محمد العجمي

“اتفاق الصخيرات“
ومع تشكيل حكومتين، وانعقاد مجلسين تشريعيين، واندلاع عمليات عسكرية بالعاصمة طرابلس وثاني أكبر مدن البلاد بنغازي، وانتشار مجموعات تنظيم “داعش” في مدن بنغازي ودرنة وسرت، مستغلة الانهيار الحاصل في الدولة، وصلت الأزمة السياسية لطريق مسدود، ودخلت على الخط الوساطات الدولية عبر مفاوضات برعاية أممية.
وقادت جهود المفاوضات بين الفصائل الليبية و“البعثة الأممية للدعم في ليبيا“، وهي هيئة دولية شكلتها الأمم المتحدة لدعم الجهود السياسية في البلاد التي وقعت تحت الفصل السابع في 2011، لكن البعثة اكتسبت زخماً مع تعمق الخلافات السياسية، وعقدت جلسات بين ممثلي الفرقاء في مدينة غدامس الليبية، وعدد من الدول، إلى أن توجت باتفاق “الصخيرات” في ديسمبر 2015.
وأفضى “اتفاق الصخيرات“، إلى تشكيل حكومة “الوفاق الوطني“، ومجلس رئاسي مكون من 9 أشخاص، يمثلون أقاليم البلاد، وقوى سياسية مختلفة. وقنن كذلك قنن بقاء مجلس النواب، وعودة المؤتمر الوطني العام الذي تحول إلى مسمى جديد وهو المجلس الأعلى للدولة.
تعثر الاتفاق
رغم توقيع “اتفاق الصخيرات” في المغرب، وتشكيل “حكومة الوفاق“، إلا أن الأوضاع العسكرية على الأرض فرضت كلمتها، فلم يتمكن رئيس “حكومة الوفاق” فائز السراج، من استلام مهامه في طرابلس إلا في مارس 2016، كذلك لم يقر مجلس النواب في طبرق الحكومة رسمياً، وظلت الحكومة التي يدعمها برئاسة عبد الله الثني مستمرة في مهامها، ما عمق الأزمة، وأبقى البلاد تحت ظل حكومتين.
ودخلت حكومة السراج إلى طرابلس، بدعم من مجموعات مسلحة محلية موالية لها، وخرجت بذلك “حكومة الإنقاذ” المدعومة من المؤتمر الوطني العام التي حاولت العودة مرة أخرى في أكتوبر من ذات العام، لكن بعد معارك قصيرة فشلت في إزاحة “حكومة الوفاق“.
وفي الجانب الآخر من البلاد، استمرت “عملية الكرامة” العسكرية، وأضفى عليها مجلس النواب شرعية، بدعمه لتعيين خليفة حفتر قائداً عاماً للجيش، وترقيته إلى رتبة مشير، ليسيطر الجيش خلال عامي 2017 و2018 على مدينتي بنغازي ودرنة، ويعلن هزيمة “داعش” والمجموعات الموالية لها.
وفي المقابل، أعلنت “حكومة الوفاق“، بعد نحو شهر على توليها السلطة، معركة لتحرير مدينة سرت من قبضة “داعش“، تحت مسمى “البنيان المرصوص“، لتستمر المعركة حتى ديسمبر من ذات العام، وتعلن الحكومة استعادتها المدينة.
عودة الحرب
ظل الانقسام الحكومي والمؤسساتي واقعاً في البلاد إلى عام 2019، برغم المحاولات المستمرة لعقد اتفاق بين قائد الجيش المشير خليفة حفتر، ورئيس “حكومة الوفاق” فائز السراج، الرجلين اللذين صارا محوريين في شرق البلاد وغربها، بدعم عمليات عسكرية ضد “داعش” والمجموعات المتطرفة، لكن هذه المحاولات جميعها تعثرت، ما أدى إلى تصاعد التوتر مرة أخرى.
وفي أبريل 2019، أطلق الجيش الليبي عملية عسكرية، قال إن هدفها تخليص العاصمة طرابلس من المجموعات المسلحة، في المقابل اتهمت المجموعات المسلحة الجيش برغبته في تحويل البلاد إلى حكم عسكري.
واستمرت المواجهات بين الطرفين لأكثر من عام، قبل أن يهدئها تدخل دولي جديد، ويُعلن الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020.
وفي مطلع عام 2021 وبدعم أممي، اجتمعت هيئة للحوار الوطني في جنيف، تشكلت من 75 ممثلاً لفئات ليبية مختلفة لصياغة اتفاق جديد، أفضى إلى انتخاب سلطة تنفيذية، مشكلة من مجلس رئاسي بـ3 شخصيات يمثلون أقاليم البلاد المختلفة، وحكومة منفصلة، على أن تمهد هذه الحكومة لإجراء انتخابات رئاسية في ديسمبر 2021.
