محمد بالروين

أدوات الترويض

قد أصبح من الضروري على السياسي لكي ينجح في الوصول إلى أهدافه والمحافظة على مكانته أن يستخدم أدوات الترويض المتاحة والمناسبة له، والحقيقة أن أدوات وتقنيات الترويض السياسي عديدة، لعل أهمها:

أولا: التربية

أول هذه الأدوات الضرورية للترويض السياسي هي “التربية”، وهنا يمكن القول أن من أهم الأسباب التي أدت إلى تخلف أمتنا (وخصوصا وطني ليبيا) هو إهمالنا قضية التربية، وخصوصا بعدها السياسي، بمعنى، يمكن القول إن التربية السياسية الصحيحة لا وجود لها في ثقافتنا، وتعتبر عند الأغلبية من المكروهات، وعند بعض السادة من المحرمات رافعين شعار:

من السياسة.. ترك السياسة

وعند البعض الآخر، لا يجوز ممارسة السياسة إلا لمناصرة وحماية الحاكم الذي يؤيدونه ويعتبرونه “ولي أمرهم”، وهذا الولي لا يجوز – في نظرهم – الخروج عن طاعته حتى ولو كان “طاغياً” أو “فاسقاً” أو “مستبداً.

ومنذ ثمانينات القرن العشرين، أدرك الخبراء والاستراتيجيون الأمريكان والأوروبيين هذه الحقيقة، فوضعوا استراتيجية جديدة لـ”محاربة الإسلام من داخله”، وذلك بالتركيز على “الخلافات” بين “الجماعات” و”الفرق” و”الطوائف” و”الشعوب” الإسلامية للتفريق بينها والعمل على إضعافها.

ولعل من أهم القضايا التي لفتت انتباههم هي “قضية التربية السياسية”، فاتفقوا على إعادة تشكيلها، وصناعة “محتواها” واستخدام “مصطلحات” جديده وغريبة لها، فعلى سبيل المثال: قسموا الإسلام إلى نوعين:

(أ‌)إسلام سياسي” – يؤمن المسلم فيه بأن الإسلام منهج حياة وأن الدين والسياسة وجهان لعملة واحدة.

(ب‌)إسلام غير سياسي، أي علماني” – يؤمن المسلم فيه بأن الدين شأن شخصي يعني عبادة الله والاقتراب منه، وأن الدين والسياسة لا يلتقيان، فالدين مُقدس بينما السياسة قذرة ولا أخلاق لها.

وبالإضافة إلى ما كان يُفكر ويخطط له الاستراتيجيون في أمريكا وأوروبا، كان حكام العرب يتجاهلون المؤسسات التربوية في مجتمعاتهم، وخصوصا دورها السياسي في بناء الدول الديمقراطية الحديثة، والأسوأ من هذا كله أنهم فصلوا التربية عن التعليم، فعلى سبيل المثال: لقد نجح القذافي، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، في فصل المؤسسات التربوية عن المؤسسات التعليمية رافعاً شعار: الطفل .. تربيه أمه!

وقام أيضا باستخدام مؤسسات بديلة، كالتي ذكرتها أعلاه، وأدوات أخرى كـ”المدرج الأخضر” و”دورات تدريبية” و”معسكرات عقائدية” مثل “معسكر جدايم”.

وهنا قد يسأل سائل فيقول: ما المقصود بالتربية السياسية؟

يمكن تعريف التربية السياسية على أنها:

تعني مجموع العمليات والأدوات التي يستطيع بها الإنسان تعلم واكتساب الآراء والأفكار والقيم السياسية في مجتمعه،
وقد تعنى “التهيئة”،
كما قد تعني “التأهيل”،
أو “التكييف” السياسي في المجتمع الذي يعيش فيه الانسان،
أو تعني “كل ما يساعد” الفرد على تشكيل شخصيته،
أو تعني تعلم المواطن “السلوك والانتماء” السياسي في مجتمعه.

