حسين مصطفى

احتفلت السلطات الحاكمة في العاصمة طرابلس الثلاثاء بالذكرى الـ82 لتأسيس الجيش الليبي، وسط مساع حثيثة لتوحيد مؤسساته وهيئاته المختلفة في عموم البلاد، دون أن تفضي تلك الجهود إلى نتيجة تُذكر بسبب الصراع القائم بين أطراف الصراع في الشرق والغرب.
رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، دعا في كلمة له خلال الاحتفال الذي أقيم في طرابلس إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية، قائلا: “ندرك حجم التحديات التي نريد تحقيقها وعلى رأسها توحيد المؤسسة العسكرية ونريد إزالة التشوهات في الجيش التي لا تخضع لرئاسة الأركان العامة“.
ورغم أن المنفي يعتبر قائدا أعلى للجيش الليبي بموجب القانون، إلا أنه لا يسيطر فعليا على كامل وحدات الجيش، والذي يتفرق في صورة مجموعات مسلحة بين الشرق والغرب والجنوب تتنازعها ولاءات لأطراف الصراع الرئيسية في البلاد.
وتعيش ليبيا أزمة سياسية متمثلة في وجود حكومتين متصارعتين إحداهما حكومة فتحي باشاغا المعينة من قبل مجلس النواب مطلع مارس/ آذار الماضي، والأخرى برئاسة الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة إلا لحكومة تأتي عبر برلمان جديد منتخب.
ويطرح واقع الانقسام الذي يعيشه الجيش الليبي، أسئلة حول أسباب هذه الحالة التي يعيشها، وأسباب فشل الجهود التي بذلت على مدار سنوات مضت لتوحيد المؤسسة العسكرية، وعلاقة أطراف الصراع وجماعات المصالح باستمرار تفكك الجيش.
الصراع السياسي
وفي تعليق له، أكد المحلل السياسي عبد الله الكبير، أن حدة التنافس السياسي بين الشرق والغرب واستمرار أزمات المرحلة الانتقالية والانقسام الحكومي لا تعطي أملا في توحيد حقيقي لأي مؤسسة، ومنها الجيش.
وشدد الكبير في حديث خاص لـ“عربي21″ على أن موقع حفتر هو المعضلة الكبرى فهو عقبة أساسية أمام طريق الانفراج السياسي وتوحيد الجيش، فالطموح الذي يتملكه بالسيطرة على البلاد وحكمها بالقوة المسلحة سيفشل أي جهود لتوحيد المؤسسة، معتقدا أن تصنيفه (حفتر) كمجرم حرب في المحاكم الفيدرالية الأمريكية سيكبح جماحه، “ولكن المسار بطيء حتى يدان جنائيا“. وفق قوله.
ولفت إلى أن بعض الأطراف المسلحة هي أيضا ليس من مصلحتها قيام الجيش وتوحيده، ولكن نفوذها ومجال سيطرتها لا يؤهلها لوضع عراقيل كبيرة.
وأضاف أن “قضية الدستور والبنود المنظمة له تبقى نقطة انطلاق رئيسية للمؤسسة العسكرية، والخلافات حول الدستور مستمرة من دون أمل في تصفيتها في الأفق المنظور“.
بدوره، يعتقد الخبير العسكري عادل عبد الكافي أن هناك عوامل رئيسية لفشل توحيد المؤسسة العسكرية، منها انتشار السلاح على مستوى ليبيا، وتكون مجموعات مسلحة بمعزل عن وحدات الجيش النظامي، وضعف بعض القيادات العسكرية التي تقلدت زمام الأمور في الجيش، وهذه القيادات لم تستطع التعامل مع المرحلة غير التقليدية التي أعقبت ثورة 17 فبراير 2011″. وفق قوله.
وشدد عبد الكافي في حديث خاص لـ“عربي21″ على أن فشل توحيد الجيش يتعلق أيضا بالقيادات السياسية التي لم تقدم الدعم الكافي لتوحيد الجيش، بدءا بالمجلس الانتقالي، ثم المؤتمر الوطني العام، وصولا إلى المجالس الرئاسية المتعاقبة، فضلا عن صرف ميزانيات متواضعة جدا للجيش، مقارنة بالميزانيات التي تتلقاها بعض التشكيلات العسكرية التي تتبع إلى وزارة الدفاع أو رئاسة الأركان، وتتلقى هذا الدعم نظرا لتحالفها مع بعض أطراف الصراع الحالي.