ورسمت هذه المعركة حدوداً جديدة لمناطق النفوذ في البلاد، فصار الجيش الليبي، يسيطر على ثلثي البلاد تقريباً، وأهم حاضرتين في الشرق والجنوب وهما بنغازي وسبها، فيما ظلت سيطرة “حكومة الوفاق” والجيش الخاضع لسلطاتها والمجموعات المسلحة الموالية لها، مستمرة على المنطقة الغربية من ليبيا، بداية من مدينة سرت وحتى الحدود التونسية غرباً.
أما عسكرياً، فقد تشكلت لجنة (5+5) العسكرية، بموجب حوار برلين في مطلع عام 2020، التي قادت لاحقاً التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر من ذات العام، وظلت اللجنة قناة للتواصل بين القوات العسكرية في شرق البلاد وغربها.
وترشحت عدد من القوائم لتولي السلطة التنفيذية، لتنتهي باختيار محمد المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، بعضوية موسى الكوني وعبد الله اللافي، فيما تم اختيار عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة التي سميت “حكومة الوحدة الوطنية“، وسلمت لها حكومتا “الوفاق” برئاسة فائز السراج، والحكومة المدعومة من مجلس النواب برئاسة عبد الله الثني.
تعذر الانتخابات
مر عام 2021 سريعاً في ليبيا، بعد أن شهد إنهاءً لانقسام سياسي استمر لسنوات، لكن بنهايته، تعذر إجراء الانتخابات، نتيجة خلافات سياسية عميقة، وتوجه عدد من المرشحين للقضاء لإبطال ترشح منافسين لهم، ما أفضى إلى إلغائها، وعودة الانقسام السياسي.
مع تعثر الانتخابات، أعلن مجلس النواب الليبي، انقضاء فترة حكومة “الوحدة الوطنية” وأقال رئيسها عبد الحميد الدبيبة، ودعا لتشكيل حكومة جديدة، سرعان ما شكلها برئاسة فتحي باشاغا.
وفي المقابل، لم يعترف الدبيبة بقرار الإقالة، وظل يمارس مهامه من طرابلس وفي ذات المناطق التي كانت تسيطر عليها “حكومة الوفاق” سابقاً.
ومع محافظة مجلس النواب لسنوات على انعقاده في مدينة طبرق، قبل أن ينتقل بعدها إلى بنغازي، شهد بعض المحاولات من أعضائه لعقد جلسات موازية في طرابلس وغدامس ومدن أخرى، لكن لم تسفر هذه المحاولات عن مجلس بديل.
واستمر المجلس الأعلى للدولة، وهو الذي يندرج أغلب أعضائه من المؤتمر الوطني العام أو أعضاء بدلاً عن الذين رفضوا الانضمام إلى المجلس في انعقاده الجديد، حتى اصطدم بخلاف قانوني بشأن انتخاب رئيسه في أغسطس 2024.
إذ شهدت انتخابات على رئاسة المجلس، تنافساً بين خالد المشري، ومحمد تكالة، لكن خلافاً قانونياً بشأن صحة الانتخابات دفع كلاً من الرجلين إلى زعم الفوز برئاسة المجلس، والتعامل بهذه الصفة منذ ذلك الحين.
وأشار الباحث السياسي إبراهيم أبو القاسم، إلى أن “الانقسام في ليبيا بدأ من رأس السلطة التنفيذية، وانعكس على باقي الإدارات والمؤسسات“، مضيفاً أن “حالة بقاء مجلسي النواب والدولة، صارت مشكلة في المشهد السياسي، لأنهما صارا أدوات تأزيمية، فهما لا يلتزمان بالاتفاق السياسي“.
مقترح أممي
وكانت البعثة الأممية شكلت لجنة استشارية من 20 شخصية قانونية ودستورية ليبية، في 4 فبراير الماضي، لتقديم مقترحات وخيارات فنية لمعالجة القضايا الخلافية التي تعيق مسألة إجراء الانتخابات.
وقال المكتب الإعلامي التابع لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لـ“الشرق“، إن اللجنة الاستشارية قدمت تقريرها إلى البعثة، واقترحت إطاراً زمنياً من 6 أشهر للتوصل إلى خارطة طريق جديدة للدفع قدماً نحو الانتخابات مع مختلف الأطراف.
ولفت المكتب الإعلامي إلى أن اللجنة الاستشارية اقترحت حزمة من الضمانات التي أوصت بأن يتفق عليها جميع الأطراف في التسوية السياسية المرتقبة، ومن ضمنها، ربط مهام المرحلة الانتقالية بآجال زمنية محددة، ووضع آليات بديلة لإنهاء ولاية المؤسسات الانتقالية في حالة فشل التوصل إلى توافق أو التراجع عن الالتزامات.
