بلال عبد الله

على الرغم من انتظام القوى الليبية الفاعلة في الصراع خلال الأعوام الماضية في معسكرين رئيسين، اصطلح على تقسيمهما إلى شرق وغرب تبعاً لمناطق السيطرة الجغرافية. إلا أن ثمة عوامل ظلت تختمر وتمارس تأثيرها تدريجياً، بشكل دفع نحو مزيد من التباعد في المواقف بين مكونات كل معسكر، تبعاً لرؤية وتعريف كل طرف لمصالحه، ومن ثمّ تباين خيارات هذه الأطراف.
منذ فبراير الماضي ظهر مشروع سياسي يحمل، نظرياً، إمكانات لتجاوز هذه الثنائية الانقسامية، وهو ما تمثل في تقارب فتحي باشاغا، المحسوب تقليدياً على الغرب الليبي، مع قوى شرق ليبيا. وأتى هذا التقارب ليعكس عدم جمود الخريطة السياسية، وغلبة الطابع الحركي على مصالح مختلف الأطراف ومن ثم قابليتها للتغير؛
وعلى هذا الأساس حاول باشاغا، عبر محاولة قيادة حكومة جديدة، تقديم نفسه حاملاً لمشروع وحدة فعلية للبلاد، على خلاف الوحدة الشكلية التي تحققت مع تنصيب عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في مارس 2021.
مع الإخفاق المتكرر لباشاغا في تمكين حكومته من العمل عبر انتزاع السيطرة على العاصمة، وإحكام الدبيبة سيطرته الأمنية على طرابلس في 27 أغسطس 2022، يكون مشروع “الوحدة الفعلية” قد سقط وتضاءلت فرصه أكثر من أي وقت مضى؛
غير أن الأثر الأكثر خطورة هو ما أطلقه هذا الحدث من تفاعلات على عدة مستويات، يمكن تلخيص نتائجها في أنها دفعت بالمشهد الليبي نحو اتجاه معاكس لما كان يمثله نظرياً مشروع باشاغا، حيث لم يقتصر الأمر على الفشل في فرض حكومة تحظى بدعم شرق وغرب البلاد، والعودة للانقسام التقليدي القائم منذ سنوات.
لكن الأكثر خطورة هو تفجير التناقضات داخل معسكر غرب ليبيا، بشكل خلق اضطرابات أمنية مرشحة للاتساع، وفي الجانب المقابل كشف هشاشة التحالف بين باشاغا ومعسكر شرق ليبيا من ناحية، وعدم تماسك مواقف أطراف هذا المعسكر من ناحية أخرى.
ترصد الورقة أبرز تداعيات فشل باشاغا في دخول طرابلس على خريطة المشهد الليبي ككل، والمسارات المحتملة الخاصة بشبكة التحالفات بين مختلف الأطراف.
تراجُع التحالفات الداخلية
ارتبط إخفاق فتحي باشاغا في تحقيق السيطرة على طرابلس بإطلاق مجموعة من الديناميات التي أفضت إلى تراجع التحالفات التي يستند إليها طرفا السيطرة شرق وغرب البلاد.
1. عبد الحميد الدبيبة:
تمكن من حسم السيطرة على العاصمة لصالحه خلال الفترة الحالية، عبر عملية استباقية اتسمت بالسرعة والمحدودية والدقة، بحيث تمكنت الميليشيات الموالية له من إبعاد الميليشيات الموالية لباشاغا إلى خارج طرابلس، وتجريدها من أية مقرات كانت تقع تحت سيطرتها داخل العاصمة أو على أطرافها.
وقد تمكن الدبيبة من تحقيق هذا الحسم بالاعتماد بشكل رئيس على الطائرات المسيّرة، التي كان لها الدور الحاسم في منع الميليشيات الموالية لباشاغا من التقدم والوصول إلى العاصمة. ويعكس هذا الدور محورية العامل الدولي (القرار الأمريكي، والتنفيذ التركي عبر طائرات البيرقدار المسيرة) في ترجيح كفة الدبيبة خلال الصراع الراهن.
