جوناثان م. وينر

تدهور البنية التحتية وتراكم المخاطر
تعاني البنية التحتية الليبية من التقادم وسوء الصيانة وتزايد الهشاشة. ويشمل هذا التدهور مرافق النفط والغاز، وتوليد الكهرباء وشبكات النقل، وأنظمة المياه، والموانئ، وممرات اللوجستيات.
وقد أدت سنوات من تأجيل الصيانة وتسييس الميزانيات وتجزؤ السلطة إلى انقطاعات غير مخطط لها، وكوارث بيئية — مثل انهيار سدود سبتمبر 2023 الذي أودى بحياة أكثر من 4300 ليبي ودمّر جزءًا كبيرًا من مدينة درنة — وارتفاع حاد في متطلبات رأس المال المستقبلية.
لا تفشل بنية الطاقة التحتية بمعزل عن غيرها.
-
فإنتاج النفط والغاز يعتمد على كهرباء موثوقة، وموانئ عاملة، وخطوط أنابيب سليمة، ولوجستيات يمكن التنبؤ بها.
-
وعندما تصبح الكهرباء متقطعة، تتوقف مرافق المعالجة.
-
وعندما تتدهور الموانئ أو مرافق التخزين، تتكدس الصادرات.
-
وعندما تفشل أنظمة المياه، تتأثر استقرار القوى العاملة والصحة العامة.
-
وكل فشل يفاقم الذي يليه.
بالنسبة لليبيين، يفرض عدم موثوقية الكهرباء والمياه تكاليف اقتصادية واجتماعية يومية، ويغذي الإحباط والاحتجاج والتقلب السياسي.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن التداعيات تشغيلية ومالية: إذ يقوض تدهور البنية التحتية افتراضات الجاهزية وضبط التكاليف والجداول الزمنية، ويزيد التعرض لأحداث القوة القاهرة التي قد تكون تعاقديًا قابلة للتعريف لكنها عمليًا غير قابلة للاسترداد.
في هذا السياق، لا يمكن عزل مشاريع الطاقة عن المخاطر النظامية. ويتعين على المستثمرين افتراض أن نقاط الضعف في الكهرباء والمياه والنقل والخدمات العامة ستؤثر بشكل متزايد في النتائج التشغيلية. وتحتاج الحكومة الليبية إلى الاستثمار في هذه البنية لتلبية احتياجات شعبها. وإذا تُركت دون معالجة، فإن هذه المخاطر ستنعكس أيضًا على نتائج المشغلين الأجانب.
لماذا لا يكفي الدعم السياسي
لا يمكن للانخراط السياسي الخارجي — سواء من حكومات أجنبية أو من الأمم المتحدة — أن يخفض بمفرده مخاطر الاستثمار في ليبيا في غياب إصلاح مؤسسي داخلي.
فالعملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة ما تزال متعثرة، ومقيدة بخلافات غير محلولة بين المؤسسات الليبية، ولا سيما بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. ولا يوجد ما يشير إلى أن هذه العملية ستفضي إلى نتائج سياسية ملموسة في المستقبل المنظور، وأقل من ذلك أن تحل القيود الاقتصادية أو التجارية.
والأهم للمستثمرين أن بعثة الأمم المتحدة لعبت دورًا تيسيريًا محدودًا في الحوكمة الاقتصادية. فقد دعمت في بعض الفترات عمليات محددة، مثل تدقيق المصرف المركزي وجهود إعادة توحيده، ومشاورات الأزمات.
لكنها لم تكن جهة تنفيذية في السياسات المالية أو تنفيذ الميزانيات أو انضباط السداد أو إدارة سعر الصرف — وهي عناصر تحدد إلى حد كبير قابلية استثمارات الطاقة للحياة. وعندما تكون المؤسسات ضعيفة، والميزانيات غير مؤكدة، والمدفوعات تقديرية، والفساد متجذرًا، والبنية التحتية متدهورة، والأمن مشروطًا، فإن التشجيع السياسي وحده لا يجعل المشاريع قابلة للتمويل.
بل إن الإشارات السياسية قد تسوء النتائج أحيانًا، إذ ترفع التوقعات دون تحسين التنفيذ، وتشجع الفاعلين الليبيين على التحوط بدل الالتزام، وتدفع الشركات الأجنبية إلى الحفاظ على خيارات مفتوحة بدل نشر رأس المال.
والنتيجة نمط مألوف:
-
مذكرات تفاهم بدل قرارات استثمار نهائية؛
-
دراسات جدوى بدل التزامات رأسمالية؛
-
إعلانات بدل إنفاق مستدام.
