بلال عبد الله

مع مطلع عام 2025، اتّسم الملف الليبي بحالة من الفراغ والجمود، بعد مرور ثمانية أشهر على استقالة المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، في أعقاب فشل مقاربته المقترحة للتسوية.
ومع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، بالتزامن مع تعيين هانا تيته مبعوثةً للأمم المتحدة، استعاد الملف تدريجيًا زخمَه خلال عام 2025. وعكس هذا التحوّل اهتمامًا متجددًا وملموسًا من إدارة ترمب، إلى جانب جهود تيته، لصياغة إطار جديد لحلّ الصراع.
ومع بداية عام 2026، تبدو ليبيا وكأنها تقف على أعتاب اختراقٍ محتمل قد يفضي إلى تقدّم ملموس نحو إنهاء الانقسام السياسي. وفي هذا السياق، يبرز سؤالٌ محوري حول ما إذا كانت المبادرات الأميركية والأممية تتقارب أم تتباعد في دفع مسار التسوية.
التحركات الأميركية والاستجابة الليبية
يرتبط النهج الأميركي تجاه ليبيا ارتباطًا وثيقًا بالمنطق الاقتصادي الأوسع الذي يحكم سياسة إدارة ترمب الخارجية، حيث تُقاس المصالح الأميركية في النزاعات المختلفة غالبًا بمنظارٍ اقتصادي.
وفي هذا الإطار، تتشكّل رؤية ترمب لليبيا أساسًا من كونها دولةً منتجة للنفط. ويستحضر ذلك تصريحًا سابقًا له إبّان تدخل الناتو، حين قال إن الولايات المتحدة «تستحق نصف عائدات نفط ليبيا» مقابل إسقاط معمر القذافي. لكن ماذا يمكن أن يقدمه الرئيس ترمب لليبيا المنقسمة بعمق؟ وإلى أي مدى يخدم ذلك المصالح الليبية؟
أظهرت التجربة خلال السنوات الأخيرة المخاطر التي يفرضها التفكك المؤسسي على مصالح الفاعلين الخارجيين، ومنها إغلاقات إنتاج النفط وصعوبة إبرام صفقات كبرى. وفي ضوء هذا النمط من التفاعل، فإن تحقيق مكاسب اقتصادية في ليبيا يتطلب السير على مسارين متوازيين:
-
معالجة الانقسامات القائمة وآثارها السلبية على بيئة الاستثمار من جهة.
-
والشروع، في الوقت نفسه، في إبرام صفقات اقتصادية مع السلطات الليبية من جهة أخرى.
وسرعان ما أدرك أصحاب النفوذ في شرق ليبيا وغربها هذا النهج القائم على المصالح والجذور الاقتصادية، فسعوا إلى الاصطفاف المبكر مع المصالح الأميركية قبل التقدّم بأي محطات متصلة بالتسوية.
عمليًا، تحركت حكومة الدبيبة في طرابلس بسرعة لتفعيل هذا التوجّه. ففي مارس/آذار 2025، أطلقت المؤسسة الوطنية للنفط أول جولة تراخيص نفطية منذ 18 عامًا. وتُظهر البيانات المتاحة حول الشركات المرشّحة أن شركات أميركية، غابت عن ليبيا لأكثر من عقد، كانت من أبرز المستفيدين.
وفي أغسطس/آب، وقّعت المؤسسة مذكرة تفاهم مع «إكسون موبيل» لإجراء مسوحات جيولوجية وجيوفيزيائية تستهدف الهيدروكربونات في أربعة مربعات بحرية قبالة الساحل الشمالي الغربي وفي حوض سرت.
وأخيرًا، في يناير/كانون الثاني 2026، أبرمت ليبيا صفقة تطوير تاريخية تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار مع «كونوكو فيليبس» و«توتال إنرجيز».
وخلال زيارة مسعد بولس إلى طرابلس في يوليو/تموز 2025، عرضت حكومة الدبيبة شراكة اقتصادية استراتيجية بقيمة 70 مليار دولار. ويُعد بولس مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا والمسؤول الأكثر نشاطًا في ملف ليبيا.
وفي الوقت نفسه، أبدى فاعلون من شرق ليبيا اهتمامهم بالتعاون الاقتصادي مع إدارة ترمب، وهو ما تجلّى في زيارة نجلي المشير خليفة حفتر، صدام وبلقاسم، إلى واشنطن أواخر أبريل/نيسان، حيث شارك بلقاسم، بصفته رئيس صندوق إعادة إعمار ليبيا، في منتدى ليبيا، الولايات المتحدة للتنمية وإعادة الإعمار، ووقّعت خلاله بروتوكولات تعاون عدة مع شركات أميركية.
