بلال عبد الله

السيناريوهات المستقبلية

تتوقف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمشروع الحكم الملكي، وتفعيل دستور الاستقلال على التفاعل بين عدد من المتغيرات، أبرزها: مستوى الدعم الدولي والإقليمي؛ ومستقبل الطبقة السياسية المسيطرة؛ ودرجة التأييد الشعبي للحكم الملكي.

وفي إطار التفاعل بين هذه المتغيرات، يمكن طرح السيناريوهات الآتية:

السيناريو الأول، ملكية بصلاحيات واسعة

يتمثل هذا السيناريو في إعادة النظام الملكي، وكذلك إعادة تفعيل دستور 1951 المعدل عام 1963، وبالتالي عدم الأخذ بالنظام الفيدرالي، وكذلك احتفاظ الملك بصلاحيات واسعة على غرار بقية الملكيات العربية.

ويتطلب حدوث هذا السيناريو وجود دعم دولي غربي قوي؛ وخروج أغلب القيادات المتنازعة على السلطة من المشهد، سواء بالوفاة أو العقوبات الدولية أو الفقدان الحاد للشعبية؛ وأخيراً حيازة الخيار الملكي لتأييد قطاعات شعبية واسعة، وهو ما يتطلب تواصل مكثف بين الأطراف الداعمة لهذا الخيار مع القيادات القبلية في مختلف مناحي ليبيا، وكذلك تصميم حملة دعائية تركّز على الرفاهية والمكاسب الاقتصادية التي يؤمّنها الحكم الملكي للدول النفطية في مقابل فشل الأنظمة الجمهورية في توفير الرفاهية للمواطنين.

السيناريو الثاني، ملكية بصلاحيات شكلية

يتمثل السيناريو في إعادة النظام الملكي، لكن وفق صلاحيات مراسمية على غرار الدول الملكية في القارة الأوروبية، فتكون الصلاحيات الحقيقية في يد رئيس الحكومة الذي يُختار من قبل البرلمان المنتخب، هذا فضلاً عن وجود صلاحيات واسعة للأقاليم في إدارة شؤونها، في ظل سيادة نظام فيدرالي ينص عليه الدستور.

ويكون الغرض من هذا السيناريو تحييد قيادة الدولة عن الصراعات السياسية التي تُحصَر داخل المجالس المنتخبة على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية.

وتختلف شروط تحقق هذا السيناريو عن شروط السيناريو السابق في أن التوافق الدولي والإقليمي في السيناريو الحالي يكون أكثر محدودية، حيث يكون مقتصراً على ضرورة إنهاء صراع السلطة وتحقيق حد أدنى من الاستقرار اللازم للبدء في جني المكاسب الاقتصادية المتحصلة عن الاستثمار في الصراع على مدار السنوات الماضية، على أن يكون هناك تقاسُم للنفوذ وتوازن في تحقيق المصالح، يُؤمنه وجود نظام فيدرالي وبرلماني، وعدم حيازة رأس السلطة أي صلاحيات مطلقة.

خيار عودة الملكية في ليبيا يمثل على الأغلب أحد المسارات التي قد يُحتَفَظ بها أو يُلوَّح بها كورقة أخيرة في حال فشل مختلف المسارات التي تحظى بالأولوية؛ ولعل هذا ما يفسر استمرار مظاهر وجود هذا التيار لكن عند سقوف منخفضة ووفق تحركات محدودة للأمير محمد السنوسي

السيناريو الثالث، تفعيل دستور الاستقلال

في هذا السيناريو يتم الاكتفاء بتفعيل دستور 1951 في صيغته الأصلية، أو بتعديلات جديدة، لكن مع استبعاد مسألة إعادة الملكية. ويكون الدافع وراء ذلك بالأساس استعادة النظام الفيدرالي مرة أخرى، باعتباره نتيجة طبيعية لأزمة الثقة بين الفرقاء الليبيين، وانعكاساً لحالة الصراع الدولي والإقليمي، ورغبة في احتواء هذا الصراع عبر صيغة لتقاسم النفوذ بين أطرافه.

وعلى هذا النحو لا يعد الاتجاه نحو هذا السيناريو أمراً وثيق الصلة بالتيار الملكي، بل هو محصلة لطبيعة التوازنات بين جميع أطراف الصراع داخلياً وخارجياً، وهو الصيغة الأقرب لاحتواء هذا الصراع بالتخلي عن الرؤى الصفرية لأطرافه، غير أن هذا السيناريو يُبقي الفرصة متاحة أمام أنصار الملكية لمواصلة للدفاع عن مشروعهم والترويج له، لاسيما في حالة عدم كفاية تفعيل دستور الاستقلال لإنهاء الصراع المزمن على رئاسة الدولة، مما قد يُبقي خيار الملكية قائماً بالنسبة للقوى الدولية التي لديها مصلحة في إنهاء الصراع.

