بلال عبدالله

في منتصف يونيو الماضي، وقبل أيام من انتهاء أَجَل خارطة الطريق الليبية، نشر الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي، نجل ولي العهد السابق خلال الحقبة الملكية، مقالاً في صحيفة “وول ستريت جورنال” يطرح خلاله رؤيته لتجنُّب الفراغ السياسي الذي ينتظر الليبيين نتيجة فشل عملية التسوية؛ وتتلخص رؤيته في إعادة إحياء النظام الملكي، وتفعيل دستور الاستقلال مرة أخرى.
وبعد نحو أسبوعين، زار السنوسي تركيا، حيث التقى هناك بالسفير القطري لدى أنقرة، ليُثير بذلك تساؤلات حول احتمالية وجود مشروع سياسي جاد في هذا الاتجاه، وما إذا كان قد يمثّل أحد البدائل القوية لتسوية الصراع.
لم يظهر الطرح الداعي لعودة الملكية من العدم أو بشكل مفاجئ، فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت ليبيا في شكل متقطع مظاهر متنامية على وجود حراك ينادي بالعودة إلى النظام الدستوري الملكي، بوصفها مخرجاً من الأزمة المستحكمة لعملية الانتقال السياسي في ليبيا.
وما يلفت النظر إلى هذا الحراك، وجود أطراف أخرى لا تنتمي إليه تطالب بالعودة إلى دستور 1951 الذي كان معمولاً به خلال الحكم الملكي؛ كما أن الظهور المتكرر للأمير محمد السنوسي، لاسيما في المناسبات الوطنية، يوفر الرمزية اللازمة لإمكانية حشد وتنظيم صفوف أنصار النظام الملكي إذا لزم الأمر.
لكن في المقابل تظل هناك تحديات جمَّة تواجه نمو هذا الحراك، وقدرته على تحقيق مكاسب جوهرية باتجاه تحقيق المطالب التي ينادي بها أنصار النظام الملكي.
تُسلِّط هذه الورقة الضوء على مظاهر تنامي المطالبة بعودة المَلَكية مرة أخرى وحدود هذا الحراك؛ وأبرز المقومات والمعوّقات المرتبطة به؛ وآفاقه المستقبلية.
أبعاد الحِراك وحدوده
على رغم تزايد فعاليات الحراك الداعي لعودة الملكية خلال الأشهر الماضية، فإنَّه لا يمكن الزّعم بأن الأصوات الداعمة لهذه المطالب كانت غائبة عن المشهد السياسي خلال سنوات الانتقال السياسي المتعثّر، أو أنها وليدة اللحظة الراهنة فقط. ويمكن الإشارة إلى أبرز مظاهر نشاط هذا التيار خلال السنوات الماضية من خلال النقاط التالية:
أولا: الإطار التنظيمي
ـ شهد عام 2014 ما عُرف بـ“حراك العودة للشرعية الدستورية” ، الذي أطلقه عدد من السياسيين والأعيان، حيث نظّم أعضاء الحراك عدة تظاهرات على مدار الأعوام التالية في كل من طرابلس وطبرق والبيضاء وبنغازي والكفرة وزليتن؛
ـ ثم بدأ أنصار الملكية في تنظيم أنفسهم في “المؤتمر الوطني لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكية“، حيث انعقد المؤتمر في نسخته الأولى في مدينة غريان غرب البلاد في اليوم الأخير من أكتوبر 2017،
ـ ثم انعقد مؤتمر آخر بمدينة البيضاء في المنطقة الشرقية خلال شهر ديسمبر من نفس العام؛
ـ أما العاصمة طرابلس فقد احتضنت مؤتمرات عدة على مدار السنوات الماضية، كان أولها في أبريل 2018، وأحدثها في يونيو 2022.
