بيانكا باسكييه و ليوناردو بروني
في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعادت السفارة الصينية في طرابلس فتح أبوابها رسميًا بعد أكثر من عقد من الإغلاق. غير أن عودة الطاقم الدبلوماسي الصيني إلى العاصمة الليبية مرّت إلى حدٍّ كبير دون أن تُلحظ، ولم تحظَ إلا باهتمام إعلامي محدود محليًا ودوليًا.
وجاء معظم التغطية الدولية من إيطاليا، حيث أجرت منصة فورميكي الإخبارية مقابلة مع أندريا غيزيلّي، رئيس قسم الأبحاث في مشروع تشاينا مِد، حول هذا التطور.
وبحسب غيزيلّي، قد يرتبط قرار إعادة فتح السفارة في طرابلس بخطط بكين لإعادة بعث بعثتها الدبلوماسية في سوريا لاحقًا هذا العام. ويرى أن هاتين الخطوتين، مجتمعتين، تعكسان مسعى صينيًا لإعادة إدخال قدر من “الطبيعية” إلى ملفّين متوسطيين طال أمد تعقيدهما.
ومن هذا المنظور، قد تشير إعادة فتح السفارة الصينية في طرابلس إلى محاولة من بكين لتوسيع هامش حركتها الدبلوماسية في المنطقة.
لكن غيزيلّي يحرص في الوقت ذاته على التمييز بين الحالتين. فبينما نجحت سوريا في تحقيق درجة من توحيد السيطرة الإقليمية والحصول على اعتراف دولي وتعهدات استثمارية في ظل قيادة أحمد الشرع، لا تزال ليبيا، على النقيض، غارقة في انقسام عميق.
إذ تنقسم البلاد بين حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة، ومقرّها طرابلس في الغرب، وبين سلطة الأمر الواقع التي يفرضها القائد العسكري خليفة حفتر وما يُعرف بـ“الجيش الوطني الليبي” في الشرق.
ومع ذلك، تظل المقارنة مع سوريا مفيدة. فكما في الحالة السورية، كثيرًا ما جرى تضخيم دور الصين في ليبيا، إذ تأرجحت التقديرات بين آمال مبالغ فيها وشكوك مفرطة. لذلك تعود هذه النسخة من مراقب تشاينا مِد إلى مراجعة عقد كامل من الانخراط الصيني في ليبيا، متتبعة تطور علاقات بكين مع مختلف الأطراف الليبية، وواضعة ذلك في سياق إقليمي أوسع.
كما تستكشف ما إذا كانت ديناميكيات شبيهة بتلك التي رافقت نهاية الحرب الأهلية السورية بدأت بالظهور في ليبيا، وما إذا كان من الممكن لمثل هذه المقارنات أن تلقي الضوء على النهج المستقبلي للصين تجاه الأزمة الليبية.
يتوافق تقييمنا مع طرح غيزيلّي: فإعادة فتح السفارة الصينية تشير إلى تطبيع، لكنها لا تعني أكثر من ذلك. فكما تُظهر الحالة السورية، لا يستلزم الانخراط الدبلوماسي التزامًا سياسيًا، فضلًا عن الاستعداد للتدخل المباشر.
وبالتالي، من غير المرجح أن تنخرط الصين بعمق في صراعات السلطة داخل ليبيا. بل إن التطورات الأخيرة في سوريا تبدو وكأنها تشكّل مقاربة بكين تجاه ليبيا، عبر تعزيز تفضيلها للحذر والتوازن والحياد.
ويزداد ترجيح هذا الموقف بالنظر إلى أن ليبيا اليوم لا تزال بلا حل، كما أنها أكثر ازدحامًا بالفاعلين الخارجيين مما كانت عليه سوريا في أي وقت مضى. وفي مثل هذه البيئة، يُرجَّح أن تختار بكين إبقاء خياراتها مفتوحة: حاضرة، لكن غير ملتزمة.
