كريمة ناجي
يوصي متخصصون بـ“ضرورة بناء تحالفات ذكية بدل الارتهان لقوة واحدة“
برزت ليبيا على الضفة الجنوبية للقارة الأوروبية كخيار طاقي بديل بخاصة مع وجود أنبوب “غرين ستريم ” الرابط بين مجمع “مليتة” الليبي وجزيرة صقلية الإيطالية، الذي يصفه متخصصون في شؤون الطاقة بـ“صمام أمان استراتيجي” للقارة الأوروبية بعد توقف رئة مضيق هرمز عن ضخ الحاجات الأساسية من الطاقة نحو الأسواق الأوروبية.
طوعت دول عدة الدبلوماسية الطاقية كأداة لتحقيق بنك من الأهداف الاستراتيجية على غرار روسيا التي سبق وفعّلت هذه الأداة في تعاملها مع أوروبا عبر استراتيجية طاقية منذ عام 2005 لغاية يومنا هذا، لدعم سياستها الخارجية وأمنها الطاقي، وإعادة ترتيب النظام الدولي والحد من توسع الإتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وذلك عبر توجيه مقدراتها الطاقية كسلاح لغرض تحقيق طموحات عدة.
ونوعت الأسواق الأوروبية أخيراً مصادرها الطاقية في إطار فك ارتباطها بالسوق الروسية، على غرار انفتاحها على استيراد النفط والغاز الطبيعي من الولايات المتحدة ودول الخليج وقطر التي كان يؤمنها مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب الإقليمية مع ايران.
وسيلة ضغط
في السياق برزت ليبيا على الضفة الجنوبية للقارة الأوروبية كخيار طاقي بديل بخاصة مع وجود أنبوب “غرين ستريم ” الرابط بين مجمع “مليتة” الليبي وجزيرة صقلية الإيطالية، الذي يصفه متخصصون في شؤون الطاقة بـ“صمام أمان استراتيجي” للقارة الأوروبية بعد توقف رئة مضيق هرمز عن ضخ الحاجات الأساسية من الطاقة نحو الأسواق الأوروبية.
وبعد طلب مصر للدعم الطاقي من ليبيا، الذي تجلى في طلب من “الهيئة المصرية العامة للبترول“، المملوكة للدولة المصرية، إلى المؤسسة الوطنية للنفط الليبية لاستيراد ما لا يقل عن مليون برميل من الخام الليبي شهرياً لتعويض توقف إمدادات النفط الكويتية، مما دفع بمراقبين إلى القول إن ليبيا أمامها فرصة لاستغلال الدبلوماسية الطاقية كسلاح لغرض تحقيق أهدافها وطموحاتها لتصبح قوة بارزة في العالم من خلال دبلوماسية الطاقة، لخاصة أنها محل اهتمام طاقي أميركي وإيطالي وفرنسي.
في هذا الصدد، يصف عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت، إلياس الباروني، “الدبلوماسية الطاقية” بكونها “أخطر الأدوات الدبلوماسية باعتبارها امتداداً للقوة الصلبة في ثوب ناعم“.
وتعد دبلوماسية الطاقة إحدى صور الدبلوماسية التي ترتبط بالسياسة الخارجية والأمن القومي، وبصفة أدق بأمن الطاقة.
وظهرت هذه الأداة الدبلوماسية في النصف الأول من القرن الـ20 غير أنها برزت كمصطلح خلال أزمة النفط الثانية باعتبارها إحدى وسائل شرح وتفسير إجراءات “أوبك“.
ويقول الباروني إن “الدبلوماسية الطاقية طُوعّت كأداة لإعادة تشكيل النفوذ، فمنذ مطلع الألفية لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى رافعة جيوسياسية تُستخدم لإعادة هندسة التوازنات الدولية، وقد مثلت تجربة روسيا نموذجاً واضحاً، بخاصة في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، حين استخدمت الغاز ليس فقط كمصدر دخل، بل كوسيلة للضغط السياسي لضبط سلوك الدول المستوردة ولإعادة رسم حدود التوسع الغربي، بخاصة في مواجهة حلف الناتو“، منوهاً بأن “هذه التجربة تؤكد أن الدولة التي تمتلك الطاقة ولا تُحسن توظيفها سياسياً تبقى دولة ريعية، أما التي تُسيّسها فتتحول إلى قوة مؤثرة“.
