلامية والمعلومات الاستخباراتية: إن تنامي العلاقة الوثيقة بين تشاد ودولة الإمارات طيلة السنتين الماضيتين، مردُّه سعي الأخيرة إلى الاستفادة من تأثير دولة تشاد في مجريات الأحداث في الجنوب الليبي؛ مما عزَّز من الحضور الإماراتي بقوة عبر توطيد علاقات هرمية مع بعض الأعيان والشيوخ والفاعلين في الجنوب الغربي والجنوب الشرقي الليبيين، ولعب رجال ظل من قبيلة زوية الليبية ذات الامتدادات التاريخية في كل من تشاد والسودان دورًا في توطيد العلاقة بين نظام إدريس ديبي والمشير خليفة حفتر في الشرق، وكذا مع أبرز رجالات المجلس الرئاسي في طرابلس.

وخلال 13 شهرًا الأخيرة، قام الرئيس التشادي بزيارة أبو ظبي مرتين، الأولى في 30 يونيو/حزيران 2016 والأخيرة 16 يوليو/تموز 2017، وكانت الزيارة الأخيرة رفيعة المستوى وتم خلالها توقيع العديد من الاتفاقيات ووعدت دولة الإمارات باستثمارات ضخمة في تشاد، ويرى المراقبون أن نجامينا باتت رأس حربة لمجهودات دولة الإمارات للتمدد إفريقيًّا، ويفسِّر هذا الأمر سرعة قطع تشاد علاقاتها مع قطر في ثالث يوم من اندلاع الأزمة!

استراتيجية الإدارة الأميركية حيال الأزمة الليبية

في أبريل/نيسان 2017، صرَّح دونالد ترامب قائلًا: لا دور لنا في ليبيا؛ أميركا لديها ما يكفي من الأدوار حول العالم . وبدا كأن إدارة ترامب أدارت الظهر للأزمة الليبية، بعد أن كانت الولايات المتحدة لاعبًا محوريًّا في بداياتها، إلا أنه ومع مطلع يوليو/تموز تبين أن إدارة ترامب لم تكن بعيدة عن الوضع الملتهب في ليبيا؛ حيث تعاملت سياسيًّا مع حكومة الوفاق الوطني بقيادة السراج وعسكريًّا مع المشير حفتر عبر الأفريكوم، وذكرت بوابة الوسط الإخبارية نقلًا عن جريدة الإكسبريس البريطانية، أن وحدات من القوات الخاصة البريطانية أُرسلت إلى ليبيا لمواجهة خطر تنظيم الدولة والتعامل مع شبكات تهريب المهاجرين، وقالت الجريدة البريطانية: إن “80 عنصرًا من قوات خدمة القوارب الخاصة مدعومين بأربعين من القوات البريطانية، تم نشرهم في ليبيا إلى جانب قوات من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، في مهمة سرية لمنع تنظيم الدولة من إنشاء قاعدة له بالبلاد، وأضافت: إن القوات تستهدف أيضًا شبكات تهريب المهاجرين، وتضغط على القوات الليبية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد مهربي البشر وتدمير قوارب التهريب“. وتابعت: “تضم القوات البريطانية متخصصين في قيادة الطائرات دون طيار، يمكنهم مراقبة الصحراء المفتوحة، إلى جانب فريق متخصص بالحرب الإلكترونية لمراقبة الاتصالات الإلكترونية” .

آفاق التسوية السياسية في ليبيا

لا شك في أن خروج سيف القذافي من السجن وتطلعه إلى لعب دور سياسي في ليبيا سيعمل على إعادة خلط أوراق اللعبة السياسية من جديد؛ لأنه وحتى خروجه كانت اللعبة تدور بين أطراف فبراير/شباط 2011 (الذين عملوا على الإطاحة بنظام القذافي)، وتم استبعاد جميع أنصار النظام السابق وجعلهم خارج اللعبة ولمدة ست سنوات، لكن ظهور سيف القذافي من جديد ضمن طيف المشهد السياسي سيعيد أنصار النظام السابق إلى واجهة الأحداث من جديد للاعتبارات التالية

اقتناع المجتمع الدولي بضرورة إشراك أنصار النظام السابق في أية تسوية سياسية يراد لها النجاح في ليبيا.