الصين وبدايات الأزمة الليبية
اندلعت الأزمة الليبية في أوائل عام 2011، حين اجتاحت موجة الربيع العربي دول الجوار، تونس ومصر، لتشعل احتجاجات شعبية واسعة ضد حكم معمر القذافي الذي دام عقودًا. وما بدأ كحراك شعبي سرعان ما انحدر إلى حرب أهلية عنيفة، أطاحت أيضًا بمصالح اقتصادية أجنبية راسخة في البلاد، وفي مقدمتها المصالح الصينية.
قبل اندلاع الصراع، كانت بكين من كبار مستوردي النفط الليبي، كما انخرطت شركات صينية مملوكة للدولة بعمق في مشاريع البناء والطاقة والبنية التحتية في مختلف أنحاء البلاد. غير أن أحد المخاطر غير المقصودة لهذه الشراكة المربحة تمثّل في وجود عشرات الآلاف من المواطنين الصينيين على الأراضي الليبية عند اندلاع الحرب.
وقد شكّل أمنهم هاجسًا فوريًا لبكين، التي نفذت استجابة غير مسبوقة: ففي مارس/آذار 2011، نفذت الصين أكبر عملية إجلاء خارجية في تاريخها، حيث أخرجت أكثر من 35 ألف مواطن من ليبيا، وهي منطقة حرب نشطة تبعد آلاف الكيلومترات عن حدودها.
فاجأت هذه العملية غير المسبوقة، وقدرة الصين على العمل في البحر المتوسط، العديد من المراقبين الأوروبيين (وكانت هذه الواقعة أحد الدوافع وراء إطلاق مشروع تشاينا مِد في العام نفسه).
وفي الوقت ذاته، كشفت العملية — لاعتمادها الكبير على سفن وطائرات مدنية مستأجرة — حدود قدرات الصين على إسقاط القوة. ولهذا يرى خبراء أن إجلاء ليبيا شكّل حافزًا رئيسيًا لاندفاع بكين لاحقًا نحو تحديث جيشها، وإنشاء أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي، وصقل عقيدتها المتعلقة بـ“العمليات العسكرية غير القتالية”.
ويرى محللون، من بينهم جيسي ماركس، أن ليبيا شكّلت أيضًا نقطة تحول في مقاربة الصين لحل النزاعات في المنطقة. ففي مارس/آذار 2011، ومع تصاعد العنف، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 1973 الذي أجاز التدخل بقيادة حلف الناتو عبر فرض منطقة حظر جوي واتخاذ “جميع الإجراءات اللازمة” لحماية المدنيين.
وعلى الرغم من امتلاكها حق النقض والتزامها المعلن بمبدأ عدم التدخل، اختارت الصين الامتناع عن التصويت لتجنب تنفير جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي اللذين أيدا القرار.
غير أن التدخل، الذي انتهى بإسقاط نظام القذافي، أسهم في إدخال البلاد في دوامة طويلة من عدم الاستقرار السياسي وأزمة إنسانية حادة. وفي أعقاب ذلك، تبنّت بكين موقفًا أكثر تشككًا تجاه التدخلات الغربية، معززة تمسكها بأولوية سيادة الدولة والحلول التفاوضية.
وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في الموقف من سوريا، حيث استخدمت الصين مرارًا حق النقض ضد قرارات في مجلس الأمن رأت أنها قد تفتح الباب أمام تغيير النظام.
وفي الوقت نفسه، كثفت بكين جهودها لبناء علاقات مع فاعلين إقليميين رئيسيين وتوسيع أطرها متعددة الأطراف في المنطقة، ليس فقط لتحصين علاقاتها من الخلافات الدبلوماسية المستقبلية، بل أيضًا للمساهمة في رسم ملامح النقاش الإقليمي ذاته.
