عبد الرفيع زعنون

إطار نظري
حظي الحق في الولوج إلى المعلومات بموقع لافت في الأدبيات المواكِبة لمحاولات تجديد أنماط التدبير العمومي في ضوء الإصلاحات السياسية والإدارية الرامية لمراجعة هياكل ووظائف الأجهزة الإدارية بهدف جعلها أكثر قربًا وانفتاحًا، مع تعدد زوايا المقاربة المنبثقة عن علوم الإدارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد.
فمن منظور العلوم الإدارية أكدت أدبيات التدبير العمومي الجديد –التي انطلقت منذ بداية الثمانينيات ببريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية– على إدماج مؤشرات الانفتاح والشفافية ضمن معايير حوكمة تدبير الشئون العامة، مع بزوغ بعض النظريات التي حاولت إبراز القيمة المضافة لانفتاح المؤسسات الإدارية،
كنظرية النظام المفتوح التي اهتمت بدراسة أهمية إدارة تدفق المعلومات في تطوير البنية التنظيمية للمنظمات وتعزيز قدرتها على الانفتاح على محيطها الخارجي وتلبية تطلعات شركائها، ونظرية الإدارة المنفتحة التي ترتكز على مدى إتاحة المعلومات العمومية كمعيار أساسي لقياس درجة انفتاح النظام السياسي وكفاءة الجهاز الإداري للدولة، لدرجة أن حكامة التدبير العمومي أضحت تُقاس بمستوى نشر المعطيات المالية والإدارية للسياسات العامة؛ فكلما كانت الإدارة منفتحة كلما كانت أنشطتها أكثر فعالية وأكثر قدرة على تلبية احتياجات مرتفقيها.
من داخل حقل الدراسات السياسية، برزت نظرية الديمقراطية الإدارية التي تُركِّز على دور قيم الشفافية والانفتاح في إعادة تشكيل السلطة داخل وبين بنيات الإدارة العمومية. فبحسب كارل شميت، لا يمكن تحقق شرعية التمثيل السياسي سوى بمراعاة مبدأ الشفافية الذي يفرض إعلان كافة البيانات العمومية للجمهور، فيما تعتبر حنة آرنت أن السرية والخصوصية تشكل بيئة حاضنة لانبثاق وتفاقم الممارسات السلطوية وتقويض الجوهر الحقيقي للديمقراطية التمثيلية التي تستند إلى العلنية والتداول.
بهذا المعنى، تحتمل السرية بالضرورة توليد تفاوتات بارزة بين المواطنين في الوصول إلى المعلومات، إذ تصبح هذه الأخيرة عاملًا للقوة يتيح للحاصلين عليها القدرة على التحكم في القرار السياسي والإداري؛ فيما يَسهُل إخضاع العاجزين أو المحرومين من الوصول إليها.
في هذا السياق، اعتبر كل من ديفيد أوزبورن و تيد غايبلر أن شفافية البيانات والأنشطة الحكومية تعد مُكوِّنا أساسيًا للممارسة الديمقراطية؛ لكونها تتيح تقديم صورة واضحة بشأن ما يجري في أروقة المؤسسات التمثيلية، كما تساعد على تحليل الديناميات المجتمعية الداعية لتقوية المرجعيات والآليات الضامنة لحرية الوصول إلى المعلومات والخدمات العامة كمدخل لإعادة تملُّك المجتمعات للحكومات بدلًا من بقائها رهينة للبيروقراطيين.
تبعًا لهذا التوجه، ينطلق الحق في الوصول إلى المعلومات من فكرة كون الهيئات الحكومية مُؤتمَنة على معلومات لا تخصُّها لذاتها وإنما هي بيانات المواطنين الذين من حقهم الحصول عليها واستعمالها حسبما يرغبون في نيل حقوقهم وفي محاسبة مسئوليهم.