واصلت الإدارة الأميركية الدفع بمقاربتها للتسوية. فإلى جانب الانخراط مع السلطات الفعلية في طرابلس وبنغازي، عبر زيارات رسمية أو عبر الاجتماع السري المزعوم في روما في سبتمبر/أيلول 2025 بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة بحضور مسعد بولس، حافظت واشنطن على الضغط على الأطراف المتنافسة لاتخاذ خطوات ملموسة نحو إنهاء الانقسام السياسي.
وفي مقابلة مع «بلومبرغ» بتاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قال بولس إن الجهود تتسارع للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الانقسام القائم منذ 2011، واصفًا اللحظة بأنها مواتية لتسوية تضمن الاستقرار.
وسرعان ما تُرجمت هذه الجهود عمليًا بتوحيد «باب التنمية» في الميزانية العامة، وهي خطوة جاءت بوساطة أميركية، كما أكد أحد أعضاء المجلس الأعلى للدولة. كما عزّزت رسالة ترمب بمناسبة عيد الاستقلال إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي هذا المسار، مشددةً على ضرورة إنهاء الانقسام وتوسيع التعاون مع الشركات الأميركية لخلق فرص اقتصادية مشتركة.
مبادرات الأمم المتحدة والاستجابة الليبية
على خلاف النهج الأميركي الذي يركّز على إنهاء الانقسامات المؤسسية والسياسية، تروّج جهود الأمم المتحدة باستمرار لرؤية تسوية شاملة تنتهي بإجراء انتخابات عامة وإنشاء مؤسسات تمثيلية تعكس الشرعية الشعبية. وضمن هذا الإطار، يُنظر ضمنيًا إلى السلطات القائمة باعتبارها جزءًا من المشكلة لا أطرافًا محايدة.
وتكمن المفارقة المركزية في مقاربات المبعوثين الأمميين المتعاقبين في أن تصميمها يهدف إلى فكّ ارتباط العملية السياسية بالسلطات الفعلية المتجذّرة، لكن التنفيذ يصطدم بمبدأ أن أي حل يجب أن يكون «ليبيًا – ليبيًا» وغير مفروض من الخارج.
عمليًا، استُخدم هذا الشعار، المبدئي ظاهريًا، بصورة مُضلِّلة من قبل أطراف مستفيدة من الوضع القائم، ما أوجد معضلة دائرية: فالتسوية تهدف إلى استبدال السلطات القائمة عبر الانتخابات، لكن تحقيق ذلك يتطلب تعاون السلطات نفسها التي يُعدّ إزاحتها شرطًا مسبقًا.
وبناءً على ذلك، كان الفشل في كثير من الأحيان نتيجة شبه حتمية للمقاربات المتّبعة. ولتفادي هذا المصير، لوّح المبعوث الأممي مرارًا أمام مجلس الأمن بإمكانية اللجوء إلى هيئات سياسية بديلة إذا فشلت الكيانات الرسمية في توفير التعاون الكافي.
ورغم عدم الكشف رسميًا عن هذه البدائل، يمكن تحديد عدد من الفاعلين ذوي «شرعية ثانوية» يتموضعون على هامش دائرة صنع القرار المركزي، ويُسند إليهم أدوار تكميلية.
ومن بين هؤلاء «اللجنة الاستشارية» التي أنشأتها بعثة الأمم المتحدة بعد تولّي تيته منصبها بفترة وجيزة، وقد أصدرت تقريرها النهائي في أبريل/نيسان، متضمنًا مقترحات لتجاوز نقاط الخلاف المتجذّرة في مسار التسوية.
كما يُعدّ «الحوار المهيكل» الذي أُطلق في ديسمبر/كانون الأول 2025، ويتكوّن من أربعة مسارات، مثالًا آخر.
ففي إحاطتها لمجلس الأمن في ديسمبر، أشارت تيته إلى أن توصيات هذا الحوار ستُستخدم لدفع عملية التسوية، بما قد يوفّر شرعية للإجراءات التي تتخذها البعثة لمواجهة تعنّت الفاعلين السياسيين الرسميين. إضافةً إلى ذلك، قد توفّر المجالس البلدية المنتخبة حديثًا شرعية بديلة للضغط على الهيئات الوطنية، نظرًا لتمتعها بشرعية انتخابية حقيقية.
