تيم إيتون
سادسًا: مقترحات سياسات – كيف يمكن جعل الإصلاحات أكثر اتساقًا
ينبغي لمسار اقتصادي تُيسّره الوساطة الدولية، ويكون مُدمجًا رسميًا في مفاوضات السلام في ليبيا، أن يركّز على خمسة مجالات: استقرار الحوكمة، والإصلاح الهيكلي، وبناء القدرات، وإنفاذ مكافحة الفساد، والدبلوماسية العامة.
وبعد ما يقرب من عقد ونصف من فشل جهود بناء السلام، يمكن تفهّم فقدان الليبيين الثقة في نوايا نخبهم المحلية وكذلك في نوايا الدول الأجنبية. ورغم أن هذه الورقة ركزت على الإخفاقات البنيوية في ليبيا، فإن تأثير الدول الخارجية أصبح أكثر سلبية في السنوات الأخيرة.
علاوة على ذلك، تحوّلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة، التي كانت حتى وقت قريب تقود الدعوات إلى الحلول السياسية وتحسين الحوكمة الاقتصادية، نحو نهج أكثر تعامليّة، في حين يشهد دور الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف عمومًا تراجعًا.
تجعل هذه التحولات تطوير مسار اقتصادي للمفاوضات أكثر صعوبة من أي وقت مضى، غير أن الحاجة إليه لم تتراجع. وكما أظهر العنف الذي رافق إعادة تنظيم القطاع الأمني في طرابلس في مايو/أيار 2025، فإن التسويات غير الرسمية التي تقوم عليها حوكمة الدولة الليبية حاليًا هشة للغاية.
كما أن المؤسسات الحيوية لبقاء الدولة — مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط — تتعرض على نحو متزايد للتقويض والتهميش من قبل أصحاب المصالح الراسخة.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات دون كبح، فسوف يزداد الاقتصاد ضعفًا، وستتضاءل الفرص المتاحة أمام ليبيا وشركائها الأجانب للاستفادة من تنمية اقتصادية تُدار بشكل سليم. وستصبح الاستثمارات الأجنبية الخاصة أكثر خطورة، في حين ستستمر التدفقات المالية غير المشروعة والهجرة غير النظامية في الازدهار.
ومن ثم، من المهم التأكيد على أن معالجة الدوافع الاقتصادية للصراع من شأنها أن تشكّل «مدًّا يرفع جميع القوارب» لليبيين ولشركائهم الدوليين على حد سواء.
ينبغي أن يستند حساب الأمم المتحدة والدول الأجنبية إلى تحسين رفاه السكان الليبيين، مع اعتماد براغماتية مستنيرة في صياغة تسويات لها فرصة واقعية للنجاح على الأرض.
أما إذا تبنّت الدول الخارجية نهجًا أضيق وأكثر تجارية — وهو الاتجاه الظاهر حاليًا — فمن المرجّح أن تخضع أي استثمارات تقوم بها الشركات الدولية لعدم الاستقرار وإعادة التفاوض مع تغيّر المشهد الاقتصادي وتفاقم معاناة المجتمع.
في ضوء ذلك، تُظهر تقييمات هذه الورقة لطبيعة الدوافع الاقتصادية للصراع في ليبيا، ومراجعتها للجهود المبذولة حتى الآن للتخفيف من آثارها، والدروس المستفادة من تجارب أخرى، أن المفاوضات الرامية إلى استقرار ليبيا تتطلب مسارًا اقتصاديًا معززًا.
ورغم أنه لا بديل عن المسار السياسي لمعالجة مسألة تداول السلطة، ولا عن المسار الأمني للاتفاق على ترتيبات القطاع الأمني، فإن مركزية التحديات الاقتصادية في ليبيا لا يمكن التقليل من شأنها. وتوضح هذه الإشكاليات بجلاء ضرورة إرساء المسار الاقتصادي رسميًا بوصفه ساحة للوساطة والتفاوض الدوليين — وليس مجرد الحوار — على قدم المساواة مع المسار السياسي.
وينبغي أن يتكوّن هذا المسار الاقتصادي المُعاد تصميمه من خمسة عناصر:
-
التفاعل مع القادة الليبيين الحاليين لتحقيق استقرار الحوكمة الاقتصادية على المدى القصير.