أن أنصار النظام السابق (السبتمبريين) يقارب عددهم نصف عدد الشعب الليبي، والانقسامات بين صفوفهم أقل حدة وتعددًا من تلك التي بين صفوف الفبرايريين؛ حيث إن التنظيمات السياسية التي تتحدث باسم أنصار النظام السابق، لا تتجاوز الستة، في حين أنها بالعشرات بين صفوف أطراف فبراير/شباط؛ مما يعني ضمنًا أنهم سيكونون أغلبية في أية انتخابات قادمة.

يعتبر البعض سيف رجلًا إصلاحيًّا يمتلك مشروعًا سياسيًّا؛ هذا الأمر قد يجعل طيفًا عريضًا من أنصار فبراير/شباط يلتف حوله، هذا إن أجاد طاقم سيف توجيه خطاب تصالحي واقعي لاجتذاب هذه الشريحة الشابة خاصة.

يتمتع سيف بشعبية داخل أوساط أنصار النظام السابق الذين يقارب عددهم ثلاثة ملايين نسمة، ولا توجد شخصية أخرى تتمتع بهذه الشعبية داخل أوساط أنصار النظام السابق.

تقول المؤشرات: إن سيف القذافي، وحتى كتابة هذا التقرير، لم يحظَ بعدُ باعتراف أو تقبل من الدول المؤثِّرة في الشأن الليبي، ولاسيما الغربية منها، لكننا نرى أنه لا يعوِّل كثيرًا على ذلك، فهو يرى أن قوته تكمن في أمرين، هما:

شعبية كاسحة داخل أنصار النظام السابق.

حرص وتمسك الاتحاد الإفريقي بضرورة إشراك أنصار النظام السابق في أية تسوية سياسية.

ومع هذا، نرى أن سيف الإسلام راهنًا يواجه ثلاثة تحديات، هي:

الموارد المالية: فلا يمكن ممارسة السياسة دون موارد مالية دائمة ومتجددة، وهذا أمر غير متاح راهنًا للسيد سيف ، ونعتقد أن هذا الأمر من أهم أسباب تأخر ظهوره حتى الآن، وعدم قيامه بأي ظهور إعلامي يكون بداية الانطلاقة الحقيقية لمشروعه السياسي، فهو حريص على توفير موارد مالية قارَّة ومستمرة لتمويل برنامجه السياسي.

محكمة الجنايات الدولية: لا تزال محكمة الجنايات الدولية تطالب به لمحاكمته، وقد طالبت الدولة الليبية بضرورة تسليمه فور الإعلان عن إطلاق سراحه، في هذا السياق، نرى أن أمامه معركة قانونية ليست سهلة في مواجهة سدنة القانون الدولي، هذا إلا إذا استطاع سيف أن يُثبت في بحر أشهر قليلة أنه رجل المرحلة أو استطاع أن يحقق التفافًا شعبيًّا كبيرًا حوله من الطرفين (أتباع سبتمبر/أيلولفبراير/شباط) لإنجاز السلام في وطنه، لكن المؤشرات لا تشي بهذا المنحى حتى الآن.

أمنه الشخصي: يعتبر سيف القذافي هدفًا وصيدًا ثمينًا لمعظم تيارات الإسلام السياسي، التي لن تفوِّت فرصة الإمساك به مجددًا أو اغتياله؛ مما يجعل من مسؤولية توفير أمنه الشخصي أمرًا في غاية الصعوبة والأهمية في آن معًا.

الأسابيع القليلة القادمة مهمة بالنسبة للأزمة الليبية وتحديدًا على ثلاثة أصعدة:

1. الصعيد الداخلي: تفاقم وتردي الوضع الاقتصادي وتزايد حدَّة الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تعانيها ليبيا منذ أشهر ستنعكس حتمًا على مجمل الأوضاع في ليبيا ولاسيما في العاصمة طرابلس.

2. الصعيد الإقليمي (الأزمة في الخليج العربي): حيث ترتبط الأزمة الليبية بشكل عضوي بما يحصل في دول الخليج العربي، ولاسيما مع انحسار وتراجع سطوة تيارات الإسلام السياسي (وتحديدًا حركة الإخوان المسلمين التي باتت مصنفة كحركة إرهابية في السعودية والإمارات ومصر والبحرين)؛ مما سيُفضي إلى تغيير مواقع وترتيب الفاعلين السياسيين في المشهد الليبي.