بالنسبة لليبيا، أصبح هذا الفارق بين الخطاب السياسي والواقع التجاري بنيويًا. وإلى أن تتغير الآليات الاقتصادية الأساسية، فمن غير المرجح أن يغيّر الدعم السياسي، مهما حسنت نياته، سلوك الاستثمار، إلا حيث تكون حكومة أجنبية راعية مستعدة للعمل كضامن تجاري عبر امتصاص أو دعم مخاطر لا يستطيع النظام الليبي إدارتها بشكل موثوق.
عامل عدم الاستقرار
استمر مستوى الإنتاج النفطي الحالي في ليبيا بفضل توازن عسكري هش، تشكّل جزئيًا بفعل تدخلات خارجية دون أن يختزل فيها. فمنذ تدخل تركيا لمنع حفتر من السيطرة على طرابلس في 2020، عملت أنقرة على ردع هجمات واسعة النطاق من أي طرف.
وقد ساعد ذلك على كبح الصراع وخفض احتمالات الحسم العسكري، لكنه لم يحل الانقسام السياسي والمؤسسي، ولم يلغِ مصادر أخرى لعدم الاستقرار. فالصدمات السياسية الداخلية، وتغييرات القيادة، وإعادة اصطفاف الميليشيات، أو تحولات حسابات الفاعلين الخارجيين، قد تزعزع التوازن القائم حتى دون انسحاب تركي.
بالنسبة للمستثمرين، تظل الضبابية بشأن الاستقرار السياسي طويل الأجل حاسمة. فالتوازن العسكري الذي سمح باستمرار الإنتاج والتصدير لا يستند إلى مؤسسات محلية قادرة على إنفاذ العقود أو حل النزاعات أو توفير أمن متوقع.
إنه توازن مشروط وخارجي وقابل لإعادة المعايرة. وأي تغيير كبير في التكوين السياسي الداخلي أو في مواقف الفاعلين الخارجيين الرئيسيين يهدد بإحياء الشكوك حول السيطرة الإقليمية وقابلية إنفاذ العقود وحماية الأصول.
وبهذا المعنى، فإن الشروط العسكرية نفسها التي ساعدت على استمرار الإنتاج تعزز أيضًا مشكلة قابلية ليبيا للاستثمار: فثمة قدر من الاستقرار الآن، لكنه جزئي وقابل للانعكاس وقد لا يكفي لترسيخ التزامات تجارية طويلة الأجل.
ما الذي قد يغيّر الحسابات
يمكن لخطوات قريبة المدى أن تحسّن قابلية ليبيا للاستثمار على الهامش، ليس عبر إزالة المخاطر، بل عبر تقليص عدم اليقين بطرق تهم قرارات الأعمال.
أولًا، اعتماد ميزانية تشغيلية موثوقة للمؤسسة الوطنية للنفط، مقرونة بخطة شفافة ومحددة زمنيًا لتصفية المتأخرات لشركات الخدمات، من شأنه خفض المخاطر التشغيلية بشكل ملموس. فانتظام الميزانيات يثبت علاقات المتعاقدين، ويتيح الصيانة الوقائية، ويقلل احتمال تحول المتأخرات إلى انسحابات مفاجئة وخسائر إنتاج. وبالنسبة للمستثمرين، ليست قيمة الدين المطلقة هي القضية، بل قابلية التنبؤ بالالتزامات والوفاء بها.
ثانيًا، آليات سداد متوقعة للمقاولين الأجانب ستعالج أحد أكثر مثبطات الاستثمار رسوخًا. فهياكل ضمان (إسكرو) محصنة وممولة مباشرة من عائدات النفط ستحد من التدخلات التقديرية في المدفوعات، وتمكّن الشركات من تسعير المخاطر بوضوح. وبدون عزل المدفوعات عن ضغوط السيولة السياسية، تظل حتى المشاريع الناجحة تقنيًا هشّة تجاريًا.
ثالثًا، إصلاح سعر الصرف لا مفر منه. فالإبقاء على سعر رسمي ثابت مع تقنين الوصول إلى الدولار ينقل الريوع إلى مستوردين مرتبطين سياسيًا، ويكرس الفساد، ويشوّه الأسعار، ويستنزف الموارد العامة.
والانتقال إلى سعر صرف عائم سيقوض جانبًا كبيرًا من فرص المراجحة التي تهيمن اليوم على الاقتصاد السياسي الليبي. وإذا اقترن ذلك باستبدال دعم الوقود والسلع المعمم بتحويلات نقدية مباشرة للأسر، فسيُعاد توجيه الموارد من الباحثين عن الريع إلى الليبيين العاديين، مع استعادة الشفافية والمصداقية المالية.
