تحل الذكرى 14 للسابع عشر من فبراير في وقت لم تتحقق فيه أمنيات المتفائلين بانفراج الأزمة التي تعيشها ليبيا لأكثر من عقد، فظلت العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة أسيرة حالة من الجمود أبرز أسبابها غياب التوافق بين أطراف الأزمة كافة، وإصرار الكل على عدم التنازل من أجل حل شامل يخرج البلاد من أزمتها.

ذلك ما أسقط عديد المبادرات الإقليمية والأممية في منتصف الطريق في أفضل الأحوال، فيما لم تتراجع مخاوف الهاجس الأمني أمام سطوة السلاح الخارج عن شرعية الدولة وعن سلطتها.

وقبيل أسبوع من إحياء ذكرى فبراير وفي السياق نفسه، عادت وقائع محاولات الاغتيال والاشتباكات المسلحة وتصفية الحسابات في غير مكان من البلاد، لتعزز المخاوف مجدداً من خطورة السلاح المنفلت وتأثيره المباشر في تعقيد الأزمة وخلط الأوراق في ظل الفشل المحلي والدولي في تحريك العملية السياسية واختراق حالة الجمود التي تعيشها هذه العملية، ناهيك عن غياب أي محاولة جادة لاحتواء التمظهر المسلح خارج سلطة الدولة المتمثل في تشكيلات أثبتت التجارب قدرتها على الإطاحة أحياناً بأي مسعى لإنجاز العملية السياسية على طريق حل الأزمة.

ويجدر التذكير هنا بالتقديرات الأممية خلال العام 2020 التي أشارت إلى أن عدد قطع السلاح في ليبيا بلغ 29 مليون قطعة بين خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وهو، إن صح، رقم مهول، وربما قفز خلال السنوات الأخيرة بسبب خرق دول وجهات قرار حظر تصدير الأسلحة التي وثق الفريق الأممي في تقريره للفترة من منتصف العام 2023 إلى نهاية أكتوبر 2024 مسؤولية بعض حامليه عن انتهاكات حقوقية وصلت إلى ارتكاب جرائم القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي ضد مدنيين.

هانا تيتيه تبدأ أولى خطوات مهمتها من نيويورك

وفيما يمكن اعتباره سباقاً بين المؤثرين الأمني والسياسي، استهلت المبعوثة الجديدة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه من نيويورك أولى خطوات مهمتها قبل الشروع في عملها رسمياً بطرابلس؛ حيث التقت مسؤولين أميركيين، والسفير طاهر محمد السني مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، وأكد لها الأخير ضرورة دعم مبدأ القيادة والملكية الليبية للحلول السياسية، والبناء على مبادرات وطنية رامية إلى إنهاء المراحل الانتقالية الهشة، والإسراع بإجراء الانتخابات العامة.

وفي الأثناء تواصل القائمة بأعمال البعثة ستيفاني خوري تنفيذ مبادرتها قبل أن تصل تيتيه؛ حيث عقدت الاجتماع الافتتاحي للجنة الاستشارية بأعضائها العشرين لمدة يومين في العاصمة طرابلس. وناقش المشاركون شروط وقواعد عمل اللجنة، إلى جانب القضايا الخلافية الرئيسية المرتبطة بالإطار الانتخابي، على أن يُعقد اجتماع ثانٍ الأسبوع المقبل لاستكمال المداولات.

تساؤلات بشأن اللجنة الاستشارية

ولم تنج هذه الخطوة من جدل مرده إلى تساؤلات أبرزها: أين يكمن الاختلاف بين ظهور هذه اللجنة وما سبقها من لجان شكلتها أو رعتها البعثة الأممية؟

وما الدور العملي الذي يمكن أن تنجزه اللجنة في حلحلة الأزمة وصولاً إلى موعد الاستحقاق الانتخابي؟

ولِمَ لا تشكل حكومة موحدة لتوفير المناخ الملائم لإجراء الانتخابات رغم أن عمل اللجنة هو استشاري وفق قرار تشكيله من البعثة الأممية؟

لكن كما هو متوقع من سلطة الأمر الواقع، التي يمثلها من يسمون بأطراف الأزمة، فقد بدأ بعض هذه الأطراف تحركاً بزعم البحث عن حل سياسي موازٍ، مستفيدين من تحفظ بعض الفرقاء بشأن اللجنة الاستشارية التي شكلتها البعثة؛ إذ عقد مجلس النواب اجتماعات لجنة مشتركة مع مجلس الدولة في مدينة بنغازي بهدف وضع خريطة طريق لسلطة تنفيذية جديدة تقود إلى الانتخابات كما قيل.

وحسب الناطق باسم مجلس النواب عبدالله بليحق، فإن اللجنة المقترحة تعتزم التواصل مع بعثة الأمم المتحدة والقوى الوطنية المعنية كافة للبحث عن مخرج للأزمة لعرض خريطة الطريق المتفق عليها.

وعقدت أحزاب سياسية ليبية مشاورات واجتماعاً برعاية المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي بهدف التوصل إلى مبادرة لإنهاء الأزمة السياسية تتضمن تشكيل حكومة موحدة، ومن المقرر أن تستمر لقاءات التحالفات الحزبية خلال فبراير الجاري.

الأزمة الليبية تراوح مكانها

وفق هذا المشهد تظل الأزمة الليبية بمختلف تفرعاتها أسيرة سباق طويل ومجهد للبلاد ومواطنيها بين حالة الأمر الواقع ممثلاً في الأطراف ذات القوة على الأرض والمتحكمة في المشهد الأمني والعسكري، وحالة أخرى من الأمر الواقع على المسار السياسي الذي يتحكم فيه من يسمون أطراف الأزمة وعلى رأسها مجلسا النواب والدولة، وحكومتان إحداهما تشكلت تحت مظلة الأمم المتحدة، وأخرى أنتجها البرلمان وتحظى بتأييد «القيادة العامة» ممثلة في المشير خليفة حفتر المدرج أيضاً تحت مسمى أحد أطراف الأزمة.

ولا يعفي أغلب الليبيين ومتتبعي الشأن الليبي أطراف الخارج المؤثرين في الحالة الليبية من مسؤولية استمرار هذا السباق إلى أمد غير معروف، وبالتالي استمرار الأزمة بسبب عامل الاصطفاف الداخلي الناجم عن توجهات هذه الأطراف بما يخدم مصالحها أولاً، رغم كل التصريحات التي تقول غير ذلك.

وإذ لا يمكن إغفال حالة اليأس لدى عديد الليبيين من إمكانية التوصل إلى حل قريب لإنهاء الوضع الاستثنائي الذي تعيشه بلادهم، فإن كثيراً من الليبيين لم يتخلوا عن الأمل في الوصول إلى توافق ليبي–ليبي في نهاية المطاف من شأنه حل الأزمة، وإن على مراحل ليست قصيرة، ومن ثم البدء في وضع أساسات بناء دولة ليبيا الجديدة التي ولد من أجلها فبراير «دولة المؤسسات، والقانون، دولة كل الليبيين».

______________

مواد ذات علاقة