جوناثان م. وينر

عندما أبلغت شركة إكسون موبيل مؤخرًا الرئيس دونالد ترامب بأن فنزويلا ما تزال «غير قابلة للاستثمار»، لم تكن الشركة تصدر حكمًا سياسيًا، بل تقييمًا تجاريًا.

فعلى الرغم من امتلاكها بعضًا من أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، فإن الانقسام السياسي في فنزويلا، وسوء الإدارة الاقتصادية، والتعرض للعقوبات، ومخاطر السداد، لا تزال تفوق جاذبية جيولوجيتها.

يوفر هذا التقييم إطارًا مفيدًا لفهم وضع ليبيا اليوم.

ليبيا، مثل فنزويلا، بلد غني بالموارد، وينتج نفطًا أعلى جودة، خفيفًا وحلوًا، مقارنة بالنفط الثقيل «الحامض» الذي تنتجه فنزويلا.

ومن حيث المبدأ، يمكن لليبيا أن تنتج أكثر بكثير مما تنتجه حاليًا. فقد دأبت المؤسسة الوطنية للنفط على الإشارة إلى طاقة إنتاجية مركبة تقارب 1.6 مليون برميل يوميًا، وتحدثت دوريًا عن إمكانات رفع الإنتاج مع توفر استثمارات مستدامة.

غير أن التجربة الليبية منذ عام 2011 أظهرت مدى صعوبة ترجمة الإمكانات الجيولوجية إلى إنتاج طاقي جديد ناجح، حتى مع مشاركة أكثر شركات النفط الدولية التزامًا.

لكن هذه الصعوبات لم تمنع تجدد الاهتمام.

فقد استقطبت أول جولة عطاءات استكشافية في ليبيا منذ أكثر من 17 عامًا اهتمامًا دوليًا قويًا، حيث عرضت المؤسسة الوطنية للنفط 22 منطقة برية وبحرية بشروط تقاسم الإنتاج، وأفادت بوجود اهتمام من شركات أجنبية.

كما استأنف أو وسّع عدد من كبار المشغلين أنشطتهم في قطاع المنبع:

فقد أعادت «إيني» تشغيل أعمال الحفر الاستكشافي البحري بعد توقف دام عدة سنوات، ووقعت «بي بي» و«شل» اتفاقيات مع المؤسسة لدراسة إمكانات الهيدروكربونات في عدة حقول نفطية.

وتأهلت مجموعة واسعة من الشركات الدولية، بينها «بي بي»، «شيفرون»، «إكسون موبيل»، «إيني»، «أو إم في»، «شل»، «سوناطراك»، و«توتال إنرجيز»، للمشاركة في جولة العطاءات.

وفي 24 يناير، أعلنت ليبيا توقيع اتفاق تطوير لمدة 25 عامًا مع «توتال إنرجيز» و«شيفرون»، من شأنه أن يشهد استثمارًا يُقدّر بنحو 20 مليار دولار لزيادة إنتاج النفط بما يصل إلى 850 ألف برميل يوميًا.

وقد تلي ذلك صفقات إضافية. وخلال قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، قال رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، إن نتائج جولة العطاءات الجديدة ستُعلن في 11 فبراير.

السؤال الذي يواجه شركات النفط الدولية ليس ما إذا كانت ليبيا تمتلك نفطًا وغازًا للتطوير — فهي تمتلك ذلك بالفعل — بل ما إذا كانت الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الراهنة تسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى عوائد موثوقة، وما إذا كانت تغييرات قريبة المدى يمكن أن تعدّل هذا التقييم.

النفط والوقود كأدوات سياسية

لا يزال الانقسام السياسي في ليبيا دون حل. فالبلاد تعمل في ظل مراكز سلطة متنافسة: حكومة مؤقتة في طرابلس انتهت ولايتها منذ سنوات، وإدارة شرقية منافسة متحالفة مع اللواء خليفة حفتر، ومؤسسات وطنية موحّدة شكليًا لكنها مقيدة باستمرار بالتدخلات السياسية. وتنعكس هذه الانقسامات على السلوك المالي، والديناميات الأمنية، والسيطرة على الإيرادات.

تظل المؤسسة الوطنية للنفط الجهة الوحيدة المخولة قانونًا بإبرام عقود الهيدروكربونات في ليبيا، ويجب على الشركات الأجنبية التعاقد حصريًا من خلالها. وأي بديل لذلك ينطوي على مخاطر قانونية وتشغيلية وسياسية وسمعية جسيمة.

غير أن قدرة المؤسسة على العمل كشريك موثوق تعتمد على الميزانيات والتدفقات النقدية والحماية المؤسسية — وهي عناصر تفتقر إليها حاليًا.

في يناير 2026، صرّح رئيس المؤسسة علنًا بأن الشركة لم تتلقَّ أي ميزانية تشغيلية معتمدة طوال عام 2025، وأن الديون المستحقة لشركات الخدمات والمورّدين واصلت التراكم.