وأبدت السلطات الليبية موقفًا تصادميًا مبكرًا، حتى قبل بلوغ المراحل الأكثر حساسية في مسار التسوية. فقد نُظّمت عدة تظاهرات أمام مقر البعثة في جنزور طوال عام 2025. كما تعرّض مقر البعثة لهجوم صاروخي خلال الإحاطة الدورية للمبعوثة إلى مجلس الأمن في أغسطس/آب. وفي شرق ليبيا، هدّد رئيس الحكومة المكلفة من بنغازي أسامة حماد بقطع التعاون مع البعثة بالكامل.
وعلى الرغم من تلميحات تيته المتكررة إلى اللجوء لآليات بديلة في حال عدم تعاون الأطراف الرسمية، لا يزال كلّ من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يُظهران قدرًا كبيرًا من التعنّت إزاء القضايا التي تتطلب توافقًا، مثل شغل المناصب السيادية وإعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
كما رفض رئيسا المجلسين مبادرة فرنسية لعقد اجتماع مشترك خلال زيارتهما باريس في ديسمبر. وتشير معظم المؤشرات إلى استمرار مساعي هذه الأطراف لعرقلة الزخم الذي أطلقته مبادرة تيته.
أين نقف؟
في ضوء التباين بين المقاربتين الأميركية والأممية، يبرز سؤالٌ مهم حول ما إذا كان هذا التباين سينتج آثارًا سلبية أم إيجابية على مسار التسوية. تتقاطع الأهداف الأميركية إلى حدّ كبير مع خارطة الطريق الأممية في مراحلها الأولى، ولا سيما ما يتصل بإنهاء التفكك المؤسسي وتشكيل حكومة موحّدة.
وفي هذه المرحلة، تسعى بعثة الأمم المتحدة إلى الاستفادة من الضغط الأميركي على الفاعلين الليبيين لتحقيق تقدّم. غير أن نقطة تباعد قد تظهر في مرحلة لاحقة بين الجهد الأممي والدور الأميركي.
وإدراكًا لهذا التباين، سعى الفاعلون الليبيون إلى فصلٍ انتقائي بين الدورين الأميركي والأممي، وهو ما انعكس في استجاباتهم المتمايزة لكل مسار. وأوضح مثال على ذلك اتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على توحيد بند التنمية في الميزانية العامة.
فهذا الهدف ظلّ بعيد المنال لسنوات رغم الجهود الأممية، وفي ظل تصعيد مستمر بين المجلسين جعل اجتماعات قيادتيهما مستحيلة، غير أن الوساطة الأميركية نجحت في دفع المجلسين إلى توحيد بند التنمية، بما يُرجّح الحدّ من الإنفاق الموازي وتعزيز الحوكمة المالية.
وقد يكمن خطأ تقدير الفاعلين الليبيين في تفسير ضيّق لتفضيل الولايات المتحدة التعامل مع أصحاب النفوذ الفعليين—وهو تفسير لا يعني بالضرورة الإبقاء على الوجوه الحالية أو منحها حرية مطلقة.
فبينما قد يكون إقصاء عائلة حفتر بالكامل أمرًا صعبًا، فإن إصلاحات مالية، وتعزيز المؤسسات الوطنية، وعزلها عن الصراع السياسي، قد تُقلّص دور العائلة بشكل كبير وتحصره أساسًا في المجال العسكري، فضلًا عن تقييد نفوذها الاقتصادي غير المنضبط وحصره ضمن حصة محددة داخل حكومة موحّدة.
وينطبق المنطق ذاته على عبد الحميد الدبيبة، الذي شهدت طرابلس ومصراتة احتجاجات ضده أواخر 2025، وتفاقم ذلك مع تكهّنات حول أزمته الصحية مطلع 2026 وما قد يرتبط بها من سيناريوهات خروجه من السلطة.
أما حدود التقدّم في مسار التسوية بعد تشكيل حكومة موحّدة، أو على الأقل معالجة الآثار السلبية للانقسام على المؤسسات المالية الوطنية، فيمكن تناولها من زاوية الفلسفة التي تحكم الإدارة الدولية لعملية التسوية.
فبعد نحو خمسة عشر عامًا على إسقاط القذافي، يمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل متقاربة زمنيًا:
-
خلال السنوات الخمس الأولى، جرى الرهان على الحلول الانتخابية، ما أسفر عن انقسام لا تزال آثاره قائمة، مع صعوبة إحياء الخيار الانتخابي كوسيلة فعّالة لحل النزاع.