فاعل تفاوضي
أما في شأن موقع ليبيا في معادلة الطاقة الدولية، فيذهب الباروني إلى القول إن “ليبيا تمتلك ميزات استراتيجية استثنائية، فموقعها الجغرافي يجعلها بوابة طبيعية نحو أوروبا، بخاصة أن احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز المنخفض الكلفة قريبة من أسواق الطاقة الأكثر استهلاكاً في العالم، وهي تحظى باهتمام قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا“، مشيراً إلى أن “هذا الاهتمام الدولي ليس بريئاً، بل يعكس إدراكاً عمياً لقيمة ليبيا في معادلة الأمن الطاقي الأوروبي“، وعلى رغم هذه الميزات، يقول الباروني إن “ليبيا لا تزال تمارس دبلوماسية طاقية ضعيفة أو شبه غائبة“.
وفي إجابته عن سؤال عن كيفية تحويل الطاقة الليبية إلى سلاح استراتيجي، يشدد الباروني على أنه “يجب في مرحلة أولية العمل على الانتقال من دولة منتجة إلى دولة مؤثرة“، فليبيا، وفق قوله، بحاجة إلى إعادة تعريف دورها ليس كمصدر خام للطاقة فقط بل كـ“فاعل تفاوضي” يربط الإمدادات بالمصالح السياسية، “بمعنى أن كل برميل نفط يجب أن يقابله مكسب سياسي أو أمني أو اقتصادي“.
ويطالب الباروني بضرورة “بناء تحالفات طاقية ذكية بدل الارتهان لقوة واحدة، بحيث يمكن لليبيا موازنة علاقاتها بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفتح قنوات مع قوى صاعدة مثل الصين للتنسيق مع منتجين إقليميين لتعزيز القدرة التفاوضية، بهدف خلق تعددية في الطلب، تمنح ليبيا حرية القرار“، داعياً إلى “الاستئناس بالتجربة الروسية واستخدام الطاقة كورقة ضغط ناعمة، إذ يمكن لليبيا ربط استقرار الإمدادات باستقرار الداخل الليبي، واستخدام عقود الطاقة كأداة لإعادة بناء الدولة، وتوظيف خطوط الأنابيب كورقة نفوذ جيوسياسي“.
ولكي تستفيد ليبيا من استخدام الدبلوماسية الطاقية، يرى الباروني أن “إعادة هيكلة الداخل شرط أساس لذلك، بحيث لا يمكن لأي دبلوماسية طاقية أن تنجح من دون استقرار سياسي، لأن الانقسام الداخلي يُفرغ الطاقة من قيمتها السياسية ويحولها إلى عبء“.
ويقول المتخصص بالعلاقات الدولية إن “السيناريوهات المستقبلية لا تخلو من سيناريوهات صعود وسيناريوهات استنزاف، فإذا نجحت ليبيا في توحيد قرارها السياسي وبناء استراتيجية طاقية واضحة يمكنها وقتها أن تتحول إلى محور طاقة إقليمي فاعل مؤثر في أمن أوروبا، وإذا ما استمر الوضع الحالي ستظل ليبيا مصدراً خاماً للطاقة وستُدار مواردها من الخارج بشكل غير مباشر“.
ويشدد على أن “ليبيا لا ينقصها النفط بقدر ما هي بحاجة إلى عقل استراتيجي يحوّل النفط إلى أداة نفوذ دبلوماسي طاقي، ففي عالم اليوم مَن يملك الطاقة لا يملك القوة بالضرورة، لكن من يُحسن توظيفها، يملك القدرة على إعادة تشكيل النظام الدولي“.