ثانيا: الانتشار الجغرافي
من الصعب تحديد مراكز ثقل هذا التيار بدقة، لكن يُمكِن الاسترشاد بالظهور المتزامن لمؤيدي الملكية في عدة مدن للالتفاف حول حدث محدّد؛ فقد شهد شهر سبتمبر 2022 تنظيم وقفات مؤيدة للملكية داخل العديد من المدن، تضمنت صدور بيانات تدور حول ذات المضمون الداعي لتفعيل دستور الملكية وتنصيب الأمير محمد السنوسي ملكاً للبلاد؛
ففي البداية صدر في 5 سبتمبر البيان الرئيس من العاصمة طرابلس، وتبع ذلك قيام نشطاء وأعيان في مدن مختلفة بإصدار بيانات مؤيدة لبيان طرابلس وتتبنى نفس المطالب، وذلك عبر فيديوهات مصورة بُثَّت على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وتتمثل المدن أو البلديات في كل من سوق الجمعة (طرابلس)، والزاوية، وزليتن، وتاجوراء، وطبرق، والكفرة، وجالو، وصرمان، ومسلاتة، والخمس.
ويُلاحَظ أن أغلب هذه المدن شهدت خلال سنوات سابقة فعاليات مختلفة لهذا التيار؛ ويُلاحَظ أيضاً غيابُ مدن المنطقة الشرقية، باستثناء طبرق والكفرة، عن تنظيم الفعاليات خلال المرحلة الحالية، رغم العلاقة التاريخية بين قبائل برقة وبين النظام الملكي.
ثالثا: العملية السياسية
اتسم ظهور مُمثلي التيار الملكي، أو طرح أفكاره، خلال مجريات عملية التسوية بالمحدودية الشديدة، فيما يمكن وصفه بالظهور “الخجول“. ويمكن القول بأن الظهور الرئيس يتمثل في الدفع بمقترح العودة إلى دستور الاستقلال، بوصفهِ مَخرجاً من حالة الانسداد السياسي المزمنة، واستعصاء مباحثات المسار الدستوري، وآخر تلك المقترحات هي التي تقدم بها 30 عضواً من أعضاء مجلس النواب في الأول من أكتوبر الجاري، حيث طالبوا بعرض دستور 1951 للتداول في جلسة خاصة للمجلس؛
كما سبق أن طالب 13 عضواً من أعضاء لجنة المسار الدستوري، في يونيو الماضي، بإحالة دستور 1951 غير المعدّل إلى مجلسيّ النواب والدولة للتصويت عليه، باعتبار ذلك أقصر الخيارات العملية المتاحة لإنهاء أزمة إقرار دستور للبلاد.
وبخلاف المسألة الدستورية، تقتصر مشاركة دعاة عودة الملكية في عملية التسوية على بعض اللقاءات التشاورية إبان فترة شغل غسان سلامة منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، مثل مشاركة هذا التيار في جلسات الحوار التي انعقدت تحت مظلة الملتقى الوطني الجامع، أو لقاء مُمثلي هذا التيار مع نائبة المبعوث الأممي وقتها ستيفاني ويليامز.
على خلاف مختلف المشاريع السياسية المتنافسة في ليبيا، لا يعتمد مشروع عودة الملكية على الأدوات العسكرية في محاولة الوصول للسلطة، بل على النقيض من ذلك، فإن المشروع يتغذى أساساً على فشل مختلف أطراف الصراع في فرض إرادتهم بالقوة.
…
يتبع في الجزء التالي
***
بلال عبد الله ـ باحث غير مُقيم، متخصص في الشأن الليبي. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة حلوان، ودبلوم الدراسات الأفريقية من كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، يُعد حالياً رسالة الماجستير في نفس الكليَّة تحت عنوان “القبلية ومستقبل الدولة في ليبيا بعد 2011″. ومن دراساته المنشورة عن ليبيا “الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية“؛ و“الربيع الأمازيغي في ليبيا: بين مكتسبات الثورة وتحدي الانقسام“؛
______________