-
عنصر استشرافي يركّز على التخطيط للإصلاحات الهيكلية وبدء تنفيذها في ظل حكومة مستقبلية.
-
مواصلة تطوير القدرات الفنية للمسؤولين الليبيين والمؤسسات العامة.
-
تدابير إنفاذ صارمة لمكافحة الفساد والنهب المنظّم.
-
وأخيرًا، إشراك عموم الليبيين عبر دبلوماسية عامة نشطة ومنسّقة.
ولا يمكن تحقيق النجاح إلا من خلال هذا المزيج من الجهود.
مكوّنات المسار الاقتصادي المُعزَّز
1. استقرار الحوكمة الاقتصادية
في السنوات الأخيرة، عزّز شاغلو المناصب السياسية والجماعات المسلحة سيطرتهم على مؤسسات الدولة، ما قوض استقلالية هذه الهيئات وسلامتها التشغيلية. وقد جاء اغتيال عبد الغني الككلي في طرابلس في مايو/أيار 2025 في سياق محاولاته المتزايدة للسيطرة على توزيع النقد من مصرف ليبيا المركزي والهيمنة على مؤسسات رئيسية أخرى.
وكانت هذه السلوكيات تعبيرًا عن اتجاه عام شهد تصاعد الفساد الكبير وتدهور توافر وجودة الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية والأمن العام.
ما لم تُعالج هذه القضايا، فإن فرص نجاح العملية السياسية الأوسع ستكون ضئيلة، ومن غير المرجّح أن تنجح توصيات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ولجنتها الاستشارية. وبالتالي، ينبغي أن يسبق الاستقرار الاقتصادي الانتقال السياسي في ترتيب الخطوات، بدلًا من العكس كما جرى في كثير من الأحيان.
وعليه، ينبغي للأمم المتحدة (بالتعاون مع شركائها) السعي إلى إجراءات تستهدف استقرار الحوكمة الاقتصادية ضمن انخراطها السياسي الجاري في ليبيا، بهدف تهيئة الأرضية لانتقال سياسي مستقبلي ووقف الاتجاهات المقلقة في إدارة الاقتصاد.
ويجب أن تقتصر الجهود على ضمان الالتزام بالقوانين واللوائح القائمة، وتحقيق شفافية التقارير المالية، والاتفاق على ميزانية وطنية موحّدة. ويُقصد بـ«الموحّدة» هنا ميزانية تُطبق على كامل البلاد، بدلًا من أن تصدر حكومة الوحدة الوطنية ميزانية موازية لحكومة الاستقرار الوطني.
وينبغي تخصيص بند واضح في الميزانية للمؤسسة الوطنية للنفط لتغطية نفقاتها التشغيلية واحتياجاتها الاستثمارية، على أن تمرّ جميع عائدات النفط والغاز عبر مصرف ليبيا المركزي. كما يجب وقف الإنفاق خارج الميزانية، ووقف تمويل المشاريع غير الخاضعة للتدقيق من قبل السلطات الشرقية عبر القطاع المصرفي، وكذلك إنهاء طباعة العملة من قبل الجهات الشرقية.
ويجب دعم الميزانية الموحدة بأحكام تضمن الشفافية والمساءلة، وأن تُصمّم بطريقة تحول دون توليد ضغوط تضخمية مفرطة.
وتُعدّ الولايات المتحدة حاليًا الطرف الأكثر قدرة على قيادة هذا الجهد، وذلك من خلال إعادة صياغة «الحوار الاقتصادي» ليصبح عملية وساطة اقتصادية. وقد أسهم انخراط المستشار الأميركي الخاص لأفريقيا، مسعد بولس، مؤخرًا في التوصل إلى اتفاق بين السلطات في الشرق والغرب بشأن ميزانية للتنمية.
وإذا ما جرى التركيز على مأسسة الترتيبات بدلًا من عقد صفقات داخلية مع النخب، فيمكن تعزيز هذه الجهود وإضفاء طابع رسمي عليها، لتتكامل مع مساعي بعثة الأمم المتحدة التي تركز على الإصلاحات الاقتصادية المتوسطة والطويلة الأجل.
كما يمكن البحث عن وسائل مبتكرة لضمان القبول الليبي، مثل الاستفادة من فكّ جزئي لتجميد مليارات الدولارات من الأصول الليبية الخاضعة للعقوبات.
