أسامة علي
لم يكن تحطم الطائرة التي أقلّت رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، الفريق أول ركن محمد الحداد ورفاقه، مساء الثلاثاء، حدثاً عابراً في المشهد الليبي المثقل بالتعقيدات. فقد اتجه سريعاً إلى كشف اختلالات عميقة في بنية الدولة والمؤسسة العسكرية، وفتح الباب أمام أسئلة شائكة تتعلق بالمنصب العسكري الرفيع الذي تركه الحداد شاغراً، ومساره، وما الذي يمكن أن يترتب على غيابه.
وفي وقت لا تزال فيه التحقيقات تتواصل لدى السلطات التركية، بمشاركة رسمية ليبية، في ملابسات تحطم الطائرة دون إعلان نتائج أولية حتى الآن، أفادت مصادر ليبية متطابقة من وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية بأن الوفد الحكومي الليبي انخرط في التحقيقات فور وصوله إلى أنقرة، وأنه من المنتظر أن يعقد اجتماعاً، اليوم الأربعاء، مع وزير العدل التركي وعدد من المدعين العامين الأتراك المكلّفين بالملف.
ووفقاً لمعلومات أدلت بها المصادر ذاتها لـ“العربي الجديد“، فإن الفرق التركية لا تزال تواصل البحث عن أشلاء الضحايا في موقع الحادث، بالتوازي مع بدء إجراءات أخذ عينات الحمض النووي من ذوي المتوفين. وقد وصل خمسة من أقارب الضحايا إلى أنقرة برفقة الوفد الليبي، للمساعدة في التعرف الرسمي على الجثامين.
وفيما أشارت المصادر نفسها إلى أن معلومات أولية تفيد بأن قائد الطائرة ومساعده يحملان الجنسية الفرنسية، أكدت أن الطائرة كانت مستأجرة من شركة “هارموني جت” المالطية، لصالح شركة طيران ليبية خاصة تتعاقد مع جهات حكومية لتأجير الطائرات الخاصة.
وفي تعليقه على الحادث، قال سليمان التير، المسؤول السابق بمصلحة الطيران المدني، إن الشركة المالطية المالكة للطائرة مرخّصة في مالطا، ما يعني أنها تحمل شهادة مشغّل جوي صادرة عن سلطة الطيران المدني المالطية.
ولفت، في حديثه لـ“العربي الجديد“، إلى أن ما يُتداول بشأن عمر الطائرة الذي يناهز 37 إلى 38 عاماً “لا يُعد بحد ذاته سبباً مباشراً للحادث، فهذا العمر معروف في قطاع الطيران“، مؤكداً أن تشريعات الطيران المدني الليبي تسمح بتشغيل طائرات بهذا العمر شريطة توفر الصيانة الدورية والمعايير الفنية المطلوبة.
ومع ذلك، استدرك التير بأن عمر الطائرة قد يرفع من حساسيتها لأي قصور فني محتمل، خصوصاً إذا “كانت أجهزة الرقابة أقل صرامة“. في المقابل، استبعد الخبير السياسي في العلاقات الدولية رمضان النفاتي وجود معطيات تشير إلى عمل تخريبي وراء الحادث، معتبراً أن طبيعة أي عمل من هذا النوع “تقتضي أن يحدث في أجواء أقل ضجيجاً“، وهو ما لا ينسجم مع حجم الاهتمام التركي والليبي والدولي الذي أحاط بالحادث.
ضابط من مصراتة… ومسيرة في قلب التحولات
وُلد محمد الحداد عام 1966 في مدينة مصراتة، إحدى أبرز مدن الغرب الليبي ذات الثقل العسكري والسياسي. التحق بالكلية العسكرية عام 1985، حيث تلقى تكوينه العسكري النظامي، قبل أن يتدرج في الرتب والمواقع. وبرز اسمه بشكل أوضح خلال ثورة 2011، حين شارك كأحد القادة العسكريين في القتال ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي.
ويُعد توليه منصب آمر “لواء الحلبوص” برتبة مقدّم عام 2012 أول مناصبه العسكرية البارزة، لا سيما مع توسيع صلاحيات هذا التشكيل المسلح تحت مسمى “الكتيبة 301″، ومنحه مواقع عسكرية خارج مصراتة، خصوصاً في مناطق جنوب العاصمة طرابلس.
وفي يونيو/حزيران 2017، كلّفه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بمهام آمر المنطقة العسكرية الوسطى في مصراتة، وهو منصب عزز حضوره كقائد ميداني قادر على إدارة مساحات جغرافية حساسة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية.
وخلال عدوان مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس بين عامي 2019 و2020، لم يبرز الحداد كأحد القادة الميدانيين في الخطوط الأمامية للقتال، إذ بقي يؤدي مهامه في مصراتة، إلى أن أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في سبتمبر/أيلول 2020 قراراً بتعيينه رئيساً للأركان العامة وترقيته إلى رتبة فريق أول ركن. وجاء هذا التعيين في لحظة مفصلية، أعقبت وقف إطلاق النار بين معسكري غرب وشرق البلاد، حيث عُدّ الحداد شخصية عسكرية قادرة على لعب دور توافقي داخل مؤسسة منقسمة.
