محمد الصالحين الهوني

الليبيون لم يعودوا بحاجة إلى وعود جديدة بل إلى دولة قادرة على الإنجاز الفعلي… ما يحتاجونه ليس رئيسا بارعا في الخطابة بل مؤسسات تضمن لهم الدواء في المستشفى والتعليم في المدرسة.

خمسة عشر عاما مرت على ثورة فبراير، والليبيون ما زالوا يتساءلون عن حصيلة هذه السنوات: هل جلبت لهم الحرية والكرامة اللتين حلموا بهما، أم تركتهم أسرى الفوضى والانقسام؟ في كلمة متلفزة موجهة لليبيين، حاول عبد الحميد الدبيبة أن يقدّم إجابات، وأن يزرع بذور طمأنة جديدة في أرض أنهكتها الوعود. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل لدى الليبيين أي سبب ولو صغير لتصديق ما جاء في هذه الكلمة؟

منذ اللحظة الأولى، بدا الدبيبة حريصًا على الرمزية، وهو يغرس الأشجار مع أحفاده والكشافة، في مشهد أراد له أن يختزل فكرة الاستقرار والاستمرارية. لكن الرمزية وحدها لا تكفي لإقناع شعب يعيش يوميًا على وقع انقطاع الكهرباء، انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وتآكل القدرة الشرائية.

فالمواطن الليبي لا يحتاج إلى صور تذكارية بقدر ما يحتاج إلى سياسات ملموسة تعيد له الثقة في الدولة.

اقتصاديًا، كان الدبيبة أكثر هجومية، منتقدًا الإنفاق الموازي الذي تجاوز 70 مليار دينار في عام 2025 دون أثر ملموس على حياة الناس. لكن المفارقة أن هذا النقد يأتي من رئيس حكومة لم تنجح حتى الآن في فرض رقابة حقيقية على المال العام، ولا في تقديم خطة تنموية واضحة.

فهل يملك الدبيبة فعلًا الأدوات لتغيير هذا المسار، أم أن كلامه مجرد تسجيل موقف في معركة سياسية لا تنتهي؟ الليبيون سمعوا هذه النغمة مرارًا، لكنهم لم يروا نتائجها على أرض الواقع.

وإذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادي الأوسع، نجد أن ليبيا في 2026 تعيش أزمة مركبة: انخفاض قيمة الدينار بنسبة تقارب 15 في المئة، تضخم أسعار السلع الغذائية الأساسية، وغياب أي سياسة جادة لضبط السوق.

المواطن الليبي يواجه يوميًا أسعارًا متقلبة، فيما شبكات الفساد تسيطر على حركة الاستيراد والتوزيع، وتحوّل قوت الناس إلى أداة ابتزاز سياسي. كيف يمكن أن يصدق المواطن وعودا بضبط الأسعار قبل يوم واحد من دخول شهر رمضان، بينما التجربة أثبتت أن كل موسم ديني أو عطلة وطنية يتحول إلى فرصة جديدة للمضاربين والمهربين؟

تقارير الشفافية الدولية وضعت ليبيا في ذيل الترتيب العالمي، والواقع اليوم يكشف أن الدولة تحولت إلى ساحة مفتوحة لتغوّل الكليبتوقراطية (حكم اللصوص)، حيث يعاد توزيع الثروة من جيوب المواطنين إلى خزائن الفاسدين.

وإذا انتقلنا إلى الوضع الصحي، نجد أن الليبيين يواجهون أزمة حقيقية في الحصول على عناية طبية لائقة. المستشفيات العامة تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، والأطباء يعملون في ظروف صعبة وسط انقطاع الكهرباء وضعف التجهيزات.

كثير من المرضى يضطرون إلى السفر خارج ليبيا بحثًا عن علاج في دول الجوار، لأن الخدمات الصحية المحلية لم تعد قادرة على تلبية أبسط الاحتياجات.

