إبراهيم بانغورا
بعد مرور أكثر من عقد على انتفاضة 2011، لا تزال جهود بناء السلام في ليبيا تعاني من عوائق جسيمة نتيجة التشرذم السياسي، والعسكرة، وهشاشة مؤسسات الدولة. فبينما أتاح سقوط نظام معمر القذافي فرصاً للتعددية السياسية، فقد أدى أيضاً إلى انهيار السلطة المركزية وظهور مراكز قوى متنافسة متعددة.
وبدلاً من انتقال واضح لما بعد النزاع، شهدت ليبيا أزمة طويلة الأمد اتسمت بالصراع المسلح، والنزاعات على الشرعية، والتدخلات الخارجية
رغم أن وقف إطلاق النار الشامل الذي أُعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2020 ساهم في الحد من الأعمال العدائية واسعة النطاق، إلا أنه لم يعالج التشرذم الأساسي للسلطة الذي لا يزال يعيق التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة .
في هذه المقالة، يُقصد ببناء السلام العملية طويلة الأمد لإعادة إرساء الحكم الشرعي من خلال الترتيبات الأمنية، والمؤسسات الفعّالة، والإدارة الاقتصادية المسؤولة، وآليات العدالة الموثوقة. لذا، يجب فهم بناء السلام في ليبيا ليس على أنه انتقال مباشر، بل كمسعى طويل الأمد للتفاوض على السلطة والحكم والمساءلة في ظل بيئة سياسية متشرذمة.
وقد أدى انهيار خارطة الطريق الانتخابية، ولا سيما عدم إجراء الانتخابات الوطنية المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021، إلى ترسيخ شرعية الحكم المتنازع عليها وإطالة أمد الفترة الانتقالية.
كان من أبرز عوائق بناء السلام عدم القدرة على إنشاء جهاز أمني موحد. فقد اندمجت الجماعات المسلحة التي ظهرت خلال نزاع عام 2011 بشكل عميق في أنظمة الحكم المحلي والأنظمة الاقتصادية، وغالبًا ما وفرت الأمن والوظائف وحل النزاعات في ظل غياب مؤسسات الدولة الفعالة.
ووفقًا لـ ووفرام لاشر ، طورت هذه الجماعات مصالح متباينة قاومت المركزية، مما أعاق جهود إصلاح القطاع الأمني. وأصبحت الميليشيات جهات فاعلة سياسية راسخة، زاد نفوذها من تعقيد مبادرات بناء الدولة.
أظهرت دراسة أجراها معهد كلينغندايل أن إدارة الأمن في ليبيا ذات طابع محلي للغاية. فغالباً ما تلعب المجالس البلدية وقادة المجتمع المحلي والوسطاء غير الرسميين دوراً أكبر في الحفاظ على النظام من السلطات الوطنية.
وفي بعض الحالات، نجحت الترتيبات المتفاوض عليها محلياً والنهج التشاركية في تحقيق السلام في الحد من العنف بشكل أكثر فعالية من الاتفاقيات السياسية الوطنية . وهذا يُبرز تحدياً رئيسياً أمام بناء السلام: إذ أن الاتفاقيات على المستوى الوطني يكون تأثيرها محدوداً إذا لم تتفاعل مع هياكل الحكم المحلي التي تتمتع بسلطة مطلقة على أرض الواقع.
لا تزال شرعية المؤسسات السياسية قضية حيوية أخرى. فمنذ عام 2014، شهدت ليبيا حكومات متنافسة، وتأجيلاً للانتخابات، وتكراراً للترتيبات الانتقالية. وقد أدت هذه التطورات إلى تراجع ثقة الشعب في العمليات السياسية الرسمية، وتعزيز الشعور بسيطرة النخب.
وتهدف خارطة الطريق التي وضعها منتدى الحوار السياسي الليبي، بتوجيه من الأمم المتحدة، إلى معالجة هذا التشرذم من خلال إنشاء سلطة تنفيذية انتقالية موحدة، ووضع مسار نحو إجراء الانتخابات . إلا أن التنفيذ كان متفاوتاً، ولا يزال التنافس السياسي يعيق الاستقرار المؤسسي.
ترتبط الحوكمة الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بديناميات الصراع في ليبيا. فاعتماد البلاد على عائدات النفط والغاز، إلى جانب ضعف آليات الرقابة، مكّن الجهات المسلحة والسياسية من استغلال البنية التحتية الاقتصادية لتحقيق مكاسب سياسية.
ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن توقف إنتاج النفط والحصار يعرقلان بشكل متكرر عمل المالية العامة، مما يزيد من حدة الصعوبات الاقتصادية ويعرقل تقديم الخدمات. ولا تقتصر هذه الإجراءات على تعميق المظالم فحسب، بل تخلق أيضًا حوافز لاستمرار الصراع، حيث يصبح التحكم في الأصول المالية أداةً للسلطة السياسية.
