رضوى الشريف

يُعَدُّ ملفُّ المصالحة الوطنية أحدَ أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد الليبي منذ أكثر من عقْدٍ، بوصفها المدخل النظري لإنهاء الانقسام السياسي واستعادة الاستقرار وبناء دولة مُوَحَّدة، وترميم النسيج الاجتماعي، وتجاوز إِرْث الصراع المُسلَّح والانقسامات الجهوية والسياسية.
ورغم الإجماع الخطابي على مركزية المصالحة كشرطٍ للاستقرار، لم ينجح هذا الملف في التحوُّل إلى مسارٍ وطنيٍّ فعَّالٍ، وبَقِيَ رهين المبادرات المتقطعة والمواثيق غير المُلْزمة، في ظلِّ غياب إرادة سياسية جامعة قادرة على ترجمة الشعارات إلى واقع عملي.
وخلال السنوات الأخيرة، تزايدت الفجوة بين أهمية المصالحة على المستوى النظري، وبين واقع إدارتها سياسيًّا؛ حيث تداخلت مع صراعات الشرعية وتنازع الصلاحيات بين المؤسسات؛ ما أفقدها طابعها الجامع وحولها إلى ساحة إضافية للتجاذُب السياسي، كما أسهم تأخُّر الاستحقاقات الانتخابية، واستمرار الانقسام المؤسسي، في إضعاف الثقة المجتمعية في أيِّ مبادرة تصالحية تقودها أجسام سياسية تجاوزت مددها القانونية، ولم تعُدْ تحظى بتفويض شعبي مباشر.
في هذا السياق المأزوم، أعلن رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، في 7 يناير 2026، اعتماد الميثاق الرسمي للمصالحة الوطنية، واعتبار السابع من يناير يومًا وطنيًّا للسِّْلم والمصالحة، مُقدِّمًا الخطوة باعتبارها انطلاقة جديدة لمسارٍ طَالَ تعثُّره.
ويأتي هذا الإعلان كمحاولة لإعادة إحياء ملف المصالحة من موقع المجلس الرئاسي، بوصفه الجهة المُخوّلة بهذا الملف بموجب اتفاق جنيف 2021، في وقتٍ يشهد فيه المشهد الليبي تصاعُدًا في حِدَّة الانقسام السياسي وتآكُلًا في فُرَص التوافُق.
دلالات إعادة إطلاق ملف المصالحة وتزامنه السياسي
يحمل إعلان اعتماد الميثاق دلالات سياسية عميقة تتجاوز مضمون الوثيقة نفسها؛ إذ يعكس سعْي المجلس الرئاسي إلى استعادة زِمَام المبادرة السياسية، وإعادة تثبيت دوره في معادلة انتقالية تشهد منافسةً حادَّةً على الصلاحيات والشرعية.
كما يُمثِّلُ الإعلان محاولةً لتكريس المصالحة كخيار استراتيجي دائم، وليس مجرد مبادرة ظرفية، من خلال إضفاء طابع رمزي ومؤسسي عليها، سواء عبْر دعم المجلس الأعلى للسِّلْم والمصالحة أو عبْر تخصيص يوم وطني لها.
غير أن دلالة الإعلان تكتسب ثقلًا إضافيًّا من توقيته؛ إذ جاء في خضم أزمة سياسية متصاعدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة؛ على خلفية الخلاف حول المناصب السيادية والمفوضية الوطنية العُلْيَا للانتخابات.
وما رافق ذلك من توتُّرٍ في العلاقة مع بعثة الأمم المتحدة، واتهامات متبادلة بشأن الحياد والتدخُّل في الشأن الداخلي. ويبدو أن هذا التزامُن يعكس محاولةً لطرْح المصالحة كمسار موازٍ أو بديل جزئي لانسداد الأُفُق السياسي، لكنه في الوقت نفسه يضعها في قلْب الصراع، لا على هامشه.
وعليه؛ فإن إعادة إطلاق المصالحة في هذا السياق تُوحي بمحاولة احتواء الاحتقان الداخلي وتقديم خطاب جامع في مواجهة تصاعُد الاستقطاب، لكنها تثير تساؤلات حول مدى قدرة هذا المسار على الصمود، في ظلِّ غياب توافُق مؤسسي، وتحوُّل القضايا السيادية والانتخابية إلى أدوات صراع مفتوح؛ ما يجعل المصالحة عُرْضَةً للتوظيف السياسي بدل أن تكون إطارًا لتجاوزه.
ردود الفِعْل
بالرغم من أنه لم يتم رصْد أيِّ بيانات رسمية من مجلس النواب أو الأطراف السياسية، رحَّبت المؤسسات الحقوقية بهذه الخطوة، معبِّرةً عن دعمها الكامل لها؛ حيث أكَّدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أن اعتماد الميثاق يُمثِّلُ خطوةً محوريةً نحْوَ تحقيق المصالحة الوطنية والاجتماعية، وتعزيز الأمن والاستقرار المجتمعي، وضمان التعايُشِ السِّلْمِيِّ بين جميع مُكوِّنَات الشعب الليبي.
وأوضحت المؤسسة، أن المصالحة الحقيقية تقوم على احترام حقوق الإنسان، وتطبيق العدالة وسيادة القانون، بالإضافة إلى معالجة الأضرار السابقة، مع الأخْذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي تمُرُّ بها البلاد، والتي تستدعي من جميع الأطراف تقديم التنازُلات اللازمة للخروج من دائرة العُنْف والانقسامات السياسية والاجتماعية.