السيناريو الرابع، تلاشي المشروع بالكامل

يتمثل هذا السيناريو في اضمحلال المشروع السياسي لعودة الملكية، في ضوء عدم توفره على أدوات للنمو والتوسع واكتساب تأييد قطاعات واسعة من الليبيين، فضلاً عن غياب الدعم الدولي والإقليمي.

ويزيد من منطقية هذا السيناريو حالة الزهد التي يتعامل بها ولي العهدمع السلطة، وعدم رغبته في القتال الشرسفي سبيل تولي الحكم، حيث يؤكد في جميع خطاباته على ضرورة وجود تأييد واسع لعودة الملكية، فيما يعني التشديد على الطابع التوافقي لمشروعه السياسي.

ولا يمكن القطع بتحقق هذا السيناريو إلا بالتوصل لتسوية نهائية ومستقرة بعيدة عن هذا المشروع، أما في ضوء الفشل المستمر للاعبين الرئيسين في التوصل لأي تسوية فلا يمكن القطع بتلاشي مشروع عودة الملكية بالكامل، حيث سيظل أحد البدائل التي لا يمكن تنحيتها بالكامل، حتى ولو لم يكن قد حظي بالأولوية في معظم مراحل الصراع حتى الآن.

وفي ضوء التوازنات الراهنة يمكن القول بأن السيناريو الثالث هو الأكثر ترجيحاً، وذلك بالنظر إلى واقع الفيدرالية المستترةالذي تعيشه ليبيا، فضلاً عن تكرار مطالبة أطراف رسمية بتفعيل سيناريو الاستقلال وفق صيغته الأولى.

أما على المديين المتوسط والبعيد فتبدو فكرة إعادة الحكم الملكي الدستوري وفق صلاحيات مقيدة للملك إحدى الحلول الممكنة ولو من الناحية النظرية، وذلك في حالة وجود إرادة غالبة لتسوية الصراع وفق رؤى غير صفرية تسمح بتحقيق مكاسب نسبية للجميع، مع تحييد الصراع على رأس السلطة.

أما سيناريو الحكم الملكي وفق صلاحيات مطلقة فيظل بعيداً عن إمكانية التحقق، في ضوء ما يتطلبه من حسم صفري للصراع لصالح كل من لندن وواشنطن، وإخضاع جميع مراكز القوى المحلية في ليبيا؛ وكل ذلك يبدو غير متسق مع واقع التوازنات القائمة.

كما لا يمكن توقع تلاشي المشروع بالكامل على المدى المنظور، وذلك في ضوء أهميته بوصفه أحد البدائل التي قد يتم التلويح بها.

خلاصة واستنتاجات

على خلاف مختلف المشاريع السياسية المتنافسة في ليبيا، لا يعتمد مشروع عودة الملكية على الأدوات العسكرية في محاولة الوصول للسلطة، بل على النقيض من ذلك، فإن المشروع يتغذى أولاً على فشل مختلف أطراف الصراع في فرض إرادتهم بالقوة؛

كما يهدف داعمو المشروع ثانياً إلى طرحه مشروعاً سلمياً، يُمثل امتداداً للدور التاريخي الذي لعبته الملكية السنوسية بوصفها طرفاً متجاوزاً للانقسامات والصراعات بين الليبيين، وبما يجعل الملكية بمثابة حاضنة للهوية الوطنية الليبية.

ورغم الحضور المتواضع للحراك الداعي لعودة الملكية خلال العقد الماضي، فإن تجربة الشهور الماضية أثبتت قابلية هذا الحراك للتوسُّع واكتساب أنصار جدد؛ وعلى أي حال لا يمكن القول بأن تأثير الحراك على المخرجات النهائية لعملية التسوية يُقاس بالضرورة بمستوى هذا الحضور أو بالقدرات الذاتية لمكونات الحراك فقط، بقدر ما هي مُرتهنَة أيضاً بتوفر إرادة قوية لدى اللاعبين الدوليين على تسوية الصراع وفق رؤية غير صفرية، وفرض صيغة حكم لا مجال خلالها لعودة الصراع على الدولة بأدوات عسكرية

وفي هذه الحالة تظل فرص المشروع الملكي قائمة ولو نظرياًلاسيما بالنظر إلى الرعاية الغربية، والبريطانية بالأساس، للعائلة السنوسية، وهي الرعاية التي كانت قائمة خلال الحكم الملكي، ولم تنقطع خلال فترة إقامة أفراد العائلة بالمنفى الاختياري في لندن خلال ربع القرن الأخير.

***
بلال عبد الله ـ باحث غير مُقيم، متخصص في الشأن الليبي. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة حلوان، ودبلوم الدراسات الأفريقية من كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، يُعد حالياً رسالة الماجستير في نفس الكليَّة تحت عنوان القبلية ومستقبل الدولة في ليبيا بعد 2011″. ومن دراساته المنشورة عن ليبيا الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية؛ والربيع الأمازيغي في ليبيا: بين مكتسبات الثورة وتحدي الانقسام؛

______________

مواد ذات علاقة