رابعًا، الوضوح بشأن سلطة الترخيص والتعاقد أمر أساسي. فبينما تُعد المؤسسة الوطنية للنفط الجهة القانونية المخولة، فقد عمد مسؤولون ليبيون آخرون مرارًا إلى طمس حدود الصلاحيات وإعادة فتح قرارات محسومة. ويحتاج المستثمرون إلى الثقة بأن التراخيص والعقود لن تُراجع أو تُنازع أو يُعاد التفاوض عليها مع تبدل موازين النفوذ السياسي.
وأخيرًا، فإن تحسينات ملموسة في بنية الغاز، وتوليد الكهرباء، والمرافق الأساسية ستشير إلى قدرة مؤسسية. فإنتاج الغاز، وإمدادات الكهرباء، وأنظمة المياه ليست قضايا هامشية، بل شروط تمكينية. ولن يلتزم المستثمرون برأس مال طويل الأجل إذا كانت الأنظمة الداعمة للعمليات تتدهور بشكل واضح أو تعتمد على إدارة الأزمات.
ولا تتطلب أي من هذه الخطوات انتخابات أو تسوية سياسية شاملة. لكنها جميعًا تتطلب ضبطًا سياسيًا، وانضباطًا مؤسسيًا، واستعدادًا لدى الفاعلين السياسيين الأكثر نفوذًا لتقليص السيطرة التقديرية على الإيرادات والريوع — وهي شروط قد يكون تحقيقها أصعب إذا تدفقت استثمارات أجنبية ذات مغزى في غياب الإصلاح.
اختبارات الجدية
بالنسبة للشركات الأمريكية التي تفكر في العودة، ستهم مؤشرات قابلة للرصد أكثر بكثير من الخطاب.
-
هل تُسدَّد مستحقات شركات الخدمات في مواعيدها، وهل تستقر المتأخرات أو تتراجع بدل استمرار تراكمها؟
-
هل تستقر صادرات الغاز وإمداداته المحلية ربعًا بعد ربع، أم تواصل التدهور؟
-
هل تضيق الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي بشكل مستدام؟
-
هل تُعالج الاعتمادات المستندية وتُسوّى بشكل متوقع لا انتقائي؟
-
هل تخفّ أزمات الوقود في طرابلس أم تصبح أكثر تواترًا وتسييسًا؟
-
هل تُحترم التراخيص والموافقات الجديدة عبر الانقسامات السياسية؟
-
وعندما تنشأ نزاعات، هل تُحل عبر المؤسسات أم عبر الإغلاقات؟
إلى أن تتحرك هذه المؤشرات بحسم في الاتجاه الصحيح، ستظل ليبيا على الأرجح ضمن فئة مألوفة لدى مديري شركات الطاقة: جذابة جيولوجيًا، مدعومة سياسيًا، لكنها مقيدة تجاريًا.
الخلاصة
ليبيا ليست فنزويلا. فاحتياطياتها أكثر قيمة وأسهل تطويرًا، ونفطها أعلى جودة، وتحتفظ مؤسستها الوطنية للنفط بمستوى من الكفاءة التقنية تفتقر إليه فنزويلا اليوم.
لكن المقارنة تبقى مفيدة. فالثروة الموارديّة لا تعني القابلية للاستثمار، والحماسة السياسية لا تتغلب على المخاطر البنيوية.
في الوقت الراهن، تظل ليبيا بلدًا يكافح فيه المشغلون الحاليون لاستخلاص قيمة متسقة، ويواجه فيه الداخلون الجدد عوائق لا يكفي الدعم السياسي وحده لتجاوزها.
وسيتوقف ما إذا كان ذلك سيتغير على نحو أقل على الإعلانات والإشارات الدبلوماسية، وأكثر على قدرة المؤسسات الليبية على القيام بما يطلبه المستثمرون في النهاية: السداد في المواعيد، واحترام العقود، وصيانة البنية التحتية، والحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية.
***
جوناثان م. وينر ـ شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا، ونائب مساعد وزير الخارجية لإنفاذ القانون الدولي، ومستشارًا للسيناتور الأمريكي جون كيري. كتب وألقى محاضرات على نطاق واسع حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب، وغسل الأموال الدولي، والشبكات غير المشروعة، والفساد، وقضايا الولايات المتحدة وروسيا. وهو زميل دبلوماسي متميز في معهد الشرق الأوسط.
___________
معهد الشرق الأوسط