عبد الرفيع زعنون

الإطار التشريعي والمؤسساتي للحق في الوصول إلى المعلومات 

يعتبر الأردن أول دولة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وضعت تشريعًا خاصًا بحماية الحق في الحصول على المعلومات، وذلك بموجب القانون رقم 47 لسنة 2007 الذي اعترف بحق كل مواطن في الوصول إلى المعلومات الحكومية، مع التنصيص على آليات إجرائية لتنفيذ القانون كإقامة مجلس للمعلومات مكلف بتدبير طلبات الحصول على المعلومات، مع إتاحة إمكانية الطعن في قرارات الرفض أمام المجلس ومحكمة العدل العليا.

ورغم المحاولات المتتالية لإدراج بعض التعديلات ضمن مساعي الملاءمة مع تبعات انضمام الأردن للشراكة العالمية من أجل الحكومة المفتوحة؛ فإن النسخة المعدَّلة للقانون لم يصادِق عليها مجلس الأمة سوى في مارس 2024، إذ ألزمت كل الدوائر الحكومية بمبدأ الكشف الاستباقي عن المعلومات، وبفهرسة وتنظيم المعلومات وبتعيين موظفين مؤهَّلين لتلقي طلبات الحصول على المعلومات ومتابعتها، بالإضافة إلى التأكيد على تجاوز الطابع الورقي الذي طالما شكَّل قيدًا تقنيًا في وجه طالبي المعلومات العمومية.

من الناحية التاريخية، تعد تونس ثاني الدول العربية في تقنين حق الوصول إلى المعلومات بموجب المرسوم رقم 41 لسنة 2011 الخاص بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية، ثم دستور 2014 الذي أكد –في الفصل 32– على دور الدولة في ضمان الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة وإلى شبكات الاتصال، والذي شكل بدوره أساسًا لوضع القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016،

والذي تضمن عدة مقتضيات لتنظيم ممارسة هذا الحق، من بينها إلزام الإدارات العمومية بترتيب وتحديث المعلومات القابلة للاستعمال ووضعها على ذمة العموم، وتدقيق مسطرة النفاذ إلى المعلومة بناء على طلب فيما يتعلق بتيسير إجراءات الإيداع والمواكبة واختصار الآجال وتوضيح مساطر الاستئناف والطعن، إلى جانب التوصية بتأسيس هيئة عمومية مستقلة للإشراف على إنفاذ الحق في المعلومة، قبلما يعيد دستور 2022 التأكيد على دور الدولة في ضمان الوصول إلى المعلومات بموجب الفصل 38، لتصبح تونس الدولة العربية الثانية التي عملت على دسترة حق الوصول للمعلومات بعد المغرب.

ضمن دائرة الدول العربية كان المغرب سباقًا إلى دسترة حق الوصول إلى المعلومات، بموجب الفصل 27 من دستور 2011، الذي حاول التماهي مع التوجه العالمي الداعي لكشف تدبير الشأن العام لمصلحة المواطنات والمواطنين.

في ضوء ذلك صدر القانون رقم 31.13 الذي كفل عدة ضمانات لإتاحة المعلومات للعموم، من بينها إلزام الهيئات العامة بالكشف عن جميع المعلومات الممسوكة لديها وعدم إمكانية الحد من هذه الفرضية سوى في حدود ضيقة جدًا، مع التمييز بين النشر الاستباقي الذي تكون الإدارة ملزمة بموجبه بنشر الحد الأقصى من الوثائق والمعلومات التي تتحصل عليها، وبين النشر التفاعلي من خلال عدة تدابير لمتابعة طلبات الحصول على المعلومات؛ كتصميم منصات متخصصة وتعيين أشخاص مكلفين بتلقي طلبات الحصول على المعلومات ودراستها ومعالجتها.

كما تضمن التأكيد على إحداث لجنة مختصة تعمل تحت إشراف رئيس الحكومة لضمان التفعيل الأمثل للحق في المعلومة، وذلك من خلال البت في الطعون والشكاوى المقدَّمة من طالبي الحصول على المعلومات، وإصدار توصيات وتقارير لتحسين جودة مساطر الحصول على المعلومات، وكذا تقديم الاستشارة والخبرة للمؤسسات والهيئات المعنية.

وكانت الكويت أول دولة خليجية تُنظِّم حق النفاذ إلى المعلومة، بموجب القانون رقم 12 لسنة 2020، والذي أطَّر مسطرة الاطلاع على المعلومات والوثائق الإدارية من التقديم والبت إلى المعالجة والطعن، كما وسع من وعاء المستفيدين منه بعدم اشتراط صفة المواطنة في طالب المعلومات وبعدم التمييز بين الأشخاص المعنوية والطبيعية مكتفيًا بتوافر شرط المصلحة.