وعُرف الحداد بخطابه الداعي إلى وقف القتال وبذل الجهود لتوحيد المؤسسة العسكرية. وبعد ثلاثة أشهر فقط من تعيينه، التقى في مدينة سرت رئيس أركان قوات الشرق، الفريق عبد الرزاق الناظوري، في خطوة وُصفت آنذاك بمحاولة جدية لكسر الجمود بين الشرق والغرب. وفي مارس/آذار 2023، استقبل الناظوري في طرابلس، قبل أن يزور بنغازي في الشهر التالي، في خطوات متتالية أكد خلالها ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية.
كما اضطلع بدور فاعل في أعمال اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” المنبثقة من اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في جنيف في أكتوبر/تشرين الأول 2020، برعاية الأمم المتحدة.
وعلى صعيد العلاقات الخارجية، لم يُعرف عن الحداد اتخاذ مواقف عدائية تجاه معسكر حفتر، بل سعى إلى بناء علاقات وثيقة مع أطراف دولية عدة. في مقدمتها تركيا، التي تربطها بطرابلس اتفاقية تعاون عسكري منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حيث أجرى عدة زيارات رسمية إلى أنقرة، واستقبل في أغسطس/آب 2021 فرقاطة تركية في حفل رسمي قبالة السواحل الليبية.
كما نسج علاقات مع روما، وشارك عام 2023 في إرساء اتفاق عسكري مع إيطاليا لتدريب القوات الخاصة الليبية، إضافة إلى علاقاته مع الولايات المتحدة، إذ استقبل في طرابلس مراراً قيادات من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).
تكمن حساسية منصب رئيس الأركان في كونه يتحكم في مفاصل عسكرية وأمنية دقيقة. فإلى جانب إدارته للموارد العسكرية، يشرف على قطاعات واسعة من المجموعات المسلحة المنتشرة في العاصمة طرابلس ومدن غرب البلاد، وبعضها يهيمن على مواقع عسكرية تابعة للجيش ويمتلك قدرات قتالية عالية، رغم تبعيته لأجهزة أمنية مختلفة ضمن ازدواج معقّد في الولاءات.
ويضاف إلى ذلك دور رئيس الأركان في تنظيم العلاقات العسكرية الخارجية مع الدول الحليفة لطرابلس. ومن هنا، فإن غياب الحداد يخلّف فراغاً في موقع كانت تشغله شخصية قادرة على اختراق العداء التقليدي بين شرق وغرب البلاد، ما يجعل اختيار بديل له مسألة بالغة الحساسية، وفق تقدير النفاتي، لا سيما مع تصاعد مساعي حفتر لتعزيز هيكلة قواته ورفعها إلى مستوى قوات نظامية، خصوصاً بعد تعيين نجليه، صدام نائباً له، وخالد رئيساً للأركان العامة، الأمر الذي يصعّب مهمة أي خليفة للحداد في مواصلة قنوات التواصل مع معسكر الشرق.
وفي هذا السياق، تتداول الأوساط الليبية ثلاثة أسماء بوصفها الأبرز لشغل منصب رئيس الأركان:
أولها الفريق صلاح النمروش، الذي كلفه المجلس الرئاسي بمهام المنصب مؤقتاً، وهو شخصية عسكرية نظامية من مدينة الزاوية غرب العاصمة، موالية لحكومة الوحدة الوطنية، وتبسط نفوذها على مناطق غرب طرابلس التي تنتشر فيها جيوب مسلحة موالية لحفتر.
وثانيها الفريق أسامة الجويلي، القائد العسكري البارز في مدينة الزنتان، ووزير الدفاع السابق في الحكومة المؤقتة بين عامي 2012 و2014، والذي لا يتمتع بعلاقات جيدة مع حكومة الوحدة الوطنية.
أما الاسم الثالث فهو اللواء عبد السلام زوبي، نائب وزير الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، وقائد اللواء 111، أحد أبرز الألوية العسكرية في العاصمة طرابلس.
لكن النفاتي يرى أن حساسية الوضع في مناطق غرب البلاد ستدفع إلى تنافس عميق بين قادة التشكيلات المسلحة والضباط، في ظل تأثير الحسابات الجهوية بين مصراتة، مسقط رأس الحداد، والزنتان التي ينحدر منها الجويلي، والزاوية التي ينتمي إليها النمروش، فضلاً عن تأثير الحسابات الإقليمية المرتبطة بأنقرة وواشنطن وروما، الداعمة لمعسكر غرب البلاد.
ويؤكد النفاتي أن غياب الحداد، واستمرار الفراغ القيادي، سيضع الحكومة والقوى السياسية والعسكرية في طرابلس “في موقف أضعف في أي مسارات تفاوضية أو أمنية“، لافتاً إلى أن إطالة أمد شغور المنصب سترفع من مؤشرات التصعيد الداخلي بين التشكيلات المسلحة، وتُبعد أكثر فأكثر آمال توحيد المؤسسة العسكرية.
وفي الوقت الذي يشير فيه النفاتي إلى أن “عين حفتر تراقب عن كثب تطورات الأوضاع“، مستشهداً بتعزيته في وفاة الحداد بوصفها محاولة لـ“استثمار الفراغ والارتباك” الذي تعيشه طرابلس، يعتبر أن الحداد كان “شخصية تمثل فرصة حقيقية لتقريب المسافة” بين معسكري شرق وغرب البلاد.
__________
