الحسين الشيخ العلوي

تتناول هذه الورقة التطورات الأمنية التي شهدتها العاصمة الليبية، طرابلس، وما نتج عنها من مصرع عبد الغني بلقاسم الككلي المعروف بغنيوة قائد جهاز دعم الاستقرار، وماذا يعني هذا الحدث بالنسبة لحكومة الدبيبة المتهمة بالضلوع في الأمر فضلًا عن استشراف مستقبل ليبيا وسط هذه التطورات.

توطئة

بعد انهيار نظام معمر القذافي، أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2011، اجتاحت الطبقة السياسية الجديدة في ليبيا موجة فرح عارمة بزوال نظام شمولي دام لأكثر من أربعة عقود، إلا أن ذلك التفاؤل بليبيا جديدة ديمقراطية لم يتجاوز السنتين تم خلالها ارتكاب ذات الأخطاء التي ارتكبتها الطبقة السياسية الجديدة في العراق بعيد سقوط نظام صدام حسين في العام 2005.

ولعل أخطرها، قانون العزل السياسي (يقابله قانون اجتثاث البعث في العراق)، وحل وتسريح الجيش الليبي وأفراد الوحدات الأمنية. إن قانون العزل السياسي، الصادر في 25 ديسمبر/كانون الأول 2012، حرم ليبيا من أهم الكفاءات الوطنية بحجة أنها تقلدت مناصب سامية أو إدارية إبَّان حقبة معمر القذافي في حين أن حل وتسريح أفراد المؤسستين، العسكرية والأمنية، وإبدالها بتشكيلات مسلحة مدنية مكونة من ثوار 17 فبراير الذين تلقوا تدريبات عسكرية على عجل للذهاب إلى الجبهات، قاد لاحقًا إلى تحولها إلى ميليشيات تغولت على حساب مؤسسات الدولة.

بعيد سقوط النظام في ليبيا لم يتجاوز عدد أفراد التشكيلات المسلحة أحد عشر ألف مقاتل، إلا أنه وخلال العامين 2012 و2013 التي أغدقت فيها الحكومات المتعاقبة على أفراد ومنتسبي الميليشيات المسلحة، تضاعف العدد حتى وصل مع نهاية العام 2013 إلى 260 ألف منتسب.

وفي خريف 2013، وعندما حاول رئيس الحكومة، علي زيدان، تقليص المخصصات المالية للميليشيات، تم خطفه شخصيًّا، في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2013، على أيدي ميليشيات غرفة عمليات ثوار ليبياوأُفرج عنه بعد ساعات أثر تفاهمات شفاهية غير مدونة.

بعد أن شحَّت المخصصات الحكومة بسبب استفحال أزمة 2014 وانقسام البلد إلى حكومتين وبرلمانين أحدهما في غرب البلاد والثاني في شرقها انخرطت معظم الميليشيات في الفوضى المنظمة؛ إذ تتحدث الكثير من التقارير الصحفية عن عمليات اتجار بالبشر وعن انتشار تجارة المخدرات، فضلًا عن تهريب الوقود والسلع التموينية، وتفاقم الهجرة غير الشرعية.

كل هذا قاد ليبيا إلى سلسلة من حروب النفوذ بشكل دوري بين الميليشيات الكبيرة. أما الميليشيات الصغيرة فقد امتهنت الحرابة وقطع الطريق والاختطاف طلبًا للفدية، أو القيام بالأعمال القذرة نيابة عن الميليشيات الكبيرة كالقتل أو تنظيف مسرح الجرائم.

بعد اتفاق الصخيرات بالمغرب، في ديسمبر/كانون الأول 2015، وهو الاتفاق الذي أتى بفايز السراج رئيسًا للحكومة، عمل هذا الأخير على شرعنة الميليشيات الكبيرة عبر إلحاق تبعيتها بوزارتي الدفاع والداخلية أو المجلس الرئاسي الذي كان يقوده.