في المقابل يتضح خروج الدبيبة من هذه المعركة وهو على عداء مع المدن الأكثر ثقلاً من الناحية العسكرية داخل المنطقة الغربية؛ فبالنسبة لمصراتة، هناك الانقسام العميق داخل المدينة، بحكم الثقل التقليدي الذي يمثله فتحي باشاغا والقوات الموالية له؛
وبالنسبة للزنتان فأغلب قواته تتبع اللواء أسامة الجويلي الموالي لباشاغا، وقد تعرضت قوات الجويلي لقصف الطيران المسير في 27 أغسطس، وأُجبر لاحقاً على الانسحاب من جميع المقار التابعة له داخل طرابلس.
نفس الأمر بالنسبة لمدينة الزاوية التي يتبع قسم رئيس من ميليشياتها حكومة باشاغا، لاسيما أن وزير الداخلية في هذه الحكومة، عصام أبو زريبة، ينتمي للمدينة، هذا فضلاً عن التباعد السياسي في الشهور الأخيرة بين حكومة الدبيبة وبين خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، الذي ينتمي هو الآخر لمدينة الزاوية.
وأخيراً تأتي مدينة ورشفانة، المحسوبة تقليدياً على تيار القذافي، وتحالفت أبرز ميليشياتها مؤخراً، بقيادة معمر الضاوي، مع فتحي باشاغا، مما جعل المدينة ساحة للملاحقات والاشتباكات الخفيفة في الأسبوعين التاليين على معركة طرابلس الخاطفة؛ كما أن هذه الاشتباكات كانت مرشحة للتصاعد لولا وجود وساطات انتهت بالاتفاق على تجنُّب التصعيد في المدينة.
على هذا النحو يبدو أن تركيز الدبيبة، والأطراف الداعمة له، ينصب بالأساس على تأمين السلطة في طرابلس والطوق المحيط بها، من دون الاكتراث لأهمية نسج تحالفات اجتماعية وعسكرية قوية مع الأطراف المحلية في المنطقة الغربية.
وبجانب الارتكان إلى التأثير المباشر للانقسام الذي أحدثه باشاغا في تفسير الوضع الجديد، فإن الدلالة الأهم تكمن فيما يعكسه هذا التوجه لدى الدبيبة من أولوية البقاء في منصبه الحالي بغض النظر عن أية خطط للبقاء في السلطة عبر الانتخابات، ومتطلبات ذلك من نسج تحالفات مع الكتل التصويتية لمدن غرب ليبيا الأكثر كثافة سكانياً.
مع الإخفاق المتكرر لفتحي باشاغا في تمكين حكومته من العمل عبر انتزاع السيطرة على العاصمة الليبية، وإحكام عبد الحميد الدبيبة سيطرته الأمنية على طرابلس في 27 أغسطس 2022، يكون مشروع “الوحدة الفعلية” للبلاد قد سقط وتضاءلت فرصه أكثر من أي وقت مضى
2. خليفة حفتر:
في مقابل تقلُّص التحالفات المحلية الداعمة للدبيبة، ثمة تراجع ملحوظ في التماسك بين الأطراف المعادية له، فضلاً عن تزايد مؤشرات العداء بين هذه الأطراف، ويمكن استعراض ذلك على النحو التالي:
تراجع الدعم المعلن المقدم لباشاغا من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق ليبيا؛ فقبل 27 أغسطس أعلن اللواء أحمد المسماري، الناطق باسم المشير خليفة حفتر، عن عدم انخراط القيادة العامة في المعارك المرتقبة للسيطرة على طرابلس؛ وبعد هزيمة القوات التابعة لباشاغا، أعاد المسماري التأكيد على ذات المعنى في تصريحات جديدة.
وبالتوازي مع ذلك، تنعدم أية مؤشرات على حدوث تواصل بين باشاغا ومكونات شرق ليبيا، باستثناء تمسك رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بدعمه السياسي لحكومة باشاغا.
عودة مظاهر العداء بين المشير حفتر وبين المكونات الاجتماعية الموالية للقذافي؛ وقد تمثل ذلك مؤخراً في اعتداء قوات حفتر على عناصر رفعت العلم الأخضر الخاص بحقبة القذافي أثناء الاحتفال بالذكرى السنوية لـ “ثورة الفاتح“، وما تبع ذلك من محاصرة لبلدة قصر بوهادي التي حدثت بها الواقعة جنوب سرت. وقد تفاقمت تلك الأزمة الأمنية الاجتماعية لدرجة استدعت صدور بيانات عن البعثة الأممية للتنديد بما حدث.