وخلافًا لبقية التجارب العربية التي عملت على مأسسة نظام الحصول على المعلومات؛ لم ينص التشريع الكويتي على أية هيئة متخصصة لضبط عمليات الاطلاع على المعلومات العمومية، وإنما تم تكليف وزارة الإعلام بالإشراف على جميع التدابير ذات الصلة.

وبتتبع التأصيل التشريعي للحق في المعلومة بالدول المذكورة، تتراءى محاولة الانضباط للالتزامات الدولية، وخاصة فيما يتعلق بتوسيع مجالات النشر التلقائي الذي يُعد مؤشرًا فعليًا لقياس مدى احترام السلطات العمومية للتدفق الحر للمعلومات، وكذا التنصيص على آليات لِمواكبة طالبي المعلومات ولِحث الإدارات العمومية على إتاحة ما يتوفر لديها من معطيات عبر شتى الوسائل.

لكن في المقابل، لا تزال ثمة هوة سحيقة تفصل التشريعات العربية عن الإطار المعياري الدولي وعن الممارسات الفضلى عبر العالم، في ضوء التصنيفات الخاصة بفحص مدى امتثال القوانين الوطنية للمعايير الدولية لحرية المعلومات، وفي مقدمتها التصنيف الخاص بتقييم جودة القوانين المنظِّمة للوصول إلى المعلومات ، الذي يشرف عليه مركز الديمقراطية والقانون بالتعاون مع المركز الأوروبي للولوج إلى المعلومات، وهو التصنيف الذي أضحى معتمَدًا لدى معظم المؤسسات الدولية، وخاصة شبكات الأمم المتحدة والجهات المانحة.

القراءة العامة لهذا التصنيف تشير إلى حصول بعض الدول العربية على علامات تقارب مثيلاتها في بعض البلدان المتقدمة في حرية المعلومات، فالمغرب يُصنَّف ضمن خانة إسبانيا وتركيا، فيما تقترب الأردن والكويت من تحصيل معدل فرنسا، بينما تجاوزت تونس حسب هذا المؤشر اليابان، التي دسترت الحق في المعلومة منذ سنة 1974.

لكن من خلال التأمل في التفاصيل، يبدو أن هذا التقدم يعود لبعض المعايير الفرعية التي تدخل في احتساب المؤشر العام لجودة تشريعات الوصول إلى المعلومة؛ كالتنصيص على الطابع المستقل لهيئة المعلومات وتضييق الاستثناءات وتوضيح الضمانات المِسطرية في تونس، وتوسيع نطاق تطبيق القانون بالأردن والكويت، والاعتراف الدستوري المبكِّر بالحق في المعلومة في المغرب.

بينما على مستوى الجوانب الإجرائية لقياس جودة التأطير التشريعي لحرية وعدالة الولوج إلى المعلومات العمومية؛ فإن معظم التجارب العربية تُسجِّل تأخرًا بارزًا ، بما في ذلك غياب نظام خاص بالعقوبات، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، فضلًا عن غموض معايير تصنيف المعلومات.

ومن جوانب القصور الأخرى، التوسع في الاستثناءات الواردة على الحق في المعلومة؛ فالقانون المغربي لم يكتف باستثناء المعطيات المتعلقة بالدفاع الوطني وبأمن الدولة، وإنما أضاف حدودًا أخرى من شأنها التضييق على نطاق التمتع بهذا الحق الدستوري، كالضرر المحتمل بالسياسة النقدية أو الاقتصادية أو المالية للدولة، واشتراط عدم استعمالها لأغراض غير مشروعة وألا يتم تحريف مضمونها، دونما يضع أي ضوابط لتأطير الاستثناءات حسبما أوصت مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول مشروع القانون رقم 31.13.

 كما أن عدم احتواء هذا القانون على أي معايير موضوعية لتحديد احتمالات الضرر والإساءة، يمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة للتنصل من مسئوليتها في تقديم المعلومات المطلوبة، في ظل عدم ترتيب القانون لأية متابعة قضائية وتأديبية بحق الشخص المكلف بتسليم المعلومات.

بينما في المقابل نص المشرع الأردني، إلى جانب استثناءات فضفاضة كعدم المساس بالمصلحة العامة والأمن العام، على أسبقية التشريعات النافذة على المقتضيات التي جاء بها القانون عدد 47 بموجب المادة السابعة منه، تتساوى في ذلك القوانين التي صدرت في السابق أو التي تلت صدور قانون ضمان حق الحصول على المعلومات، وخاصة القانون عدد 50 لسنة 1971 المتعلق بحماية أسرار ووثائق الدولة، والذي يقيد بدوره –إلى حد بعيد– حرية تداول المعلومات في ظل غياب أية آلية لتصنيف الوثائق والمعطيات «السرية».