بمعنى آخر،

هي عملية تعتني بالكيفية التي يتم بها تأهيل المواطن سياسيا وثقافيا واجتماعيا،
وهي عملية تعتنى بمعرفة عمليات الحصول على الحس السياسي في الدولة،
وهي عملية تعنى أن تشكيل الشخصية السياسية هي عملية شاقة وتراكمية،
وهي عملية تمكن جيل معين من نقل أفكاره ومعتقداته للأجيال القادمة،
وهي عملية تعنى أن الإنسان هو نتاج المعطيات والشروط التي يتربى عليها.

ثانياً: التعليم

أما الأداة الثانية من الأدوات الضرورية للترويض السياسي فهي “التعليم”، فقد اتفق جُل الخبراء بأنه من أهم أدوات الترويض وتحويل شخص ما إلى كائن مُطيع وخاضع، إذ يعمل التعليم على مساعدة شخص ما لتحقيق قدر أكبر من الليونة والمرونة والطاعة لما طلب منه.

انطلاقاً من هذا الفهم، قامت الولايات المتحدة والدول الأوربية منذ سبعينيات القرن الماضي بتشجيع الدول العربية على:

(أ‌) بعث شبابها (وخصوصاً المتفوقين منهم) للدراسات الجامعية والعليا في امريكا وأوروبا،

(ب‌) شجعت الدول العربية على تغيير مناهج التعليم وافراغها من محتواها (الديني والقومي) تحت شعار الحداثة والتمدن.

وقد آتت هذه الاستراتيجية ثمارها كما هو مشاهد اليوم في جُل النخب العربية الحاكمة (وخصوصا في دول الخليج)، فجُل هذه النخب، التي تعلمت في أمريكا وأوروبا، والتي بدأ السعي في إعدادها منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، قد أصبحت هي المسيطرة والحاكمة في شؤون بلدانها ومجتمعاتها، مما أدى إلى ترويض الدول والشعوب العربية وجعلها تابعة وخاضعة لسياسات أمريكا وأوروبا.

ولعل خير مثال على ذلك: هو موقف النخب العربية الحاكمة من القضية الفلسطينية هذه الأيام، وخصوصا من الحرب الهمجية على غزة.

ثالثاً: التدريب

أما الأداة الثالثة من الأدوات الضرورية للترويض السياسي فهي “التدريب”، وهو عملية تمرين أو تطبيق تهدف إلى اكتساب مهارات أو خبرات جديدة يحتاجها شخص ما للقيام بمهام محددة أو خاصة.

والترويض كمفهوم سياسي، يعني عملية نقل شخص ما من حالته الطبيعية (أو الأنية) التي يعيشها إلى الحالة التي يصبح فيها طيعا وخاضعاً لولي أمره.

ويعتمد هذا النوع من الترويض بالدرجة الأولى على:

(أ) دورات تخصصية.

(ب) وورش عمل.

وقد استخدمت أمريكا والدول الغربية هذه الأداة لترويض النخب السياسية في الدول النامية، وذلك بالتركيز على ثلاث شرائح أساسية في هذه المجتمعات هي: الشباب والمرأة والقوات المسلحة (وخصوصا – الجيش والأمن).

رابعاً: التأهيل

أما الأداة الرابعة من الأدوات الضرورية للترويض السياسي هي “التأهيل” أو “إعادة التأهيل”، وهو عبارة عن وسيلة تعني تهيئة شخص ما لعمل خاص، وذلك بضبط سلوكه عن طريق الثواب والعقاب.

وقد تعني جعل شخص ما كفء (أي ذو كفاءة)، وقد تعني مجموعة من العمليات المتشابكة والمتتابعة واللازمة لتمكين الأفراد على المحافظة على نشاطاتهم اليومية والمعتادة، بمعنى آخر، التأهيل هو تناسب الشخص لبعض الوظائف أو المناصب التي يرغب القيام بها، وقد يعني عملية استعادة شخص ما لأقصى ما تسمح به قدراته.

يتبع

***

ا.د. محمد بالروين ـ أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

______________

مواد ذات علاقة