موقف الصين من الأطراف الليبية: حياد حذر ومحسوب
رغم امتناعها عن التصويت على القرار 1973، سارعت الصين إلى انتقاد الضربات الجوية لحلف الناتو. وقد أتاح لها هذا الموقف المتناقض نسبيًا اتباع ما وصفه ساندي الكوتامي وفريدريك وِهري باستراتيجية “الحياد الحذر والمحسوب” خلال حرب 2011.
عمليًا، راهنت بكين على جميع الاحتمالات: فحافظت على قنوات اتصال مع نظام القذافي المتداعي، وفي الوقت نفسه فتحت قنوات مع المجلس الوطني الانتقالي المعارض، الذي اعترفت به رسميًا في سبتمبر/أيلول 2011 كسلطة شرعية وحيدة في ليبيا، عقب سقوط طرابلس.
وقد أثار هذا الغموض في البداية قدرًا من عدم الثقة. إذ نظر المجلس الوطني الانتقالي بعين الريبة إلى بكين، في ظل اتهامات بأنها حاولت الالتفاف على حظر السلاح لتزويد القذافي.
غير أن الصين نجحت، عبر جهود دبلوماسية متواصلة بعد الحرب، في ترميم علاقاتها مع القيادة الليبية لما بعد القذافي. وكما يشير الكوتامي ووهري، لم تسهم هذه الجهود فقط في استعادة الحضور الاقتصادي الصيني السابق للحرب، بل أبقت بكين أيضًا في موقع جيد نسبيًا لدى الحكومات المتعاقبة المعترف بها أمميًا في طرابلس.
لكن تلك الحكومات فشلت في توحيد معسكر مناهضي القذافي. إذ تعمقت الانقسامات، وتوسعت رقعة الجماعات المسلحة، وتآكلت سلطة الدولة تدريجيًا. وفي هذا السياق، أطلق خليفة حفتر وقواته عملية “الكرامة” في شرق ليبيا في مايو/أيار 2014، بحجة القضاء على الميليشيات، لكنها فُسّرت على نطاق واسع كمحاولة للهيمنة.
وردًا على ذلك، توحدت جماعات مسلحة معارضة ضمن تحالف “فجر ليبيا”، ما أدى إلى اندلاع القتال في طرابلس وعموم الشرق، ودخول ليبيا في حربها الأهلية الثانية.
وسرعان ما تبع ذلك تدخل أجنبي كثيف، وهو أمر غير مفاجئ بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لاحتياطات ليبيا النفطية الضخمة. وبصورة عامة، دعمت مصر والإمارات وفرنسا وروسيا قوات حفتر، بينما ساندت تركيا وقطر وإيطاليا السلطات المعترف بها أمميًا في طرابلس.
ولم يقتصر دور هذه الدول على العمل عبر وكلاء، بل تدخل بعضها مباشرة عبر نشر قوات جوية ومستشارين عسكريين ومرتزقة. وكان الدور التركي بالغ الأثر، إذ قلب موازين القوى ضد هجوم حفتر المفاجئ على طرابلس عام 2019.
أحيا وقف إطلاق النار برعاية أممية في أكتوبر/تشرين الأول 2020 آمالًا مؤقتة بالمصالحة الوطنية والانتخابات، لكنها سرعان ما تلاشت مع تعثر التقدم بسبب الخلافات حول القواعد الانتخابية وأهلية المرشحين. وتعزز الانقسام بين الشرق والغرب، مع استمرار الاشتباكات الدورية والعنيفة في كثير من الأحيان.
طوال هذه الحرب الثانية وما أعقبها من جمود، حافظت بكين إلى حد كبير على نهجها القائم على الحياد والموازنة. وكما في نزاعات أخرى مثل اليمن، دعت الصين باستمرار إلى حل سياسي يحفظ سيادة ليبيا ووحدة أراضيها، مع إدانة التدخلات الأجنبية.
ومع ذلك، شكك العديد من المحللين على مدى العقد الماضي في مدى حيادية هذا الموقف فعلًا. فقد رأى صموئيل راماني أن الصين مالت عمليًا نحو حكومات طرابلس على حساب سلطات الشرق المتحالفة مع حفتر.