دبلوماسية الوجهين
من جهتها، تقول المتخصصة في الأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات السياسية بسويسرا، روضة المعلاوي، إن “ليبيا استغلت موقعها في سوق الطاقة العالمية بشكل متناقض“، موضحةً أن “تواصل إغلاق مضيق هرمز يتيح فرصة استراتيجية مهمة للنفط الليبي باعتباره بديلاً عالي الجودة، إذ يُعد خاماً خفيفاً ومنخفض الكبريت، وهو مشابه جداً لبعض أنواع النفط الخام الإيراني“.
وتضيف المعلاوي أن “لليبيا موقعاً استراتيجياً احتياطياً، فخلال الأزمة الإيرانية، برز البلد كمصدر طاقة حيوي للغرب، وهذا يتيح لها التفاوض على اتفاقات استثمارية ضخمة في إطار الدبلوماسية الطاقية لتحقيق بنك من الأهداف الاستراتيجية، غير أن الدبلوماسية الليبية غارقة في ازدواجية مؤسسية تحول دون توحيد صوتها على الساحة الدولية، فعلى رغم اعتراف الأمم المتحدة بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة فإن الواقع على الأرض يفرض تشتتاً دبلوماسياً، حيث يدير كل طرف تحالفاته الاستراتيجية الخاصة“.
وترى المعلاوي أن “للدبلوماسية الليبية وجهين، باعتبار أن البلد ينقسم هيكلياً بين سلطتين متنافستين، مما يشل أي سياسة خارجية متماسكة، فحكومة الوحدة الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، ويرأسها عبدالحميد الدبيبة، هي الحكومة الوحيدة المعترف بها دولياً من قبل الأمم المتحدة، وهي مَن تتولى إدارة العلاقات الرسمية مع المنظمات الدولية، غير أن الحكومة الليبية التي تتخذ من شرق البلاد مقراً لها ويعد مجلس النواب ذارعها التشريعية والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر داعمها الأمني، هي مَن تمارس دبلوماسية الأمر الواقع باعتبارها تتتعامل مباشرة مع القوى الإقليمية والعالمية“.
وتضيف أنه “لا يمكن لليبيا تطويع أداة الدبلوماسية الطاقية بشكل يمكّنها من فرض نفوذها بين القوى الخارجية باعتبارها مسرحاً لحرب بالوكالة بين المتداخلين في شأنها على غرار الإمارات وروسيا وتركيا ومصر، مما جعل قراراتها الدبلوماسية الوطنية تخضع لمصالح هؤلاء الداعمين الخارجيين“.
وتؤكد المعلاوي أن “طلب مصر للدعم الطاقي من ليبيا، الذي تجلى في طلب من الهيئة المصرية العامة للبترول المملوكة للدولة المصرية إلى المؤسسة الوطنية للنفط الليبية لاستيراد ما لا يقل عن مليون برميل من الخام الليبي شهرياً لتعويض توقف إمدادات النفط الكويتية، يشير إلى تقارب استراتيجي عملي وليس مجرد مبادرة عابرة، ففي ظل أزمة الطاقة والتوترات في الشرق الأوسط، تعمل مصر على تأمين إمداداتها من النفط الليبي، وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين“.
وتصف المتخصصة في الأمن الطاقي هذا الأمر بـ“التحوّل الحقيقي الذي يمكن للدبلوماسية الليبية أن تؤدي فيه دوراً محورياً في أمن مصر الطاقي“، وتقول إن “الدبلوماسية الطاقية في ليبيا لا يمكنها أن تعمل بالشكل المطلوب بخاصة أن ليبيا ما زالت تواجه فساداً ممنهجاً يُقوّض قطاع الطاقة لديها على رغم مواردها الهائلة، فبحسب مؤشر مدركات الفساد، فإن موقع ليبيا تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، بعدما كان في المرتبة 173 من أصل 180 دولة في عام 2024، وهو ترتيب من شأنه أن يؤثر في مستقبل الطاقة في البلاد.
___________