3. الصعيد الدولي: حيث بدأت تتبلور رؤية الإدارة الأميركية الجديدة بالإضافة إلى الانتخابات الفرنسية وظهور إدارة جديدة طموحة في الإليزيه لها رؤية تختلف عن الإدارة السابقة وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يحدث في نتائج الانتخابات الإيطالية القادمة. كل هذه الأمور لها تأثيرات مختلفة المستويات وذات طبيعة استراتيجية على الوضع الليبي في الأسابيع والأشهر القادمة.

البُعد الاستشرافي للأزمة الليبية

هناك سعي من المجتمع الدولي ممثَّلًا في الرباعي الراعي للاتفاق السياسي في ليبيا (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية) لإيجاد تسوية سياسية للأزمة الليبية، من خلال اتفاق سياسي شامل وجديد يكون اتفاق الصخيرات أرضية له، ويتم إشراك أنصار النظام السابق فيه، وستلعب دول الجوار الليبي (الجزائر وتونس ومصر) دورًا محوريًّا في هذه المساعي الحميدة، التي نرى، وفق المؤشرات، أن أبرز الفاعلين فيها ثلاثة كيانات سياسية وأربع شخصيات محورية، هي:

1. تكتل الشرق الليبي: ممثَّلًا في البرلمان الليبي والحكومة المؤقتة وقوات الكرامة، ويتزعم هذا التكتل، المشير خليفة حفتر، الذي سيكون له دور سياسي بارز، وتقف السعودية بثقلها المالي ومعها مصر والإمارات وروسيا وراء هذا الطرف. ومن المتوقع أن يكون رئيس الوزراء من هذا التكتل، ويتمتع هذا التكتل بتجانس كبير وقلة الانقسامات والتصدعات داخله.

2. تكتل المجلس الرئاسي: يتمتع هذا التكتل باعتراف دولي كبير وتقف معظم الدول الغربية المؤثِّرة في المشهد الليبي وراءه، كما يحظى هذا التكتل بوجود بارونات المال الليبي ممثَّلين بتجار وأثرياء مصراتة (الدولة المدينة)، ويتسم هذا التكتل بكثرة الانقسامات وعدم التجانس، كما أنه معرَّض في أية لحظة لانهيار التحالفات، يتزعم هذا التكتل فائز السراج (رجل التوافقات بامتياز) وعبد الرحمن السويحلي. هذا التكتل تآكلت شعبيته كثيرًا في معاقله في الغرب الليبي، لاسيما بعد إعادة إحياء الاتفاقية الليبيةالإيطالية المبرمة في عهد القذافي عام 2008.

3. تكتل أنصار النظام السابق: أثبتت تجارب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا طيلة ست سنوات أنه لا يمكن إيجاد تسوية سياسية تنهي حالة الانسداد السياسي وتنازع الشرعية دون إشراك أنصار النظام السابق، فواقعيًّا، لا يمكن إيجاد اتفاق سياسي ناجح دون إشراك جميع الفرقاء السياسيين الليبيين في اللعبة السياسية، وفي هذا السياق، نرى أن الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا والمجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية (أبرز تنظيمات أنصار النظام السابق) هما أبرز الكيانات المحورية لهذا التكتل. ويتمتع هذا التكتل بدرجة كبيرة من التجانس ولم يظهر فيه حتى الآن أي أثر للانقسامات (رغم أنه معرض لها في أي وقت)، سيكون هذا التكتل بيضة القبان في أية انتخابات قادمة، وقد بدأ هذا التكتل حملة علاقات عامة دولية خلال الأربعين يومًا الأخيرة، تمثلت في زيارات مكوكية للعديد من العواصم العالمية، أبرزها: موسكو وبريتوريا وكيغالي وهافانا وكاراكاس وطهران والجزائر والقاهرة، نعتقد أنها ستسفر عن موطئ قدم لهذا التكتل في التسوية القادمة التي بدأت تباشيرها تلوح في الأفق الملبد بدخان فوهات المدافع!

***
د. الحسين الشيخ العلوي، باحث وأكاديمي موريتاني

 ___________

مواد ذات علاقة