في مقابل تراجع دعم حفتر لباشاغا والقوات الموالية له غرب ليبيا، وعودة مظاهر التوتر في علاقته بأنصار القذافي، أطلق حفتر تصريحات لوّح من خلالها بإمكانية التدخل لحسم الصراع الدائر على السلطة؛ حيث قال بعد يومين من اشتباكات طرابلس “لم نبن الجيش الوطني ليقف متفرجاً على ليبيا العزيزة يجرها العابثون إلى الهاوية“؛ كما تبع ذلك بأيام تنفيذ مناورة عسكرية بالذخيرة الحية في مدينة بنغازي.
تبدو تهديدات حفتر بإمكانية التدخل في صراع العاصمة متناقضة مع واقع تحالفاته الراهنة، والتي تحلَّل خلالها من دعمه لباشاغا، ومن ثم خسارة الأدوات العسكرية الموالية للأخير غرب ليبيا (والتي تعد الكتلة العسكرية الأكبر هناك خارج سلطة الدبيبة)؛
ومن ناحية أخرى تعميق عداواته مع التيار الموالي للقذافي، والذي يتمتع بحضور سكاني كثيف في المنطقة الغربية. ولتأكيد هذه المفارقة فإن التهديدات المشار إليها أطلقها حفتر خلال زيارته إلى مدينة الكفرة، أقصى نقطة عمرانية جنوب شرق البلاد، أيّ أنها المدينة الليبية الأبعد جغرافياً عن العاصمة، وليس من المتوقع أن تمثل عامل ترجيح لقواته في أي عملية عسكرية للسيطرة على طرابلس.
غموض العملية السياسية
في مقابل ما كشفته تطورات الفترة الماضية من تفكُّك أغلب التحالفات، وصعوبة تحقيق أي حسم عسكري، تنتاب العملية السياسية درجة غير مسبوقة من الغموض، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:
1. الرؤية الأممية:
يعاني الدور الأممي في ليبيا من عدم وجود رؤية حاكمة لعملية التسوية؛ فبعد استقالة المبعوث السابق يان كوبيتش في نوفمبر 2021 حالت الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن دون الاتفاق على مبعوث جديد، وهو ما تم الاستعاضة عنه بتنصيب الدبلوماسية الأمريكية ستيفاني ويليامز مستشارةً للأمين العام في الشأن الليبي، والتي باءت جهودها بالفشل في قيادة عملية التسوية، في ضوء استحكام الخلافات بين مختلف أطراف الصراع.
وجسَّد تعيين المبعوث الجديد الحالي، السنغالي عبد الله باتيلي، في الأول من سبتمبر 2022، الولادة الصعبة لهذا المنصب الشاغر منذ نحو تسعة أشهر.
وبعد مرور أسبوعين من تعيينه، لم يعلن باتيلي عن رؤيته لقيادة عملية التسوية. وعلى الرغم من إمكانية الكشف عن هذه الرؤية خلال اجتماعات الدورة السنوية للأمم المتحدة، إلا أن هناك شكوكاً بشأن تعاون بعض الأطراف الفاعلة التي لم تُرحِّب بتعيين باتيلي؛ فعلى سبيل المثال، سبق لحكومة الدبيبة أن اعترضت رسمياً على تعيين باتيلي، باعتباره لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة؛ كما يشار إلى موقف الجزائر التي كانت تتمسك بتعيين وزير خارجيتها السابق صبري بوقادوم في هذا المنصب.
…
يتبع في الجزء التالي
***
بلال عبد الله ـ باحث غير مُقيم، متخصص في الشأن الليبي. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة حلوان، ودبلوم الدراسات الأفريقية من كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، يُعد حالياً رسالة الماجستير في نفس الكليَّة تحت عنوان “القبلية ومستقبل الدولة في ليبيا بعد 2011″. ومن دراساته المنشورة عن ليبيا “الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية“؛ و“الربيع الأمازيغي في ليبيا: بين مكتسبات الثورة وتحدي الانقسام“؛
______________