الككلي: رجل الظل في الغرب الليبي

قبل العام 2011، كان عبد الغني بلقاسم الككلي المعروف بـغنيوةمتهمًا، حسب بعض المصادر، بأنه تاجر مخدرات، كما أنه دخل السجن لمحكومية تسع سنوات، لكنه حاول بعد ذلك أن يقدم نفسه في صورة أخرى غير سلبية؛ ذلك أنه مع اندلاع أحداث فبراير/شباط 2011 خرج من السجن وكوَّن كتيبة حماية بوسليمالتي تضم أبناء أحد أكبر أحياء طرابلس، وقاتَلَ في الجبهات.

وبعد سقوط النظام اتخذ من حي أبو سليمالمكتظ بالسكان مقرًّا لكتيبته، وعمل خلال ست سنوات على استتباب الأمن في حي أبو سليم، وعُرف بمهارته في تجنب الدخول في الحروب المستعرة بين الميليشيات، فبقي بمنأى عن كل تلك الاحتكاكات والتوترات.

كما استفاد من الصراع الدامي بين أكبر جبهتين في الغرب الليبي: مصراتة والزنتان. وطيلة السنوات الست تلك تجنب الأعمال المشبوهة أو الضلوع في الجريمة المنظمة، وعمل تدريجيًّا على تطوير شبكة علاقات عامة تجارية عادت عليه بالنفع لاحقًا. وفي العام 2017 تعززت مكانته كصاحب أقوى تشكيل مسلح في طرابلس.

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها عقب سقوط النظام لسد الفراغ الأمني مستغلًّا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلًا رسميًّا.

منذ أن تم تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة، أوائل 2021، اعتمد بشكل أساسي على أقوى فصيلين في طرابلس، وهما:

قوات عبد الغني الككلي المسماة جهاز دعم الاستقرارالتي تتبع المجلس الرئاسي، وقد أنيطت بها حماية مؤسسات الدولة والمقرات العامة والمسؤولين.

جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، التابع للمجلس الرئاسي، والذي يقوده عبد الرؤوف كارة (المعروف بانتمائه للتيار السلفي)، والذي يتبعه مطار معيتيقة (المطار الوحيد في طرابلس بعد أن دمرت حرب 2014 بين ميليشيات مصراتة والزنتان مطار طرابلس الدولي).

وتعززت مكانة وحظوة الككلي لدي الدبيبة بعد أن صد هجوم القوات الموالية لفتحي باشاغا المعين من قبل مجلس النواب رئيسًا للحكومة في العام 2022. وبالمقابل، أطلق الدبيبة يد الككلي فأصبح يعين وزراء ووكلاء وزارات ومديري مصارف وسفراء، وأُغدقت عليه الأموال دون حساب، بل إن أكثر من نصف الاعتمادات البنكية لمصرف ليبيا المركزي كانت وحتى اغتيالهتُصرَف لصالحه، حسب مصادر إعلامية، وهو ما مكَّنه من تكوين شبكة مالية عابرة للقارات قوامها مليارات الدولارات.

خلال السنوات القليلة الماضية كان الككلي أقوى شخصية في الغرب الليبي ويهابه الجميع، بل إن سطوته وتغوله تجاوزا السلطة التنفيذية التي أضحت تأتمر بأمره.

في 12 مايو/أيار 2022، قدَّمت منظمة العفو الدولية تقريرًا مفصلًا تحت عنوان: “حاسبوا قادة ميليشيا جهاز دعم الاستقرار، وتحدث التقرير عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان يرقى بعضها إلى جرائم حرب، يمارسها الجهاز، فانبرى الدبيبة ووزيرة خارجيته، نجلاء المنقوش، في دفاع مستميت عن الجهاز وقائده، عبد الغني الككلي.

تم تنصيب لطفي الحراري (الذراع اليمنى للككلي) رئيسًا لجهاز الأمن الداخلي في حكومة الدبيبة، كما نُصِّبَ مساعد الككلي الثاني، أسامة أطليش، رئيسًا لمصلحة أمن المرافق والمنشآت، وبهذا أحكم الككلي سيطرته على حكومة الوحدة الوطنية وطوَّق الدبيبة من جميع الجهات.