-
وتميّزت المرحلة الثانية بحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، التي خرجت من مفاوضات شاقة سرعان ما تعرّضت لانتكاسات، ورغم ذلك حافظ المجتمع الدولي على الاعتراف بشرعيتها، ما مكّن السراج من دخول طرابلس في مارس/آذار 2016 والبقاء في الحكم خمس سنوات.
-
ثم أعقب ذلك، في فبراير/شباط 2021، ظهور المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة كحلّ «هجين» يجمع بين الانتخاب والتوافق. ورغم تجدّد الانقسام، لا يزال المجتمع الدولي يتمسّك بشرعية هذه السلطة بعد خمس سنوات.
يبدو أن هناك نمطًا لدورات حكم مدتها خمس سنوات في ليبيا، يرتكز أساسًا على الاعتراف الدولي بالسلطات في طرابلس. وقد جُرّبت خلال هذه الدورات حلول انتخابية وتوافقية ثم «هجينة»، لكنها جميعًا فشلت في حلّ الصراع.
فما الذي قد يأتي لاحقًا؟
ينقسم الزخم الحالي لمسار التسوية بين فاعلين، لكلٍ منهما مقاربة متناقضة:
-
تميل إدارة ترمب إلى حلّ توافقي قائم على تقاسم السلطة.
-
بينما تظل بعثة الأمم المتحدة متمسكة بتفضيلها الكلاسيكي للمسار الانتخابي.
قد لا يكون الخروج المباشر من هذا المأزق ممكنًا من داخل مسار التسوية ذاته. فتلويح المبعوثة بخيارات «بديلة» قد يفتقر إلى الانسجام مع توازنات القوى الدولية، خصوصًا إذا لم يحظَ بدعم الإدارة الأميركية. وفي أفضل الأحوال، قد يُستخدم هذا الخيار فقط للتوصل إلى توافق حول سلطة انتقالية جديدة أخرى.
ومن المرجّح أن يتوقف مزيد من التقدّم على تلاقي مجموعة من عوامل الضغط:
أولها احتمال نجاح المقاربة الأميركية في الحوكمة المالية، بما قد يحدّ من قدرة شاغلي المناصب على شراء الدعم الاجتماعي، ويُضعف شبكات الزبائنية، ويدفع الفاعلين الاجتماعيين إلى تفضيل حلول انتخابية تمثّل مصالحهم بصورة أفضل.
وقد تؤدي تراجعات أسعار النفط العالمية إلى تعزيز هذا الأثر عبر تقليص الإيرادات العامة وتقييد تمويل المصرف المركزي غير المنضبط للحكومتين المتنافستين.
العامل الثاني يتمثل في احتمال مبالغة الفاعلين الليبيين في المناورات التكتيكية، وسوء تقدير قدرة كل طرف على تعطيل التسوية، وتقديم تنازلات محدودة، ما قد يدفع القوى الكبرى إلى دعم ترتيبات جديدة وتهميش القيادات الحالية.
أما العامل الثالث فيتعلق بإمكانية أن تتبنى واشنطن موقفًا أكثر حزمًا تجاه طرابلس وبنغازي، خاصةً ردًا على تنامي الروابط الاقتصادية أو العسكرية مع بكين وموسكو، بهدف التأثير في سلوك الفاعلين الليبيين.
الخلاصة
في عام 2026، تبدو ليبيا على مشارف دورة جديدة من الترتيبات الانتقالية. ويشير تراكم موازين القوى الدولية وتعدد أصحاب المصلحة إلى أن التوصل إلى تسوية حاسمة وكاملة ومستدامة يظلّ مستبعدًا، ما يعزّز استمرار إدارة الملف الليبي ضمن إطار حوكمة دولية.
ويتفاقم ذلك مع إصرار إدارة ترمب على نهجٍ تعامليّ شديد البراغماتية يهدف إلى تعظيم المكاسب الاقتصادية، من دون التزامٍ موازٍ بتسوية سياسية شاملة منسجمة مع مسار الأمم المتحدة.
ومع ذلك، قد تفضي الانتهازية الأميركية، رغم حساباتها الضيقة، إلى مكاسب تُقيِّد سيطرة أصحاب النفوذ الفعليين غير المنضبطة على الثروة الوطنية، بما يساهم بصورة غير مباشرة في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة تدريجيًا لتسوية سياسية أوسع وتمثيلية تعكس مصالح الشعب الليبي.
__________