ويتماشى هذا مع تفضيل بكين التقليدي للتعامل مع الحكومات المعترف بها أمميًا، وهو ما يتجلى في انخراطها الدبلوماسي المستمر — وإن لم يكن الحصري — مع حكومة الوحدة الوطنية وسابقاتها.
ويرى جليل حرشاوي أن هذا التفضيل تحركه أيضًا اعتبارات اقتصادية، في إطار نزعة أوسع لاعتبار سياسة الصين في ليبيا “اقتصاد أولًا” بطبيعتها.
فالسلطات في طرابلس تسيطر على مصرف ليبيا المركزي، وهو الجهة القانونية الوحيدة المخولة بإدارة عائدات النفط، ما يمنح حكومة الوحدة الوطنية القدرة على صرف الأموال وتوقيع العقود وتخصيص رأس المال. وعندما وقّعت شركة بتروتشاينا المملوكة للدولة عقدًا سنويًا مع المؤسسة الوطنية للنفط في مايو/أيار 2018، فإن ذلك عزز بالضرورة الهيمنة المالية لطرابلس.
ولم تكن العلاقة أحادية الاتجاه. فمن جانبها، سعت طرابلس بنشاط إلى استقطاب الاستثمارات الصينية بانضمامها إلى مبادرة الحزام والطريق عام 2018. ومنذ ذلك الحين، حاولت الحكومات المتعاقبة تسويق ليبيا كوجهة لرأس المال الصيني، ليس فقط في قطاع المحروقات، بل أيضًا في البنية التحتية والاتصالات، مشيرة إلى شركات مثل هواوي وZTE كشركاء محتملين.
وقد استمر هذا التوجه في ظل الحكومة الحالية، إذ دعا رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، خلال المنتدى الاقتصادي الصيني–الليبي الأول في بكين في يونيو/حزيران 2024، الشركات الصينية إلى استئناف المشاريع المعلّقة، واصفًا بكين بأنها فاعل محوري في إعادة إعمار ليبيا.
جاء الرد الصيني حذرًا لكنه ملحوظ. فقد ازداد حجم التبادل التجاري الثنائي في السنوات الأخيرة، ووقعت شركات صينية اتفاقات لاستئناف مشاريع بنية تحتية مجمّدة. ويجسد مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بين المنطقة الحرة بمصراتة وشركة تشاينا هاربور تنامي اهتمام الصين بالاستثمار في مناطق خاضعة لسيطرة حكومة الوحدة الوطنية.
غير أن هذا التقارب الاقتصادي والدبلوماسي له حدود واضحة. فحتى مع رفع مستوى العلاقات إلى “شراكة استراتيجية” خلال زيارة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى الصين، امتنعت بكين عن تحويل هذه العلاقة إلى دعم أمني ملموس، وهو ما سعت إليه طرابلس.
وكما يشير حرشاوي، رفضت الصين طلبات طرابلس بالمساعدة في رفع حظر السلاح أو تسهيل الوصول إلى أموال صندوق الثروة السيادية الليبي المجمّدة.
يعكس هذا التحفظ تردد الصين في الانخراط في المستنقع الأمني الليبي، وحرصها في الوقت ذاته على عدم إغلاق الخيارات في الشرق. فقد أبقت بكين باستمرار قنوات مفتوحة مع حفتر، تحسبًا للمسار غير المؤكد للصراع، ومدركة أن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية النفطية الليبية يقع في مناطق خاضعة لسيطرة قواته.
تطورات حديثة: طائرات، سكك حديدية، وطائرات مسيّرة
لطالما رأى محللون أن هوية “المنتصر” في ليبيا لم تكن ذات أهمية حاسمة لبكين، بقدر ما كان يهمها الحفاظ على قنوات اتصال مع جميع مراكز القوة المحتملة. غير أن هذا التوازن قد لا يكون متساويًا اليوم. إذ تشير تقارير متزايدة إلى أن اهتمام الصين قد يتجه شرقًا، بعيدًا عن حكومة الوحدة الوطنية ونحو حفتر.