يُشير معهد إدارة الموارد الطبيعية إلى أن أوجه القصور في الشفافية والمساءلة في قطاع النفط والغاز الليبي قد عززت التنافس بين النخب بدلاً من دعم التنمية الوطنية. إن جهود بناء السلام التي تُهمل الحوكمة الاقتصادية تُخاطر بمعالجة الأعراض فقط بدلاً من الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. ولذلك، يُعد تحسين إدارة المالية العامة، وتعزيز مؤسسات الرقابة، وضمان توزيع أكثر عدلاً للإيرادات، عناصر أساسية لتحقيق سلام مستدام.
كان للتدخل الدولي أثر متفاوت على عملية بناء السلام في ليبيا. فبينما حالت الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة دون تصعيد واسع النطاق في لحظات حاسمة، أدى الدعم الخارجي للفصائل المتنافسة في كثير من الأحيان إلى تفاقم التشرذم.
ويؤكد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن التدخلات الأجنبية المتنافسة قوضت الوحدة الدبلوماسية وقللت من حوافز التوصل إلى حلول وسط بين الأطراف الليبية. ويتطلب تحقيق بناء سلام مستدام الابتعاد عن الوساطة الخارجية في موازين القوى والتوجه نحو دعم عمليات شاملة بقيادة ليبية.
تُشكل انتهاكات حقوق الإنسان والإفلات من العقاب عقبات إضافية أمام السلام. وتوثق تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش انتهاكات واسعة النطاق، تشمل الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري وانتهاكات الجماعات المسلحة وقوات الأمن.
وخلصت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن ليبيا إلى أن الإفلات المستمر من العقاب قد رسخ دوامات العنف وقوض فرص المصالحة . إن جهود بناء السلام التي تركز على الاستقرار قصير الأجل بدلاً من المساءلة تُنذر بتفاقم المظالم وتقويض شرعية المؤسسات المستقبلية.
لذا، تُعدّ العدالة الانتقالية ركيزة أساسية، وإن كانت غير مكتملة، لبناء السلام في ليبيا. فبينما تواجه عمليات المساءلة تحديات سياسية وأمنية، يُضعف غياب آليات العدالة الموثوقة الثقة في مؤسسات الدولة ويُفاقم الصراع المحلي. عمليًا، تتفاقم فجوات العدالة بسبب تشتت السلطة ونفوذ الجهات المسلحة على أنظمة الاحتجاز والترتيبات الأمنية المحلية، مما يُقيّد وصول الضحايا إلى سبل الانتصاف ويُثنيهم عن الإبلاغ.
ولذلك، يتطلب نهج عملي للعدالة الانتقالية أكثر من مجرد التزامات رمزية، إذ يجب أن يجمع بين مسارات محلية قابلة للتطبيق (كالتحقيق في الحقيقة، والتعويضات، والتدقيق في هوية مرتكبي العنف، والإصلاح المؤسسي) وآليات دولية مُوجّهة لا يُمكن للعمليات الوطنية أن تُفعّلها دون دعم خارجي.
ويظلّ التصدّي للانتهاكات السابقة من خلال مزيج من الآليات الوطنية والدولية أمرًا جوهريًا لإعادة بناء التماسك الاجتماعي واستعادة الثقة في الحكم.
يواجه بناء السلام في ليبيا تحديات جمة، منها انقسام السلطة، وتنازع الشرعية، والاستغلال الاقتصادي، والإفلات من العقاب المتجذر. ورغم أن هياكل الحكم المحلي والوساطة الدولية قد ساهمت في الحد من العنف في بعض المناطق، إلا أنها لم تعالج الأسباب الجذرية للصراع.
ويتطلب تحقيق سلام دائم جهوداً متواصلة في الإصلاح المؤسسي، والشفافية الاقتصادية، والعدالة، فضلاً عن عمليات سياسية شاملة تعكس الواقع الاجتماعي والإقليمي المعقد في ليبيا. وبدون معالجة هذه القضايا الجوهرية، من المرجح أن تبقى جهود بناء السلام هشة وقابلة للتراجع.
***
د. إبراهيم بانغورا ـ أستاذ مشارك في قسم دراسات السلام والصراع في كلية فورا باي، جامعة سيراليون. وهو حاليًا زميل زائر يتعاون مع الدكتور جون غليدهيل في قسم التنمية الدولية بجامعة أكسفورد ضمن برنامج زمالة الزيارة التابع لمبادرة أفريقيا وأكسفورد .
___________
![]()