Minbar Libya

بقلم أحمد القديدي

اليوم ونحن نستعد لمعرفة ما ستسفر عنه مفاوضات الوفاق في برلين، نستعيد مع أشقائنا الليبيين بصيص أمل باهت.

لعل ألمانيا تستطيع بدبلوماسيتها المحايدة والذكية تجميع قطع (البيزل) المتنافرة المتناحرة منذ عقد من الزمن الأسود، ولعل الرشد المفقود يثوب إلى إخوتنا هناك فيدركوا على الأقل أن بلادهم أصبحت (كما كانت لبنان في السبعينيات) ساحة وغى حرب بين أطراف أجنبية لا تريد لا السلام و لا الخير لليبيين.

فهناك أطراف تراهن على حفتر وشقه لكي تبلغ غاياتها الضيقة فتغنم الثروات الليبية، وتلك أطراف تجيش مليشياتها الخاصة ومرتزقتها المأجورين للإبقاء على حالة التوتر والعنف والحراب لمصلحتها العاجلة، ثم أطراف تختبئ وراء شركات عابرة للقارات تبغي الحفاظ على أرباحها من مصافي النفط الليبي!!

هذا هو المشهد المؤسف اليوم في سنة 2019 بعدما فشلت دولتان أوروبيتان هما فرنسا و إيطاليا في تحقيق الأمن والسلام، و دفع الفرقاء الليبيين إلى توقيع المعاهدات المبشرة بالسلام والهدنة!؟

أما أطراف أخرى مريبة، فتنادي بتدخل عسكري في ليبيا لحلف الناتو أو لتحالف إقليمي تتفق مصالحها القصيرة أو البعيدة؟

كيف سيكون التدخل العسكري في ليبيا الشقيقة؟ ومن سيشارك فيه؟ ومن سيقوده؟ وما هي غاياته (فلكل عمل عسكري عقيدة وأهداف)؟ ثم من سيقصف بالطائرات؟ ومن سيكون المقصوف؟ وممن تتشكل القوى البرية؟

وهل هناك مخطط لغزو ليبيا كما جرى في العراق؟ حيث أثبتت الأحداث أنه لا نصر يتحقق لفريق يكتفي بالقصف من الجو.

أما جيران ليبيا أي الجزائر وتونس ومصر ودول الصحراء الإفريقية، فلا حول لها ولا قوة ولا حتى مجرد رؤية موحدة أو مشتركة للواقع الليبي، وقادة هذه الدول المجاورة معنيون بالدرجة الأولى بمصير ليبيا حربا أو سلما أو وفاقا أم تأزما؛ لأسباب تاريخية وجغرافية وإنسانية لا تخفى ولا يشكك فيها أحد.

يقول أحد الخبراء الأمريكان في الجيوستراتيجيا بأن تونس ستتحمل توابع الزلزال العسكري والأمني حين تندلع الزوابع، فالبلاد تكاد لا تخرج من هزات أمنية واجتماعية وسياسية تركت في اقتصادها ندوبا موجعة، لكنها بالمقارنة مع مجتمعات الشرق الهشة.

يمكن القول إنها نجت من منطقة المطبات الكبرى بفضل صلابة عود الدولة والمجتمع المدني التونسي وبقاء مؤسساتها سليمة، فالدولة المهيكلة في تونس تعود إلى قرون تعاقبت على إدارتها أجيال من التوانسة، اكتسبت خبرة في الإدارة والتصرف وتأطير المجتمع.

لكن الذي سيطرأ في لعبة الأمم هو امتحان عسير يتعدى الحدود ولا يقرأ حسابا لما نسميه السيادة واستقلال القرار، ولا يمكن لتونس ألا تعيه وألا تتوقع مضاعفاته.

يجب علينا أولا قراءة الواقع الدولي بعيون مفتوحة وعقول واعية لنفك شفرات الأحداث، ففي أعلى سلم القوى العملاقة نجد التحول من حالة توافق المصالح بين الولايات المتحدة وروسيا إلى حالة التصادم.