ولا يعكس هذا الوضع مشكلة فنية، بل قرارات سياسية اتخذتها سلطات متنافسة للاحتفاظ بنفوذها على المؤسسة الأساسية المولدة للإيرادات في البلاد.

تاريخيًا، كانت المتأخرات المتراكمة في ليبيا من أوضح المؤشرات المبكرة على تأجيل أعمال الصيانة، وانسحاب شركات الخدمات، وما يتبع ذلك من تراجع في الإنتاج.

تُظهر أرقام إنتاج الخام مزيجًا من المرونة والهشاشة.

فقد ارتفع متوسط الإنتاج إلى نحو 1.37 مليون برميل يوميًا في عام 2025، مقارنة بنحو 1.14 مليون برميل يوميًا في 2024، وهو أعلى متوسط سنوي منذ عقد. وجاء هذا التعافي بعد انهيار حاد في 2020، حين هبط الإنتاج إلى أقل من 400 ألف برميل يوميًا خلال الحرب الأهلية التي اندلعت إثر محاولة حفتر الفاشلة للسيطرة على طرابلس، بدعم من روسيا والإمارات ومصر، وبدعم أقل علنية من فرنسا، ولم ينعكس المسار إلا بعد التدخل العسكري التركي.

الدرس للمستثمرين ليس فقط أن الإنتاج يمكن أن يتعافى، بل أن إنتاج النفط الليبي يظل عرضة لقرارات سياسية وعسكرية لا علاقة لها بالأداء التجاري.

تعطيل منظومات النفط والوقود في ليبيا ليس أمرًا عارضًا.

فقد قامت جماعات مسلحة ومجتمعات محلية وفصائل سياسية وفاعلون مؤسسون مرارًا بإغلاق الحقول أو خطوط الأنابيب أو موانئ التصدير أو واردات الوقود أو توزيعه المحلي لاستخلاص تنازلات، أو التعبير عن السخط، أو إعادة التفاوض على الوصول إلى شبكات المحاباة.

ففي أغسطس 2024، استخدمت فصائل سياسية متنافسة السيطرة على إنتاج النفط وبنيته التحتية التصديرية كورقة ضغط في نزاع حول سلطة المصرف المركزي، ما أدى إلى إغلاق عدة حقول وموانئ تصدير، وخروج أكثر من نصف الإنتاج عن الخدمة لأسابيع.

وتوقفت الصادرات في موانئ رئيسية مثل السدرة ورأس لانوف والزويتينة، مع تهديد السلطات الشرقية بالإغلاق حتى تلبية مطالب سياسية، ما يبرز تسليح البنية التحتية للطاقة في النزاعات الداخلية.

غالبًا ما يكون عتبة التعطيل منخفضة.

فالتأخير في السداد، أو الإقصاء من تدفقات الإيرادات، أو الإحساس بعدم الاحترام، قد يكون كافيًا. وعلى جانب الإنتاج، يكفي تحكم محلي محدود لوقف الإنتاج. وعلى جانب الاستهلاك، يمكن افتعال أو إطالة أمد شح الوقود عبر تحويلات في الاستيراد والتخزين والتوزيع، حتى مع توفر الإمدادات الإجمالية. والنمط هنا بنيوي لا ظرفي.

في عام 2025، خلص تحقيق أجرته منظمة «ذا سنتري» لمكافحة الفساد إلى أن واردات الوقود المدعومة في ليبيا — اللازمة بسبب ضعف وعدم موثوقية طاقة التكرير المحلية — جرى تحويلها على نطاق واسع إلى شبكات تهريب تسيطر عليها جهات مسلحة ومرتبطة سياسيًا، مع تقدير تسرب وقود بقيمة 6.7 مليارات دولار في عام 2024 وحده.

ورغم أن التقرير لا يحدد بدقة نسبة الواردات المحوّلة، فقد وصف الظاهرة بأنها «أزمة وطنية كبرى» وبحجم منهجي لا هامشي. وأسهمت هذه التحويلات في تقليص الوقود المتاح للاستهلاك المحلي المشروع، وفي تفاقم الشح وارتفاع الأسعار داخليًا، رغم بقاء أحجام الاستيراد الإجمالية مرتفعة.

الغاز كإشارة إنذار مبكر

يوفر إنتاج الغاز مؤشرًا واضحًا بشكل خاص على الضغوط البنيوية. فعلى خلاف النفط الخام، يتطلب الغاز صيانة مستمرة، وطاقة كهربائية موثوقة، وتمويلًا مستدامًا. وعندما تضعف هذه الشروط، يكون إنتاج الغاز غالبًا أول الضحايا.

انخفضت صادرات ليبيا من الغاز إلى إيطاليا عبر خط أنابيب «غرين ستريم» بنحو 30% في عام 2025، لتتراجع إلى قرابة 1.0 مليار متر مكعب من نحو 1.4 مليار متر مكعب في العام السابق، رغم السعة النظرية الأعلى بكثير. وعكس هذا التراجع نقص الاستثمار، وتدهور البنية التحتية، وقيود الطاقة، والضغوط المالية، لا عوامل جيولوجية.