وأوضح أن البعثة الأممية “تواصل عقد مشاورات عامة حول الخيارات المقدمة من اللجنة الاستشارية مع الأطراف السياسية وجميع مكونات المجتمع الليبي لتعزيز التوافق على خارطة طريق ليبية وتحظى بقبول واسع“.
وأضاف المكتب الإعلامي أن البعثة الأممية عازمة على اتباع نهج تدريجي يسعى لضمان الحفاظ على الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيزها وتجديد شرعيتها.
“المرجعية الدستورية“
كل الأطراف في المشهد السياسي الليبي، تستند في بقائها إلى تفسيرات قانونية أو دستورية، وتعتمد على شرعية انتخابية، أو دعم جسم منتخب، لكن الكاتب الصحافي عيسى عبد القيوم، يرى أن “لا ورقة دستورية ذات قيمة باستثناء الإعلان الدستوري“، وأن الباقي “اتفاقات سياسية لها تاريخ نهاية“.
وأشار إلى أن “ديباجة اتفاق الصخيرات تؤكد على أن مدته عامين، فيما بقيت حكومة الوفاق المنبثقة عنه 6 سنوات. واتفاق جنيف مدته 18 شهراً، فيما تدخل حكومة الوحدة الوطنية عامها الرابع“.
من جانبه، يرى الكاتب والباحث السياسي إبراهيم أبو القاسم، أنه “لا يوجد أي مرجع سياسي ودستوري إلا الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في 2015″.
ويُرجع أبو القاسم ذلك، إلى أن “مجلس النواب الليبي عندما اُنتخب في 2014، كان دستورياً يجب أن يستمر لعام واحد، ولا يمدد إلا باستفتاء، وهو لم يجره في حينه“.
وكذلك الأمر بالنسبة للمؤتمر الوطني العام، الذي تحول إلى المجلس الأعلى للدولة، فيما ذهبت هذه الأجسام إلى الاتفاق السياسي، وأعطى الاتفاق مجلس النواب سلطة إصدار القوانين وإقرارها، ومجلس الدولة سلطة المساهمة في صياغتها وإرسال مشاريع ومسودات القوانين إلى النواب لاعتمادها.
إلى أين تتجه الأمور؟
“جميع الأجسام السياسية في ليبيا انتهت عُهدها الدستورية“، وفقاً لعبد القيوم، الذي يرى أن المخرج اليوم هو “الذهاب إلى مؤتمر تأسيسي” ينهي كافة الأجسام الموجودة في الساحة السياسية الليبية، وأن يؤدي ذلك للاتفاق على دستور، وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية.
وأشار عبد القيوم إلى حاجة ما وصفه بـ“الجسم السياسي الجديد” إلى “فترة انتقالية“، مقترحاً أن يكون مقره في مدينة سرت “للإفلات من كماشة الميليشيات” في العاصمة طرابلس، وأن تكون بمراقبة بعثة الأمم المتحدة، وبحماية اللجنة العسكرية المشتركة “5+5”.
وتضم اللجنة العسكرية المشتركة 5 أعضاء من المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا، و5 من الجيش الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وهم يجرون حواراً منذ أكثر من عامين، بهدف توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم لدى ليبيا.
ويكرر الكاتب والباحث السياسي، إبراهيم أبو القاسم، مقترح “المجلس التأسيسي“، الذي ورد ضمن توصيات لجنة استشارية تابعة للأمم المتحدة، مشيراً إلى أنه “قد يكون مخرجاً من أزمة الانقسام الحالية في البلاد“.
وذكر أبو القاسم، أن خطة أخرى مطروحة في الأوساط السياسية، وهي أن “يدعو المجلس الرئاسي لطاولة حوار سياسي، ويجمع فيها الأطراف، ويشكل من هذه الطاولة مرجعية سياسية لمراسيمه الرئاسية، التي تذهب لحل مجلسي النواب والدولة، ويصبح هو من يدير العملية إلى حين الذهاب لانتخابات“.
وأشار إلى أن هناك مقترحاً أميركياً، ينص على إنشاء سلطة سياسية وتنفيذية وأمنية عسكرية موحدة في البلاد، “لكن آلياته وتفاصيله، قد لا تكون واضحة لدى الليبيين“.
وأضاف: “الولايات المتحدة كانت تقول إن وجودها فعال في ليبيا وليس فعلي، لكن يبدو أن هناك توجهاً أميركياً لتغيير ما، وهذا ما رأيناه منذ أشهر في المناورات التي قامت بها القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) منذ أشهر، وهذا يشي بأن هناك تركيزاً أكبر من واشنطن تجاه ليبيا“.
_________________