تتذكرون كيف عالجت واشنطن وحليفاتها الأوروبيات معضلة أوكرانيا أولا بالتحدي (الغربي) المتمثل في تكريس وتشجيع انفصال هذه (الولاية) الروسية، ثم تتذكرون كيف حرك بوتين قطعة الشطرنج القرمية (نسبة لشبه جزيرة القرم)، فأصبح التعادل هو سيد الموقف بين العملاقين.

ثم لاحظنا أنه في خضم هذه الأزمة الإقليمية الخطيرة مالت واشنطن إلى إرضاء موسكو بتشريكها في إدارة الملف النووي الإيراني وإدارة ملف معالجة الحرب السورية؛ سعيا منها لتحقيق توازن القوى واجتناب التصادم، وشهد المراقبون للوزيرين (جون كيري) و(سرجاي لافروف) بالحكمة، وربما هنا كلمة (الحكمة) تعني الدهاء.

وأعاد كثير من الزملاء خبراء السياسات الدولية إلى الأذهان معاهدة (سايكس بيكو) الموقعة بين القوتين المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى بريطانيا وفرنسا بتعويض سايكس بـ كيري وتعويض بيكو بـ لافروف.

فتقاسمت القوتان الأعظم (سنة 1916 ثم سنة 2015) تركة الرجل المريض. ورغم تغير المنتصرين على مدى قرن، فإن الرجل المريض بقي هو نفسه (أي الشرق الأوسط وما كنا نسميه دار الإسلام واليوم من بين شعوبه الشعب الليبي).

وبعد أن تحركت عين العاصفة من المشرق إلى المغرب حسب تعبير رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية، أصبح الجميع على كف عفريت وعلى تونس أكثر من جيراننا بعد انتخاب رئيسها الجديد وبرلمانها، أن تستعد لمواجهة المجهول.

استعرضنا المستوى الأعلى للأزمة أي بين العملاقين الأمريكي والروسي ونحاول تحليل المستوى الثاني (أي التصادم بين مصالح القوى الإقليمية)، لندرك أن باريس هي المعنية بالدرجة الأولى بكل تغيير في مناطق نفوذها وكل إخلال بتوازن القوى فيها.

وهي التي تزعمت الجيوش الأوروبية المتدخلة في سوريا حاليا وقبلها في ليبيا إبان رئاسة ساركوزي، ورد تنظيم داعش على زعامة فرنسا للعمل العسكري بالمجزرة الإرهابية في باريس يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

ولم تخف الحكومة الفرنسية سعيها لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على أساس الحرب على الإرهاب وعلى أساس تصور مستقبل سوري وعراقي وليبي ويمني لا يتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي والغرب عموما في المنطقة.

وفي المقابل نجد موقفا جزائريا صلبا يرفض كل تدخل عسكري في ليبيا بناء على استراتيجية جزائرية عريقة تحاول النأي بالجزائر وبالمغرب العربي عن وجود قوات أجنبية (فرنسية أساسا) على التراب المغاربي، واصفة إياه بالاستعمار المباشر الجديد.

وهذا الموقف تأخذه السلطات التونسية مأخذ الجد وستراعي جارتها الجزائرية عند اندلاع أي شرارة نار في ليبيا، سوف تقترب من حدود تونس بغض النظر عن التهديدات الصادرة عما يسمى بحكومة طرابلس (وهي في الواقع أحد أطراف الفسيفساء الليبية المعقدة).

وأعتقد أن تونس في أشد الحاجة اليوم إلى خط دبلوماسي موحد وواضح ودقيق، حتى لا نقع من جديد في التخبط الذي عاشته الدبلوماسية التونسية بعد 14 كانون الأول/يناير 2011 إزاء الأوضاع في ليبيا وسوريا، وهو تخبط أساء لمصالح تونس وجاليتنا المقيمة في هاتين الدولتين بشكل غير مسبوق.

تخبط بدأ بتولي حكومتنا المؤقتة تحديد الشرعية في ليبيا عوضا عن الليبيين أنفسهم، وانتهى بتسليم البغدادي المحمودي إلى جلاديه في زمن التقلبات والفوضى وانهيار التوافقات التقليدية!

____________