بالإضافة إلى قرابة أربعين نصًا تشريعيًا يُورد تقييدات واسعة على الحق في المعلومة ويُكرس حجب وسرية المعلومات، كقانون المطبوعات وقانون الإحصاءات العامة وقانون الجرائم الإلكترونية ناهيك عن القوانين ذات الصلة بتنظيم المؤسسات الأمنية.

الحال نفسه بالنسبة للتشريع الكويتي، والذي نص بدوره على عدم تعارض قانون الاطلاع على المعلومات مع التشريعات النافذة التي تكرس الطابع السري للبيانات العمومية، تارة بصيغة صريحة وتارات أخرى بشكل ضمني.

كما أمعن القانون رقم 12 في تعداد الاستثناءات لدرجة أنها تكاد تصبح هي القاعدة والعلنية هي الاستثناء؛ إذ بالإضافة إلى الاستثناءات العشر الواردة في المادة 12 التي تستبعد المعلومات المرتبطة بالأمن الوطني والأسرار الشخصية والتجارية والصناعية، تم التأكيد على حق مجلس الوزراء في اعتبار كل معلومة سرية بموجب قرار إداري يحدد فيه الحيثيات والمبررات بعد الاستماع لعرض الوزير المعني.

ورغم كون التشريع التونسي الأكثر اقترابًا من المعايير الدولية داخل المنطقة العربية، بحكم حصره للاستثناءات في الأمن القومي والدفاع الوطني والعلاقات الخارجية والبيانات الخاصة بالأفراد؛ فإن التنصيص على توافر شرطي المصلحة العامة والضرر بدون أي تحديد واضح من شأنه إبطال المفعول الإصلاحي للنص التشريعي في تكريس حرية المعلومات، كما أنه قد يمنح السلطات مُسوِّغا لرفض النفاذ إلى المعلومة.

يرتبط جزء من توسع مجال الاستثناء بكيفية وضع تشريعات الحق في المعلومة، التي صِيغت في الغالب على هوى السلطة التنفيذية؛ إذ جاءت جميع القوانين العربية بمبادرة حكومية. ففي المغرب، ورغم وجود مقترح قانون تقدم به الفريق الاشتراكي بمجلس النواب؛ فقد استفردت الحكومة بالتشريع في مجال الوصول إلى المعلومات.

وفي بقية التجارب العربية، لم تقم البرلمانات بأي دور يذكر في تطوير مشاريع القوانين، وإنما العكس هو ما حدث حصل؛ ففي الأردن مارس مجلس النواب دورًا سلبيًا بتقديم تعديلات فاقمت من القيود التي تضمنها مشروع قانون الحصول على المعلومات،

ناهيك عن التسرع في تمرير مشاريع القوانين التي لم تستغرق مناقشتها سوى نصف ساعة . بينما لم يحظ القانون التونسي بمناقشة تفصيلية تسمح لنواب الشعب بتقوية الضمانات وتدقيق الالتباسات، كما لم تُواكَب محاولات التأصيل التشريعي بأي نقاش عمومي معمق.

بالإضافة إلى ذلك، نصت بعض التشريعات على حق السلطة التنفيذية في تفسير وإتمام بعض المقتضيات بموجب نصوص تنظيمية، كما هو الحال مع المادة 12 من القانون الكويتي التي منحت الحكومة سلطة تقديرية واسعة في التمييز بين الطابع السري وغير السري للمعلومات بموجب لائحة تنفيذية.

من بين العوامل الأخرى محدودية التدابير الترويجية والتثقيفية، وما خلفته من تضييق نطاق الوعي بآليات الوصول إلى المعلومات. ففي الأردن أبرز بحث استقصائي أن نصف الموظفين الحكوميين لا يعلمون أي شيء عن مقتضياته وأكثر من 40% من الصحفيين لا علم لهم بوجوده؛

رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على صدور القانون. كما أظهرت دراسات أخرى الأثر المباشر لتهميش دور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني وكذا تقاعس السلطات المعنية في تدني الوعي الشعبي بثقافة الوصول إلى المعلومات.

وفي المغرب أبرزت دراسة ميدانية حديثة أن قرابة 70% من المواطنين لا يمتلكون أية دراية بوجود قانون متعلق بحق الوصول إلى المعلومات، في مقابل 28% يمتلكون معرفة محدودة، بينما لا تتجاوز نسبة المطلعين على أحكام القانون رقم 31.13 نسبة 2%.

 الأمر الذي يطرح على المحك الطابع النخبوي للتشريعات المُؤطِّرة للحق في المعلومة باعتبارها حق دستوري ينبغي أن يشمل الجميع، وكذا بشأن مدى كفاية وتناسب الفعاليات التواصلية، وما يترتب عن ذلك من تداعيات على نطاق الاستفادة من هذا الحق.

_______________

مواد ذات علاقة