عمر الكدي 

كل الصراعات القبلية والجهوية التي تشهدها ليبيا اليوم هي صراعات قديمة بأدوات حديثة، وهي صراعات تعبر عن الاختلاف في نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، أكثر من كونها صراعات بين الأعراق والقبائل، ثم تحولت إلى صراعات تشتعل كلما ضعفت السلطة المركزية، وتخفت مثل نار تحت الرماد إذا كانت هذه السلطة قوية.

فعندما قال عمر المختار للجنرال غراتسياني، نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، كان يعبر في الحقيقة عن نمط الإنتاج الذي خضع له المختار، بما يحمله هذا النمط من ثقافة وعرف وتقاليد.

فالبدوي لا يستسلم وإنما يهرب إلى الصحراء بمجتمعه كله، أي بعائلته وحيواناته.

باختصار بكل نمط الإنتاج الذي عاش في ظله، فالبدوي لا تعنيه الأرض إلا بما تقدمه لحيواناته من ماء وكلأ، وعندما ينفد الماء والكلأ يترك المكان ويبحث عن غيره، ومن أي مكان في الصحراء يستطيع البدوي مباغتة عدوه بهجوم مفاجئ وتكبيده خسائر فادحة، وهذا ما فعله المختار طوال عشرين عاما.

لم يتعلم المختار هذا النمط من القتال في الكليات الحربية، وإنما ورثه عن أسلافه. بينما كان المختار لا يزال يقاتل في الجبل الأخضر وجنوبه، كانت المدن الليبية الساحلية قد استسلمت من طبرق إلى زوارة، لأن نمط إنتاج المدن يختلف اختلافا كبيرا عن نمط الإنتاج البدوي.

فأهل المدن ليس لديهم مكان يهربون إليه مثل البدوي، ولهذا يخوضون معركة واحدة فاصلة، إما ينتصرون أو يستسلمون ولكن لا يموتون، فبعد معركة الهاني في طرابلس استسلمت المدينة، وبعد معركة جندوبة استسلمت غريان، وبالمثل حدث لمصراتة والزاوية وزوارة ودرنة وبنغازي.

معركة واحدة فاصلة ثم ينتهي كل شيء، بينما قاتل المختار عشرات المعارك ولم يستسلم، وبعد معركة جندوبة انسحبت القبائل البدوية جنوبا مثل الزنتان والرجبان وأولاد بوسيف والمشاشة، أما القرى الأمازيغية وككلة وغريان فقد رفعت الراية البيضاء، لأنها باختصار لها نمط إنتاج يحتاج إلى وجودهم فوق أرضهم.

من سيحرث الأرض ويحصد الشعير ومن سيعتني بأشجار الزيتون غيرهم، وإذا كان البدوي يعتمد على الإبل فهذه المناطق تعتمد على الماشية الصغيرة مثل الغنم والماعز، والتي لا تستطيع قطع مسافات كبيرة مثل الإبل، وطبعا لا تستطيع العيش في الصحراء، ولهذا نجد هذا النمط من الإنتاج يتمسك بأرضه ولا يتركها، إلا إذا احتبس المطر عدة سنوات متوالية وجف الضرع والشجر، عندها يترك الأرض مرغما على أمل العودة، وثمة قبائل مثل قبيلة جحيش في ككلة رحلت بقضها وقضيضها إلى تونس في منتصف الأربعينيات عندما احتبس المطر، ومن شدة تمسكهم بأرضهم حفر سكان غريان مساكن الحفر، وكأنهم يعودون إلى الأرحام التي خرجوا منها إلى الدنيا.

عندما انسحبت القبائل البدوية إلى الجنوب بعد معركة جندوبة نهبت تقريبا جميع واحات فزان، ولم يتنفس سكان الواحات الصعداء إلا بعد أن سيطرت القوات الإيطالية على المنطقة بعد معركة المحروقة التي استشهد فيها قائد أولاد بوسيف محمد بن عبد الله البوسيفي.

لعل القبائل المنسحبة بعد أن فقدت كل شيء في جندوبة كانت في حاجة إلى تزويد مقاتليها بكل شيء، والبدوي في مثل هذه الظروف لا يسأل ولا يستأذن وإنما يأخذ ما يريده بالقوة، ليس لأنه كان يرغب في ذلك ولكن لأن نمط الإنتاج هو الذي فرض هذا السلوك.