سوء التغذية لدى الأطفال أصبح أزمة تهدد مستقبلهم الصحي والتعليمي، حيث تشير تقارير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية جعل العديد من الأسر عاجزة عن توفير وجبات متوازنة، ما ينعكس مباشرة على نموهم الجسدي والعقلي.

أما التعليم، فحدث ولا حرج؛ المدارس العامة تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، والمناهج متقادمة، والمعلمون يعانون من تأخر الرواتب وضعف التدريب. في بعض المناطق، يضطر الطلاب إلى الدراسة في فصول مكتظة أو مبانٍ غير صالحة، فيما تتزايد معدلات التسرب بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

حتى المعاهد الصحية التي يفترض أن تخرّج كوادر لدعم النظام الطبي تواجه تحديات في اختيار أعضاء هيئة التدريس ومراجعة المناهج، ما يعكس أزمة أعمق في جودة التعليم.

في ظل هذه الأوضاع، يصبح الحديث عن “خيرات ليبيا” و”زراعة الأمل” مجرد شعارات فارغة، لأن المواطن الليبي لا يرى انعكاسًا لهذه الخيرات في صحته أو تعليم أبنائه. الثقة لا تُبنى بالكلمات، بل بالقدرة على توفير دواء في المستشفى وكتاب في المدرسة ووجبة متوازنة على مائدة الأسرة.

سياسيًا، حاول الدبيبة أن يضفي على كلمته طابعًا إصلاحيًا، معلنًا عن تعديل وزاري قريب لضخ “دماء جديدة”. غير أن التجربة الليبية أثبتت أن تغيير الأسماء لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، وأن المشكلة أعمق بكثير من مجرد حقائب وزارية شاغرة. فالمواطن الذي ينتظر خدمات أساسية لا يعنيه إن كان الوزير جديدًا أو قديمًا، بل يعنيه أن يرى تحسنًا في حياته اليومية.

أما على مستوى الخدمات، فالوضع لا يقل كارثية. المواطن الليبي الذي يسمع وعود الدبيبة بتحسين الخدمات يتساءل ببساطة: أين هي الدولة حين يضطر إلى شراء الدواء من السوق السوداء أو إرسال أبنائه إلى مدارس خاصة باهظة الثمن لأن التعليم العام لم يعد قادرًا على أداء وظيفته؟

اجتماعيًا، ربط الدبيبة بين ذكرى الثورة والحديث عن خطة لضبط الأسعار وتوفير السلع الأساسية. لكن هذه الوعود تبدو أقرب إلى إجراءات ظرفية لامتصاص الغضب الشعبي، لا إلى سياسة اقتصادية جادة.

أما مبادرة “خضار ليبيا”، التي أعلن فيها عن زراعة 100 مليون شجرة، فهي تبدو في ظاهرها خطوة إيجابية، لكنها تطرح سؤالًا بديهيًا:

  • كيف يمكن لمشروع بيئي بهذا الحجم أن ينجح في بلد يفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار السياسي والاقتصادي؟
  • هل يستطيع الليبيون أن يزرعوا الأمل في أرض لم تُزرع فيها بعد بذور الثقة؟

في النهاية، كلمة الدبيبة جمعت بين الرمزية والوعود، لكنها لم تقدم ضمانات أو آليات واضحة للتنفيذ. الليبيون، بعد خمسة عشر عامًا من الثورة، لم يعودوا يبحثون عن كلمات منمقة أو صور احتفالية، بل عن أفعال ملموسة تعيد لهم الثقة في دولتهم.

السؤال الذي طرحناه في البداية يبقى مفتوحًا:

هل لدى الليبيين أي سبب لتصديق ما جاء في كلمة الدبيبة؟

الجواب، في ضوء التجربة، هو أن الثقة لا تُبنى بالكلمات، وأن الليبيين يحتاجون إلى ما هو أبعد من الوعود، يحتاجون إلى دولة قادرة على الإنجاز لا مجرد رئيس حكومة بارع في الخطابة.

____________

مواد ذات علاقة