فبعدما كانت الشركات الصينية تتجنب سابقًا إظهار اهتمام بالشرق، بات الحديث يتكرر عن اهتمام صيني بمطار بنغازي الخاضع لسيطرة حفتر، وموانئ طبرق وسرت، ومشاريع سكك حديدية طال النقاش بشأنها لربط إقليم برقة بمنطقة الساحل، وغالبًا ما يُطرَح ذلك في إطار مبادرة الحزام والطريق. ومع ذلك، تظل جدوى هذه المشاريع وحجم الالتزام المالي الصيني موضع تساؤل.
وقد يكون جزء من هذا الزخم الظاهر ناتجًا ببساطة عن تحسن ظروف العمل في الشرق، لا سيما بعد إنشاء مصرف الطاقة والتعدين، الذي يهدف إلى منح سلطات الشرق استقلالية مالية وقدرة أكبر على التعاقد.
وحتى إن ظلت المشاريع الكبرى طموحة أكثر منها واقعية، يبدو أن نشاط الشركات الصينية في الشرق كان كافيًا لاستفزاز رد فعل من طرابلس، حيث علّقت حكومة الوحدة الوطنية عمليات هواوي في غرب ليبيا، مشيرة إلى دور الشركة في تطوير بنية الاتصالات في مناطق خاضعة لسيطرة قوات حفتر.
الانخراط الاقتصادي مع أطراف متعددة ليس أمرًا غير مألوف بالنسبة للصين، ولا يشير بحد ذاته إلى تحول استراتيجي. لكن ما غذّى التكهنات حقًا هو سلسلة من الحوادث الأمنية البارزة التي تلمّح، وإن بشكل ملتبس، إلى دور أكثر مباشرة.
في يونيو/حزيران 2024، اعترضت السلطات الجمركية الإيطالية طائرتين مسيّرتين عسكريتين صُنعَتا في الصين في ميناء جيويا تاورو. وكانت الشحنة، القادمة من يانتيان والمتجهة إلى بنغازي الخاضعة لسيطرة حفتر، مخفية على أنها مكونات لتوربينات رياح، في محاولة واضحة للالتفاف على حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا.
الأكثر إثارة للقلق كان تحقيق أجرته الشرطة الملكية الكندية، زعم أن شركات مرتبطة بالصين خططت لتزويد قوات حفتر بطائرات مسيّرة بقيمة تصل إلى مليار دولار، مموّهة على أنها مساعدات إنسانية مرتبطة بجائحة كوفيد-19.
وادّعى التحقيق استخدام شركات واجهة لإخفاء تورط الدولة، مع الإشارة إلى احتمال ضلوع شركات دفاع صينية مملوكة للدولة، وربما حتى عناصر من وزارة الخارجية الصينية.
وذهب المحققون إلى حد القول إن المنطق الكامن قد يكون “استخدام الحرب لإنهاء الحرب بسرعة” عبر ترجيح كفة حفتر. غير أن هذا الاستنتاج لا يزال محل جدل. إذ حذّر غيزيلّي، على سبيل المثال، من اعتبار الحادثة دليلًا على استراتيجية صينية مركزية، مشيرًا إلى أن حتى الشركات الصينية الكبرى المملوكة للدولة تصرفت أحيانًا بقدر كبير من الاستقلالية، ما أثار انزعاج بكين نفسها.
علاوة على ذلك، فإن الطائرات المسيّرة الصينية كانت موجودة في ليبيا منذ أكثر من عقد، ولا سيما أنظمة “وينغ لونغ” التي استخدمتها قوات حفتر منذ عام 2016. وقد جرى شراء هذه الطائرات وتشغيلها من قبل الإمارات، لا من الصين، التي أكدت أن هذه الصفقات تجارية بحتة ولا علاقة لها بموقفها السياسي من ليبيا. وحتى مسؤولين غربيين أقروا بذلك إلى حد كبير.