انقسامات القبائل الليبية بين صفوف متصارعة مثل الصف الفوقي وصف البحر، وصف شداد وصف يوسف يعبر عن الاختلاف في أنماط الإنتاج، أكثر مما يعبر عن الاختلافات العرقية والجهوية بين هذه القبائل.

فالحروب بين الأمازيغ والمشاشية وأولاد بوسيف، ضد الزنتان والرجبان في الجبل الغربي ليست حروبا عرقية وإنما حروب بين أنماط إنتاج مختلفة، فأولاد بوسيف كانوا حضرا في يفرن وهم من أسس زاوية بو ماضي، بينما ظل أولاد عمومتهم في نسمة وآقار أقرب لنمط الإنتاج البدوي، بينما ظل الزنتان وحتى وهم في الجبل قبيلة تخضع لنمط الإنتاج البدوي.

وأيضا الصراعات بين سكان زوارة والقرى من حولها مثل الجميل ورقدالين والصيعان هي صراعات بين أنماط الإنتاج، وهو اختلاف يؤسس لثقافتين مختلفتين مثل الاختلاف بين من يأكل السمك، ومن يتقزز من أكل السمك.

أحيانا يحدث تعاون بين نمطين من الإنتاج، يؤسس لعلاقة صحية بين الأفراد، مثل العلاقة بين سكان غريان والعربان وهي القبائل البدوية التي كانت تعيش بين غريان ومزدة، والتي تتولى رعي ماشية أهالي غريان، وفي الربيع عندما تلد الماشية يتقاسمون الإنتاج، وترحل عائلات غريان خلف ماشيتها لتستمتع بالربيع ولتطمئن على ماشيتها، ولكن الغرياني لا يتزوج من هذه القبائل لأسباب ثقافية، فنمط الإنتاج يفرز سلوكين يتعاونان في نطاق ضيق ولكن لا يندمجان.

اليوم تغير كل شيء ولكن الجينات التي تكونت في ظل أنماط الإنتاج المختلفة لا تزال تعمل بفعالية. اليوم يتزوج الجميع من الجميع، وكنت شاهدا على زيجات من الجبالية والزوارية من العرب ولكن في طرابلس، لأن المدينة توحد أنماط الإنتاج وتقصي الاختلافات السابقة.

ومع ذلك يمكننا أن نتساءل لماذا هجم مقاتلو الزنتان على مطار طرابلس، واحتكروا إداراته لمدة أربع سنوات تقريبا، قبل أن يحترق المطار في هجوم قوات مصراتة، ليس فقط للاختلاف في أنماط الإنتاج، فالمطار كان يعمل فيه الزنتاني والمصراتي وغيرهم، ولكن في الحروب الأهلية تستيقظ منظومة القيم القديمة، التي صنعتها أنماط الإنتاج، وتعود الزنتان إلى صفها الفوقي وتعود مصراتة إلى صف البحر.

الثقافة والسلوك والشخصية النمطية تبقى أطول من نمط الإنتاج نفسه، واليوم يعيش الليبيون على الريع النفطي دون غيره، ولكن الثقافة التي صنعها نمط الإنتاج تطل برأسها بحثا عن ثغرة فيما يسمى بالدولة، لتستولي على حصة أكبر من حصتها، وهكذا تضيع الدولة بعد أن وحدنا نمط الإنتاج الريعي، وفرقت بيننا جينات أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالي بالرغم من أن الرأسمالية لم تصل إلى ربوعنا بعد وإن وصلت منتجاتها من كل حدب وصوب، ولكنها تطرق بابنا بخجل وتتردد في الدخول.

وعندما تدخل سيتغير نمط الإنتاج الريعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، أي أن الليبيين سينقسمون إلى طبقات وليس إلى قبائل، وعندها يصبح وجود الدولة المدنية الحديثة ضروريا لتنظيم العلاقة بين الطبقات، وهذا لا يعني تحقيق العدل والمساواة والديمقراطية، وإنما تقنين الظلم والوحشية.

_________________

مواد ذات علاقة