غير أن الأهم هو أن ترافق أي اتفاقات درجات عالية من الشفافية والمساءلة لإعادة تفعيل الضوابط والتوازنات في إدارة مالية الدولة، بما يسهّل تعزيز مؤسساتها.
ورغم أن هذه الأهداف قد تبدو متواضعة، فإنها استعصت على صانعي السياسات لسنوات. وسيشكّل الضغط على المؤسسات الليبية للالتزام بالقانون، وفضحها علنًا عند مخالفة ذلك، خطوة نوعية إلى الأمام.
2. الإصلاح الاقتصادي المتوسط والطويل الأجل
قلّة فقط تعارض الرأي القائل إن ليبيا تحتاج إلى إصلاحات هيكلية في نظام الحوكمة الاقتصادية. وتشمل الأهداف التي قد تحظى بدعم شعبي واسع: تفويض الصلاحيات إلى الحكم المحلي، وتنمية القطاع الخاص، وتنويع الاقتصاد، والتكيّف مع التحول العالمي في مجال الطاقة، والعمل المناخي.
غير أن مناقشة الإصلاحات المحددة تتطلب الانتقال من مراعاة مصالح النخب إلى نهج يضع حقوق المواطنين الليبيين في صلب الحوكمة. وعمليًا، وبالاستفادة من دروس لبنان والعراق، يعني ذلك التخلي عن تقاسم السلطة بوصفه المبدأ الناظم لاتخاذ القرار الاقتصادي.
وقد يكون النهج الأكثر فاعلية هو إدخال إصلاحات تدريجية مرتبطة بالمسار السياسي، ومن الأفكار الواعدة المطروحة إنشاء ميثاق للإصلاح الاقتصادي تلتزم به أي حكومة مقبلة. ويمكن للحوار الاقتصادي المنظّم الذي تعمل بعثة الأمم المتحدة على تطويره أن يكون الإطار المناسب لصياغة هذا الميثاق.
3. بناء القدرات
يحذّر خبراء إدارة المالية العامة من أن المسؤولين والمؤسسات الليبية يفتقرون إلى القدرات الكافية لتنفيذ برنامج إصلاحي متماسك واستراتيجي. وينبغي أن يتركز الدعم المؤسسي الموجّه، عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدعم الثنائي، على أوجه القصور الرئيسية في الحوكمة الاقتصادية التي حددتها هذه الورقة.
4. إنفاذ مكافحة الفساد
إلى جانب هذه الجهود، ينبغي للأمم المتحدة وشركائها مواصلة دعم هيئات الرقابة الليبية، ولا سيما ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لتعزيز الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. وبما أن الفساد المرتبط بسيطرة النخب غالبًا ما يكون عابرًا للحدود، فإن الشراكات الدولية يمكن أن تعزز جهود المكافحة.
5. الدبلوماسية العامة
وأخيرًا، لا بد من إشراك الرأي العام الليبي. فقد ظل المواطنون العاديون مستبعدين لفترة طويلة من النقاشات حول مستقبل البلاد. ويتطلب نجاح المسار الاقتصادي والسياسي حشد الدعم الشعبي عبر شرح أهداف المبادرات وبناء زخم من خلال دبلوماسية عامة واسعة.
الكلمة الأخيرة: لا خيار سوى الاستمرار في المحاولة
هناك أسباب عديدة قد تجعل المقترحات الواردة في هذه الورقة تفشل، غير أن ذلك لا يقلل من ضرورة التوصل إلى تسوية. فالمسار الحالي يقود إلى ترسيخ سيطرة النخب على موارد الدولة وإساءة استخدام الأموال العامة، ما يستنزف قدرات المؤسسات ويقوّض مستقبل ليبيا.
ولا يمكن للدول الأجنبية التي تنخرط في هذا النظام أن تضمن سوى مكاسب قصيرة الأجل، في حين أن دولة ليبية أكثر متانة ستشكّل شريكًا أفضل بكثير.
***
تيم إيتون زميل بحثي أول في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس. يتركز بحثه على الاقتصاد السياسي للصراع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى الاقتصاد السياسي للصراع الليبي على وجه الخصوص.
____________