ويترتب عن البُعد الحقوقي أنه لا يمكن الحديث عن نظام الوصول إلى المعلومات في ظل سياقات الحجب والسرية، وفي غياب المشاركة الفعالة للمواطنين، إذ يذهب البعض لاستحالة الفصل بين الحق في الحصول على المعلومات وبين حقوق المشاركة على اعتبار أن المواطنين المُطَّلِعين وحدهم هم القادرون على المشاركة في المناقشات العامة وطرح مواقفهم الخاصة.
فيما يعتبر البعض أن الشفافية تُشكِّل جوهر النظام الديمقراطي الدستوري الذي يرتكز على وضوح التصرفات السياسية للحكومة وانكشاف نشاطها، وعلى وجود نقاش عمومي مفتوح قادر على الارتقاء بالأخلاق العامة.
ووفقًا للنموذج التداولي حسبما صاغه يورغن هابرماس؛ فإن الوصول الشامل والمشترك للمعلومات من شأنه إفساح المجال العمومي والارتقاء بالوعي السياسي للمواطنين وبمستوى اهتمامهم بالشأن العام بدلًا من بقائه حِكرًا على فئة بعينها.
على المستوى الحقوقي، لا يُعد الحق في الحصول على المعلومة ترفًا فكريًا؛ وإنما هو حق كوني غير قابل للتصرف ينبغي منحه لكل إنسان بحكم ارتباطه بالمبادئ المعيارية لحقوق الإنسان كالمساواة والإنصاف والعدالة.
وبالنظر لأثره في تجسيد الحقوق المدنية والسياسية، يعتبره البعض بمثابة «أوكسجين الديمقراطية»؛ لكونه يشكل مِحكًا لتفعيل الحق في المشاركة في الحياة العامة وإثراء النقاش العمومي انطلاقًا من معطيات مفتوحة تُشكِّل أساسًا لتطوير الحكم الرشيد وضمانة أساسية للتنفيذ السليم لحرية التعبير.
الأمر نفسه فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ فالحق في التعليم والمعرفة يتوقف على التدفق الحر للمعلومات، والحق في البيئة السليمة وفي الصحة مرتبط بشكل وثيق بالمعطيات المتصلة بانبعاثات المواد الملوثة وجودة المياه ومحيط العيش.
ووفقًا لأمارتيا سن فإن التمتع بالحقوق الأساسية واستفادة الجميع من الخيرات العامة يرتبط وجوبًا بالولوج غير المقيد إلى المعلومات، على اعتبار أن الأشخاص الذين يملكونها هم الذين يكون في مقدورهم المشاركة بفعالية في عملية اتخاذ القرار والتأثير في حكوماتهم.
وفي سياق بلورة نماذج إرشادية لتتبع جهود التمكين للحق في المعلومة يميز بعض الباحثين بين ثلاث زوايا في تأطير هذا الحق، إذ يعني الحق في الحصول عليها إفصاح الإدارات العمومية بشكل استباقي وتلقائي عن ما في حوزتها من معلومات، بينما يتعلق الحق في نشرها بحرية تشارك المعلومات عبر مختلف الوسائل المتاحة، فيما ينصرف الحق في تلقيها إلى تقديم طلبات إلى الجهات المسئولة التي تكون ملزمة بتزويد طالبي المعلومات بالسرعة والجودة اللازمتين.
نشير أيضًا إلى نمذجة مخرجات نظام الوصول إلى المعلومات وفق ثلاثة مستويات: المستوى الأول يشمل الإفصاح عن المعلومات من حيث كمية المعطيات التي يتم الكشف عنها بشكل استباقي ودرجة الاستجابة لطلبات الحصول عليها، فيما يرتبط المستوى الثاني بالاستخدام الاستراتيجي لقوانين الحصول على المعلومات في تحسن تقديم الخدمات العمومية ومساءلة السلطات ومكافحة الفساد.
بينما يتعلق المستوى الثالث بإضفاء الطابع المؤسسي على حق الوصول إلى المعلومات في ضوء المؤشرات ذات الصلة بالقطع مع الثقافة البيروقراطية السرية، وتكريس المساواة بين الجنسين في التمتع بالحقوق والحريات الأساسية.
_________________________