هل أصبحت ليبيا “سوريا الجديدة”؟
في أعقاب انهيار نظام الأسد في سوريا لصالح قوى المعارضة، تحدثت تقارير عن إعادة نشر روسية سريعة لأصول عسكرية وبحرية من ميناء اللاذقية إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات حفتر في ليبيا.
ومنذ ذلك الحين، باتت طبرق وقاعدة معطن السارة تُصوَّر كبوابات لوجستية جديدة لـ“فيلق أفريقيا”، الخليفة المعاد تسميته لمجموعة فاغنر، الداعم للعمليات الروسية في أفريقيا جنوب الصحراء، ولا سيما في منطقة الساحل.
إلى جانب التحركات الروسية، هناك ديناميكية حاسمة أخرى تعيد تشكيل المشهد الليبي، تتمثل في اتساع الشرخ بين الشريكين السابقين السعودية والإمارات. فقد أسهم تطبيع أبوظبي مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، واستمرار انخراطها مع تل أبيب خلال حرب غزة، في تمييز موقفها عن الرياض وعواصم خليجية أخرى، لا سيما في ظل التصعيد الإسرائيلي ضد النظام السوري الجديد وإيران وقطر.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، بلغت التوترات ذروتها في اليمن، حين شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا هجومًا ضد الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة سعوديًا. وردّت الرياض بتدخل عسكري مباشر، هزمت فيه القوات الجنوبية، كاشفة عمق الانقسام الخليجي.
وتتداخل ليبيا بعمق مع هذا الصدع الأوسع. إذ تظل الإمارات من أبرز الداعمين الخارجيين لقوات حفتر، التي تشكل حلقة محورية في شبكة أوسع مدعومة إماراتيًا تشمل قوات الدعم السريع في السودان، المنخرطة في حرب أهلية دامية ضد الجيش السوداني المدعوم من مصر والسعودية وتركيا.
ومع تزايد الحزم الإماراتي، بدأت القاهرة والرياض وأنقرة في تنسيق مواقفها الإقليمية بشكل متزايد. وإذا تعمق هذا التقارب، فقد يبدأ التحالف الخارجي الداعم لحفتر في التفكك، خاصة إذا اقتربت مصر والسعودية أكثر من تركيا، الداعم العسكري الأبرز لطرابلس.
الخلاصة
مع دخول ليبيا والمنطقة الأوسع مرحلة إعادة تموضع متأثرة بنهاية الحرب في سوريا وبالانقسام الناشئ بين الإمارات وإسرائيل من جهة، والسعودية ومصر وتركيا من جهة أخرى، تعكس عودة الدبلوماسيين الصينيين إلى طرابلس حاجة بكين البراغماتية لمراقبة التطورات عن كثب، مع الحفاظ على موقعها التقليدي القائم على الحياد الحذر والمحسوب بين الأطراف الليبية.
ورغم أن شركات الدفاع الصينية قد تكون انخرطت بشكل غير مباشر في المشهد الأمني الليبي عبر أطراف ثالثة، يظل من غير المرجح للغاية أن تسعى الصين إلى دور مباشر في الصراع. والتفسير الأرجح هو أن بكين تسامحت مع بعض أشكال الانخراط الأمني المحدود مع قوات حفتر بوصفه وسيلة للحفاظ على العلاقات مع أبرز الفاعلين في شرق ليبيا.
إن أي انفتاح صيني على قوات حفتر لا ينبغي فهمه باعتباره تحولًا استراتيجيًا، بل تأمينًا للمصالح: وسيلة للبقاء حاضرًا دون التورط.
وفي ظل ازدياد عدد الفاعلين الخارجيين في ليبيا مقارنة بسوريا، يبدو أن المسار الأكثر عقلانية لبكين هو البقاء مرئية، وحاضرة، ومصممة قبل كل شيء على إبقاء خياراتها مفتوحة.
____________
China Global South Project