وأضافت المؤسسة، أن المصالحة ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل هي واجب وطني وإنساني وديني، ومسؤولية جماعية تِجَاه الأجيال الحالية والمستقبلية، وأشارت إلى أن الميثاق يُشكِّلُ خطوةً أساسيةً لإعادة الثقة بين الليبيين، وتعزيز الأمْن الأهلي، وبناء مستقبلٍ مستقرٍّ وعادلٍ يحمي حقوق الإنسان وكرامته في ليبيا.
مُعوِّقَات النجاح
رغم إعادة إطلاق ملف المصالحة الوطنية عبْر اعتماد الميثاق الرسمي، فإن هذا المسار يصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد، تحكمه تناقضات مؤسسية وأجندات متنافسة، جعلت المصالحة، على مدى نحو خمسة أعوام، ملفًّا مُعَلَّقًا بلا نتائج ملموسة، وتتمثَّلُ أبرز التحديات في الآتي:
تنازع الصلاحيات بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب:
يدور صراع مزمن حول الجهة المخولة بإدارة ملف المصالحة الوطنية؛ فبينما يستند المجلس الرئاسي إلى مقررات اتفاق جنيف 2021 التي تمنحه هذا الاختصاص، أقدم مجلس النواب مطلع عام 2025 على إقرار قانون المصالحة الوطنية بشكلٍ منفردٍ، وهو ما اعتبره الرئاسي تسييسًا للملف وإجراءً أُحاديًّا. هذا التنازع عطَّلَ بلورة مسارٍ مُوَحَّدٍ، وحول المصالحة إلى أداة صراع مؤسسي بَدَلًا من كوْنها إطارًا وطنيًّا جامعًا.
تضارُب الأجندات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة:
يتقاطع الخلاف حول المصالحة مع صراع أوسع على المناصب السيادية والمسار الانتخابي؛ فقد أدَّى إقدام المجلس الأعلى للدولة على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العُلْيَا للانتخابات بشكلٍ أُحَاديٍّ إلى تصعيدٍ سياسيٍّ حادٍّ، وفتْح جبهة جديدة من النزاع مع البرلمان، انعكست مباشرة على ملف المصالحة، الذي بات محاصرًا داخل صراع الشرعيات المتنافسة.
توتُّر العلاقة مع بعثة الأمم المتحدة:
تتفاقم الانتقادات بين الأجسام السياسية ضد تدخُّلات البعثة الأممية في ملفات حسَّاسة دون التوافُق الوطني، بما يفاقم الانقسامات بين المؤسسات الليبية، وكان آخرها اتهام رئيس المفوضية الوطنية العُلْيَا للانتخابات، عماد السايح، البعثة بتكرار “الأخطاء السابقة” عبْر فرض خطوات خريطة الطريق دون ضمان وجود إطار قانوني متفق عليه للانتخابات، مُحذِّرًا من أن هذا النَّهْج قد يهدد استقلال المفوضية ويفاقم الانقسام السياسي.
تآكُل التفويض الشعبي وأزمة الشرعية:
يتمثَّلُ ذلك في استمرار المؤسسات السياسية القائمة في ممارسة صلاحياتها رغْم تجاوزها المدد القانونية، واستناد بقائها إلى ترتيبات انتقالية لم تُنفَّذ بالكامل، وعلى رأسها اتفاق الصخيرات، ويضعف هذا الواقع مصداقية أيّ مبادرة تصالحية تقودها هذه الأجسام، ويجعل المصالحة فاقدة للسَّنَد الشعبي اللازم لإنجاحها.
غياب آليات تنفيذية واضحة للمصالحة:
يفتقر الميثاق آليات تنفيذية خاصَّةً في ملفات العدالة الانتقالية وجبْر الضرر وكشْف الحقيقة؛ فعلى عكس تجارُب دولية ناجحة، لا يزال المسار الليبي يفتقر إلى أدوات عملية قادرة على نقْل المصالحة من مستوى النُّخَب السياسية إلى القاعدة المجتمعية؛ ما يجعل المواثيق المُوقّعة عُرْضَةً للتعطيل والانكفاء.
غياب الإرادة السياسية والتنازُلات المتبادلة:
وهو ما أكدته حالة الجمود التي أعقبت اجتماعات اللجنة التحضيرية للمصالحة، رغم مشاركة دولية وأفريقية رفيعة، فرغم الاعتراف اللفظي بضرورة التنازُلات، لم تُترجم هذه القناعة إلى خطوات عملية، وبقيت المصالحة رهينة الحسابات الضيقة لكل طرف.
في الختام:
يبقى ملف المصالحة الوطنية في ليبيا اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الدولة والمجتمع على تجاوز إِرْث الانقسامات والصراعات الممتدَّة، وتحويل المبادرات الرمزية إلى مسار وطني شامل وفعَّال؛
فإعادة إطلاق الميثاق الوطني تحت إشراف المجلس الرئاسي تُشكِّلُ خطوة رمزية وإجرائية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار، في ظلِّ تصاعُد التنافُس بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وغياب التوافق حول الشرعية، وتوتُّر العلاقة مع البعثة الأممية، والنَّقْص الحادّ في آليات التنفيذ الفِعْلِيَّة.
ولذا، يظلُّ نجاح المصالحة رهينًا بإرادة سياسية جادَّة، وتنازلات متبادلة، وارتباطها بإطار قانوني ودستوري جامع يضمن مشاركة كل الأطراف، بما يُحوِّلُ شعارات المصالحة إلى واقع ملموس، ينعكس على حياة الليبيين اليومية، ويُعيدُ بناء الثقة الوطنية، ويضع الأساس لدولة مستقرة ومتضامنة قادرة على حماية حقوق المواطنين وتعزيز الأمن الاجتماعي والسياسي على المدى الطويل.
__________