ويخلّف ضعف إنتاج الغاز آثارًا داخلية أيضًا، إذ يغذي الغاز توليد الكهرباء والصناعات البتروكيميائية، ما يعني أن انخفاضه يسهم مباشرة في انقطاعات الكهرباء والاضطراب الاقتصادي الأوسع. وعندما يتعثر الغاز، فذلك إشارة إلى مشكلات مؤسسية ومالية أعمق تضرب قطاع الطاقة ككل.

القيد الاقتصادي: العملة والفساد والدول الموازية

تهدد الضغوط المالية والنقدية في ليبيا الترتيبات التي تدعم حاليًا سلطات الغرب والشرق على حد سواء. فمع استقرار أسعار النفط قرب 60 دولارًا للبرميل، لا تكفي الإيرادات الهيدروكربونية لتغطية الأجور العامة وواردات الوقود والطلب على العملة الأجنبية في آن واحد.

بات الخلل واضحًا. ففي 13 يناير 2026، أفاد مصرف ليبيا المركزي بأن إيرادات النفط المودعة منذ بداية الشهر بلغت 287 مليون دولار، في حين وصلت مبيعات العملة الأجنبية خلال الفترة نفسها إلى نحو مليار دولار.

وربما يعكس جزء من هذا التدفق تسريع واردات الغذاء والسلع قبيل رمضان — إذ يُستورد نحو ثلاثة أرباع غذاء ليبيا — لكن حجم الفجوة لافت، ومع الوقت قد يخلق مخاطر متزايدة على الدائنين. ووفقًا للمصرف، بلغت الاعتمادات المستندية غير المسددة من عام 2025 نحو 4.3 مليارات دولار حتى منتصف يناير 2026.

استجابت أسواق الصرف تبعًا لذلك.

ففي يناير 2026، بلغ سعر الصرف الموازي لفترة وجيزة 9 دنانير للدولار، ما عكس توقعات بمزيد من التخفيض وتشديد الوصول إلى النقد الأجنبي. وبعد أسبوع، خفّض المصرف المركزي قيمة الدينار بنحو 14.7%، مشيرًا إلى الضغوط المالية المستمرة والانقسام السياسي وضعف عائدات النفط، لينتقل السعر الرسمي إلى نحو 6.37 دنانير للدولار. وجاء ذلك بعد تخفيض سابق في أبريل 2025 أعاد ضبط السعر الرسمي عند نحو 5.6 دنانير للدولار بعد سنوات من الدفاع عن ربط غير مستدام.

لا يمكن فهم هذه الضغوط دون الرجوع إلى التاريخ المالي لليبيا بعد 2014. فقد موّلت السلطات الشرقية الإنفاق لسنوات عبر دنانير مزورة طُبعت في روسيا دون تفويض من المصرف المركزي في طرابلس، ما أتاح إنفاقًا غير مقيد خارج أي إطار مالي موحد. ولمنع تفكك نقدي كامل، امتصّ المصرف المركزي الموحّد لاحقًا جزءًا كبيرًا من هذه الكتلة النقدية، ممولًا دولة مالية موازية.

وفي الوقت نفسه، تعايشت حكومتان وتعاونتا وتنافستا، وكلتاهما تستندان إلى إيرادات النفط وسيولة المصرف المركزي للحفاظ على شبكات المحاباة. والفساد هنا ليس عرضيًا؛ بل بنيوي. فأسعار الصرف المتعددة، والاعتمادات المستندية التقديرية، ودعم الوقود، وترتيبات المقايضة، نقلت موارد هائلة إلى جهات مرتبطة سياسيًا، غالبًا دون تقديم سلع أو خدمات مقابلة، ما غذّى التضخم.

بالنسبة للمستثمرين الأجانب، فإن التداعيات مباشرة. فمخاطر السداد ليست افتراضية. إذ سبق للمصرف المركزي أن أخّر أو حجب مدفوعات لمقاولين أجانب لأسباب سياسية أو سيولية لا صلة لها بأداء العقود. وما لم تُعالج هذه المخاطر، فهي وحدها كافية لاستبعاد استثمارات إضافية من قبل كبرى شركات النفط الدولية.

***

جوناثان م. وينر ـ شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا، ونائب مساعد وزير الخارجية لإنفاذ القانون الدولي، ومستشارًا للسيناتور الأمريكي جون كيري. كتب وألقى محاضرات على نطاق واسع حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب، وغسل الأموال الدولي، والشبكات غير المشروعة، والفساد، وقضايا الولايات المتحدة وروسيا. وهو زميل دبلوماسي متميز في معهد الشرق الأوسط.

___________

معهد الشرق الأوسط

 

مواد ذات علاقة