تمرد حفتر
لكن عبد الكافي يعزو السبب الرئيسي إلى التمرد والانقلاب الذي قاده خليفة حفتر منذ عام 2014 على السلطة المدنية “والذي كان له أثر في منع توحيد الجيش“، متابعا بقوله: “جهز حفتر لهذا المخطط عدة أدوات منها صناعة الإرهاب داخل ليبيا بمعية بعض الدول التي تدعمه، وما تبع ذلك من إطلاق عملية الكرامة، وكذلك نشر النزعة القبلية والجهوية داخل صفوف بعض العسكريين“.
وشدد الخبير الليبي على أن “تمرد حفتر أضاع سنوات من عمر توحيد المؤسسة العسكرية، وزاد حدة الاستقطاب في صفوف الجيش، سواء على صعيد المنطقة الغربية أو الشرقية أو الجنوبية، ومن هذه المناطق الثلاث انضم ضباط وضباط صف وجنود إلى صفوف قوات حفتر، فيما انضم آخرون إلى صفوف رئاسة الأركان في طرابلس، وهذه كانت من أقوى الأسباب التي أدت إلى فشل توحيد المؤسسة العسكرية أو إعادة بناء الجيش الليبي“.
وشدد عبد الكافي على أن هناك عوامل أخرى منعت توحيد الجيش، منها وجود خلل داخل الهيكلية العسكرية، وكذلك القوانين العسكرية واللوائح، والتي تحتاج إلى إعادة النظر فيها وتقييمها وتعديلها بما يتناسب مع الجيوش الحديثة.
وحول رؤيته لتوحيد الجيش قال عبد الكافي، إن الحل يكمن في إزاحة حفتر عن المشهد السياسي، وإجراء انتخابات عامة في البلاد تفضي إلى تشكيل مجلس نواب جديد، يفرض هيبته ويقر دستورا جديدا وسلطة تنفيذية جديدة تستطيع أن تعمل على مستوى ليبيا، على أن تسند مهمة قيادة وتوحيد الجيش إلى شخصية عسكرية غير متورطة في أي جرائم. ذلك أن المجلس الرئاسي والحكومة الحالية ليس لديهم القدرة على القيام بمهمة توحيد الجيش. وفق حديثه.
**********
هل ينجح “الجويلي” بتمكين حكومة باشاغا في العاصمة الليبية؟
علاء فاروق و علي الهادي
أثارت التهديدات التي أطلقها آمر غرفة العمليات المشتركة بالمنطقة الغربية في ليبيا اللواء، أسامة جويلي ضد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة بعض الأسئلة عن مدى قدرة الأول على الصدام مع الأخير، وتمكين حكومة البرلمان برئاسة فتحي باشاغا من دخول العاصمة “طرابلس“.
وقال جويلي، في تصريحات لقناة “ليبيا الأحرار“، إن “منع الحكومة المكلفة من البرلمان دخول طرابلس وتسلم مهامها ينسف مبدأ التداول السلمي على السلطة” وأنّ حكومة الدبيبة “المنتهية الولاية هي من تتحمل وقوع صدامات في العاصمة لرفضها تسليم السلطة“.
خيار الحرب
وأكد القيادي العسكري الذي ترأس الاستخبارات العسكرية في حكومة الدبيبة قبل إقالته مؤخرا أن “قواته قد تلجأ لاستخدام القوة في حال استخدامها من قبل أطراف أخرى، مشيرا إلى أن خيار الحرب وارد بقوة مع استمرار تعنت الدبيبة“.
لكنه أشار إلى أن “اجتماعا ضم القيادات الأمنية والعسكرية بالمنطقة الغربية لمناقشة منع الصدام المسلح في العاصمة والوصول إلى توافق حول تسلم باشاغا لمهامه داخل طرابلس، موضحا أن جزء ممن يعترضون على باشاغا لديهم منافع ومصالح شخصية والبعض الآخر لديه مخاوف ودوافع حقيقية“، وفق حديث تلفزيوني.
