أمين أيوب
عادت ليبيا لتستقطب اهتمامًا دوليًا واسعًا، ليس عبر مصالحة سياسية أو إصلاحات أمنية، بل من خلال النفط.
فالاتفاقية الجديدة الموقعة لمدة 25 عامًا مع شركتي توتال إنرجيز وكونوكو فيليبس، والتي تُقدّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، تُقدَّم على أنها حجر الزاوية في إحياء اقتصادي طال انتظاره.
وبالنسبة للعواصم الغربية التي تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وسط اضطرابات عالمية، يبدو الاتفاق مكسبًا استراتيجيًا.
أما في الداخل الليبي، فيُسوَّق كدليل على أن البلاد “منفتحة على الأعمال”. لكن تحت هذا السطح، يطرح الاتفاق سؤالًا مقلقًا:
هل يشكل هذا الاستثمار طريقًا نحو الاستقرار، أم مجرد دعم متقن لاقتصاد دولة فاشلة تهيمن عليه الميليشيات وشبكات التهريب والنخب المتجذرة؟
نظريًا، يفترض أن تكون ليبيا قوة طاقية كبرى. فهي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في أفريقيا، وتقع بالقرب من الأسواق الأوروبية، وتنتج خامًا عالي الجودة بتكلفة منخفضة نسبيًا. ومع ذلك، وبعد أكثر من عقد على سقوط معمر القذافي، لا تزال ليبيا دولة منقسمة سياسيًا، ومجزأة عسكريًا، ومفرغة مؤسسيًا.
حكومتان متنافستان في طرابلس والشرق تدّعيان الشرعية، بينما تمارس الجماعات المسلحة النفوذ الحقيقي على الأرض، مسيطرة على الأراضي والبنية التحتية وتدفقات الإيرادات. ويستمر إنتاج النفط ليس لأن الدولة قوية، بل لأنه مورد بالغ الأهمية يصعب السماح بانهياره الكامل.
وهنا تكمن مفارقة رهان ليبيا النفطي البالغ 20 مليار دولار. فشركات الطاقة الغربية تتفاوض مع سلطات معترف بها دوليًا تمتلك شرعية شكلية، لكنها تفتقر إلى القدرة القسرية.
تمر عائدات صادرات النفط عبر مؤسسات تُعد اسميًا مؤسسات دولة، غير أن توزيع هذه الأموال يتحدد عمليًا بضغط الميليشيات وشبكات المحسوبية والابتزاز السياسي. وفي مثل هذا السياق، لا تتجاوز الاستثمارات الأجنبية واسعة النطاق الفساد، بل تقوم بإضفائه الطابع المؤسسي.
ويمثل تهريب الوقود أوضح مثال على هذا الخلل البنيوي. فسياسة دعم الوقود في ليبيا تخلق فرصًا هائلة للمضاربة، حيث تُهرَّب المنتجات المكررة عبر الحدود إلى تونس ومالطا وغيرها. ولا تدير هذه العمليات شبكات إجرامية صغيرة، بل هي جزء من اقتصاد الميليشيات، وغالبًا ما تحظى بحماية جهات مسلحة على صلة بالسلطات السياسية.
والنتيجة حلقة مفرغة: تستورد الدولة الوقود بتكلفة مرتفعة، وتبيعه محليًا بخسارة، ثم تشاهده يتسرب إلى أسواق التهريب. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي توسع في الإنتاج أو التكرير قد يغذي الاقتصاد الموازي بدلًا من تعزيز المالية العامة.
ويرى مؤيدو الصفقة النفطية الجديدة أن هذا بالضبط هو سبب الحاجة إلى استثمارات كبيرة وطويلة الأمد. ويستند منطقهم إلى ما يشبه “العلاج بالصدمة الاقتصادية”: تثبيت الإنتاج، وزيادة الإيرادات، وترك “قوة الجاذبية الاقتصادية” تدفع ليبيا تدريجيًا نحو النظام.
ووفق هذا الطرح، فإن ربط شركات غربية بعقود تمتد لعقود طويلة لا يوفر رأس المال والخبرة فحسب، بل يخلق أيضًا أطرافًا دولية لها مصلحة مباشرة في الاستقرار. وتتحول البنية التحتية للطاقة، في هذا التصور، إلى مرساة يمكن أن تتشكل حولها عملية تطبيع سياسي بطيئة.
لكن المشكلة أن ليبيا اختبرت هذه النظرية من قبل،وفشلت مرارًا. فقد تدفقت عائدات النفط لسنوات دون أن تنتج مؤسسات دائمة أو حوكمة موحدة. بل على العكس، عززت نظامًا ريعيًا يُحدَّد فيه الوصول إلى الثروة بامتلاك القوة.
تُغلق الميليشيات الموانئ لاستخلاص تنازلات. وتُسَيِّس الأطراف السياسية مستويات الإنتاج كأداة ضغط. وتدعم قوى خارجية وكلاء محليين لضمان نفوذها على ممرات الطاقة. وفي مثل هذا النظام، لا يؤدي ضخ المزيد من الأموال إلى تغيير الحوافز تلقائيًا، بل إلى تضخيمها.
وبالنسبة لصنّاع القرار الغربيين، فإن إغراء تقديم أمن الطاقة على إصلاح الحوكمة مفهوم. فليبيا توفر القرب الجغرافي والحجم والإمداد غير الروسي في زمن تقلبات عالمية. غير أن المخاطر الاستراتيجية كبيرة.
فمن خلال دعم قطاع الهيدروكربونات الليبي دون معالجة بنيته الأمنية، يخاطر الغرب بأن يصبح شريكًا ضمنيًا في نظام يكافئ الإكراه ويقوض السيادة. وهذا لا يصنع شريكًا موثوقًا، بل تبعيةً تعاملية تُدار من قبل مراكز قوة غير منتخبة.
وهناك أيضًا بُعد إقليمي لا يمكن تجاهله. فعدم الاستقرار في ليبيا يمتد جنوبًا إلى منطقة الساحل وشرقًا عبر المتوسط. وتتداخل شبكات التهريب مع الاتجار بالسلاح ومسارات الهجرة غير النظامية. وتمويل الميليشيات المتأتي من النفط وتهريب الوقود يغذي بشكل غير مباشر حالة انعدام الأمن الأوسع التي تكافح دول أوروبية وشرق أوسطية لاحتوائها. ومن ثم، فإن صفقات الطاقة المنفصلة عن الإصلاح الأمني لا تحتوي المخاطر، بل تُصدّرها.
لطالما كان نفط ليبيا نعمةً ونقمة في آن واحد. واليوم يُقدَّم مرة أخرى كحل لمشكلات طالما فاقمها. والسؤال ليس ما إذا كانت ليبيا بحاجة إلى الاستثمار، فهي بحاجة إليه بلا شك. بل السؤال هو:
هل يستثمر الغرب في مستقبل دولة ليبية قابلة للحياة، أم أنه يدفع ثمنًا أعلى لإدارة الفوضى لفترة أطول قليلًا؟
____________