رجل تركيا القوي في الغرب الليبي

في مقابل ما بات يُعرف بشبكة الككلي ونفوذها في الغرب الليبي كانت هناك شبكات أخرى حاضرة في المشهد نفوذًا ودورًا.

فقد ظهر العقيد الشاب، محمود حمزة، الذي بدأ مشواره الأمني في قوة الردع التي يقودها السلفي عبد الرؤوف كارة، لكنه سرعان ما انشق عنه وشكَّل كتيبة 20-20 التي تحولت لاحقًا إلى اللواء 444 قتالالتابع لرئاسة الأركان في المنطقة الغربية، ويُعد حمزة حسب التصنيف الشائع وما يُتداول في الإعلام الليبيرجل تركيا في غرب ليبيا، كما أنه يحظى بدعم الأميركان.

في بحر ست سنوات أضحى اللواء 444 قتالثاني تشكيل مسلح في طرابلس، يسيطر على أجزاء واسعة من طرابلس لاسيما جنوبها، بل يمتد نفوذه إلى المدن المجاورة حتى مدينة ترهونة التي تقع على بعد 100 كيلومتر جنوب غرب طرابلس

في أغسطس/آب 2023، تم اعتقال محمود حمزة في مطار معيتيقة من قبل جهاز الردع لمكافحة الإرهاب، وقد أدت هذه الخطوة إلى اشتباكات دامية لمدة يومين، خلَّفت 55 قتيلًا و146 جريحًا من الطرفين، وأُفرج عنه بعد وساطة قادها عبد الحميد الدبيبة نفسه.

مطالب توحيد الحكومتين وتشكيل اللجنة الاستشارية

برز خلال السنتين الأخيرتين اتجاهان؛ يدعو أحدهما إلى توحيد السلطتين التنفيذيتين في الشرق والغرب الليبيين في حكومة واحدة أبرز دعاته أسامة حماد (رئيس حكومة الشرق الليبي)، في حين يدعو أصحاب الاتجاه الثاني إلى ضرورة تشكيل حكومة جديدة موحدة تبسط نفوذها على كافة الأراضي الليبية، تكون لديها القدرة للتمهيد وتهيئة الأرضية للانتخابات التشريعية والرئاسية اللتين تنهيان المراحل الانتقالية وتنتقل بليبيا إلى مرحلة الاستقرار.

أما الاتجاه الأول فقد تبنَّاه الدبيبة ضمنيًّا دون أن يفصح عن ذلك صراحة، لقناعته بأنه قادر على البقاء على رأس السلطة التنفيذية في حالة دمج الحكومتين في حكومة واحدة، في حين أن تشكيل حكومة جديدة موحدة حتمًا سيأتي بوجوه جديدة مما سيجعل حظوظه تتضاءل بشكل كبير.

بيد أن الخيار الأول لم يلق صدى لدى الداخل الليبي، في حين أن الخارج كان أميل إلى تشكيل حكومة جديدة موحدة، وزاد زخم الاتجاه الثاني الذي يتزعمه رئيس المجلس النيابي، عقيلة صالح، بتبني الولايات المتحدة له عبر سفيرها لدي طرابلس.

وبغية الخروج بخارطة طريق تكون بوصلة توجيه للمسار السياسي في ليبيا أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يوم الثلاثاء، 4 فبراير/شباط 2025، عن تشكيل لجنة استشارية مكونة من عشرين شخصية ليبية من ذوي الخبرات في مجالات القانون والدستور والقضايا الانتخابية، وقدمت اللجنة الاستشارية تقريرها النهائي إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في 5 مايو/أيار 2025.

وباتت الأرضية مهيأة لتشكيل حكومة جديدة بوجوه جديدة؛ الأمر الذي توجس منه متصدرو المشهد العام بمن فيهم الدبيبة.

يتبع

***

الحسين الشيخ العلوي ـ باحث وجامعي موريتاني مهتم بالشأن المغاربي وقضايا الساحل

_______________

 

مواد ذات علاقة