وتواصلت “عربي21″ مع المكتب الإعلامي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة للتعليق والرد على تصريحات جويلي، لكن المكتب رفض التعليق.
وتطرح هذه التهديدات المتكررة تساؤلات حولمدى جدية جويلي وقدرته على تمكين باشاغا وحكومته من طرابلس.
تهديدات حقيقية
من جهته، قال الضابط الليبي العقيد سعيد الفارسي إن “تصريحات اللواء جويلي هي بمثابة تهديدات حقيقية وحاولات لفرض حكومة باشاغا بالقوة وتمكينها من دخول العاصمة، وهذا قد يحدث لكن لن تستطيع هذه القوات المؤيدة لباشاغا من السيطرة على كامل طرابلس“.
وأوضح الفارسي في تصريح لـ“عربي21” أن “هذه التحركات المتسارعة والمتكررة جاءت كون باشاغا ومعه حفتر أصبحا في صراع مع الوقت خوفا من مسار سياسي آخر يكون بمثابة تشكيل حكومة ثالثه بالاتفاق مع عقيلة صالح والمشري وبدعم من دولة تركيا، لذا ليس له إلا الحرب للسيطرة وهذا هو الخيار الوحيد له“.
قتال غير مستبعد .. لكن
وفي السياق، قال الناشط السياسي الليبي حمزة تركية، في تصريح خاص لـ “عربي21“، إن “هناك بوادر تشير إلى أن اندلاع قتال مسلح في العاصمة طرابلس، بات أمرا غير مستبعدا“.
وأوضح تركية أن “اللواء الجويلي قد يخوض معركة لتمكين حكومة باشاغا في طرابلس، خلال الأيام المقبلة، لكنه لا يحظى بدعم واسع من قوات مدينة الزنتان مسقط رأسه“.
وتابع لـ“عربي21” بأن “اجتماعا لقادة المنطقة الغربية عقده قادة التشكيلات المسلحة بالغرب الليبي والمنضوية تحت شرعية حكومة الوحدة الوطنية قد خلص إلى اتفاق للتهدئة ومد جسور التواصل والحوار مع الأطراف المطالبة بتسليم حكومة الدبيبة السلطة لباشاغا“.
وقال الناشط الليبي إن “رؤية القادة المجتمعون لحل هذا الخلاف تتلخص في ضرورة الاتفاق على مغادرة كل الأجسام الموجودة حالياً في المشهد السياسي إما بالتوجه إلى الانتخابات بأسرع وقت ممكن أو تشكيل حكومة جديدة غير جدلية ولا خلاف على من فيها من أسماء مهمتها الأولى والأساسية قيادة البلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية شفافة“.
قوة جويلي وسيطرته
في حين أكد الباحث والأكاديمي الليبي، عماد الهصك، أن “جويلي رجل عسكري وتصريحاته عن إمكانية استخدام القوة لتمكين حكومة باشاغا يجب أن تؤخذ بجدية، وهو شخصية مسؤولة ويقدر تصريحاته بقدرها، وهو يملك من القوة العسكرية على الأرض ما تمكنه من إنقاذ هذه التصريحات“.
وأضاف في تصريحه لـ“عربي21″: “لا يعني الأمر بالضرورة أن يحسم جويلي المعركة –إن أقدم عليها– في أيام معدودة ولكنه قادر على خوض غمارها، وتحقيق مكاسب عسكرية منظورة، لا سيما أن القوة التي يعول عليها الدبيبة هشة وبدأت تنفض من حوله، كذلك الضوء الأخضر الدولي، وتخلي حلفاء الدبيبة عنه خاصة الحليف التركي“.
وتابع: “مما سبق، فإن احتمال الحرب إذن مطروح بقوة، والعاصمة على شفير معركة لكسر العظم بين الفريقين، إلا إذا وقف المجتمع الدولي بكل قوته لمنعها، واقترح تسوية يرتضيها الفريقان، وأعتقد أن باشاغا يملك من الأنصار والحلفاء ما يجعله قادرا على بسط نفوذه على العاصمة، ولكن قد تكون ضريبة ذلك باهظة وهذا السبب هو ما يؤخر المعركة إلى الآن“.
_____________