صلاح الهوني

معالجة ملف دبلوماسيي الصدفةليس إجراءً تقنيّا بل اختبار حقيقي لمصداقية أي حكومة ليبية قادمة، فالإصلاح يتطلب أكثر من قرار إداري، إنه يستلزم إرادة سياسية لقطع دابر المحسوبية.

الإصلاح يتطلب أكثر من قرار إداري

في ليبيا، حتى الدبلوماسية باتت تُدار بالصدفة. فبينما يُفترض أن تكون السفارات واجهة الدولة في الخارج، تحولت في السنوات الأخيرة إلى ملاذ لموظفين جرى نقلهم من دوائر حكومية محلية بلا خبرة أو تكوين دبلوماسي، ليجدوا أنفسهم فجأة يتقاضون رواتب بالدولار من ميزانيات البعثات الليبية حول العالم.

هذه الظاهرة، ليست مجرد خلل إداري عابر، بل انعكاس صارخ لفوضى مؤسسية أعمق، حيث تُستخدم المناصب الخارجية كأداة لتوزيع الامتيازات وكسب الولاءات في بلد يعاني انقسامًا سياسيًا مزمنًا وأزمة مالية خانقة.

والنتيجة أن صورة ليبيا الدولية تُدار بمنطق المحسوبية، فيما تُستنزف موارد الدولة في الخارج بدل أن تُوظف لتعزيز حضورها الدبلوماسي.

هذا الانزياح الغريب ولّد مصطلحا ساخرا في الشارع والمنتديات الليبية: “دبلوماسيو الصدفة”. لكن السؤال الذي يُلحّ على المراقب ليس عن دقة التسمية، بل عن دلالتها العميقة:

هل نحن أمام خلل إداري عابر يمكن تصحيحه، أم أن هذه الظاهرة تمثل التجلي الأخير لانحلال فكرة الدولة الحديثة برمتها في ليبيا، حيث تتفكك المؤسسات لتحل محلها شبكات المحسوبية والارتزاق؟

جذور الظاهرة تعود إلى قلب الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد منذ سنوات. ففي غياب سلطة مركزية قادرة على فرض معايير التوظيف والكفاءة، تحولت السفارات إلى عملة سياسية تُستخدم في مساومات القوى المتصارعة في الشرق والغرب.

التعيينات لم تعد تخضع لمسابقات أو معايير الخبرة واللغات، بل أصبحت جزءا من صفقات لاسترضاء هذه الجماعة أو تلك، أو مكافأة لأتباع محسوبين.

تقارير ديوان المحاسبة الليبي كشفت نذر هذا الانهيار، حيث تضخم بند رواتب ومزايا العاملين في الخارج بنسبة صادمة بلغت 37 في المئة، ليصل إلى نحو مليار دينار ليبي، في زيادة لا علاقة لها بتحسين الأداء الدبلوماسي بل بالتوسع غير المبرر في التوظيف.

هؤلاء “الدبلوماسيون بالصدفة” غالبا ما يفتقرون إلى الحد الأدنى من التأهيل: البعض لا يجيد لغة البلد المضيف، والبعض الآخر ليست له خلفية في العلاقات الدولية أو القانون أو الاقتصاد.

النتيجة هي سفارات شبه عاجزة عن أداء أبسط مهامها، من متابعة مصالح المواطنين الليبيين في الخارج إلى تمثيل البلاد في المحافل الدولية بشكل يليق بتاريخها وموقعها.

تأثير هذه الآفة يتجاوز مجرد الهدر المالي، رغم أن هذا الهدر بحد ذاته جريمة في دولة تعاني من أزمة سيولة خانقة وتحتاج كل دولار لإعادة الإعمار ودفع رواتب الكوادر الطبية والمعلمين داخل البلاد.

الأثر الأكثر خطورة هو تحويل الدبلوماسية الليبية إلى أداة هزيلة، عاجزة عن الدفاع عن مصالح البلاد في ملفات معقدة كملف الهجرة غير النظامية أو التعاون الأمني أو جذب الاستثمارات.

في وقت تحتاج فيه ليبيا إلى دبلوماسية ذكية وقادرة على كسب الأصدقاء وبناء التحالفات في محيط إقليمي مليء بالمخاطر، نجد سفاراتها مشغولة بالصراعات الداخلية وإدارة رواتب الموظفين غير المؤهلين.

الصورة التي تقدمها للعالم هي صورة دولة عاجزة حتى عن إدارة أبسط شؤونها الخارجية، مما يغذي عدم الثقة لدى الشركاء الدوليين ويقلل من تأثير ليبيا في المحافل التي تحدد مصيرها، من ملف المصالحة الوطنية إلى اتفاقيات النفط والأمن.

والمفارقة المؤلمة أن هذه الظاهرة، رغم فجاجتها في الحالة الليبية، ليست استثناءً مطلقا في عالم العلاقات الدولية. فكثير من الدول، حتى المستقرة منها، تشهد محاولات لتوظيف السلك الدبلوماسي لأغراض سياسية أو كمناصب تقاعدية للوجهاء.

لكن الفارق الجوهري هو وجود مؤسسات رقابة وقواعد مهنية تضع حدودا لهذه الممارسات. في ليبيا، غياب الدولة يعني غياب هذه الحدود تماما، فتحولت الظاهرة من قاعدة شاذة يمكن احتواؤها إلى قاعدة تحكم النظام.

المقارنة مع جارٍ مثل تونس، التي حافظت على سلك دبلوماسي مهني يُستشهد به رغم كل أزماتها، تظهر أن المسألة ليست حتمية، بل هي خيار ناتج عن غياب الإرادة لإبقاء مؤسسة السيادة بعيدة عن العبث.

على المدى القريب، تداعيات استمرار هذه الحالة كارثية. فهي لا تستنزف الاحتياطي النقدي الشحيح فحسب، بل تسرق من ليبيا فرصتها الأخيرة لإعادة بناء سمعتها الدولية. كل دولار يُدفع لموظف غير مؤهل في سفارة هو دولار لا يُستثمر في تدريب كوادر حقيقية أو في تمويل البعثات الدراسية للشباب الليبي الطموح.

كما أن ترسيخ هذه الثقافة الوظيفية المشوهة يخلق جيلاً من “النخب” التي تربت على المحسوبية وليس الجدارة، مما يسمّم أي محاولة مستقبلية لإصلاح الجهاز الإداري للدولة من الداخل.

على المدى البعيد، قد يصبح هذا الواقع غير القابل للاستمرار عاملا إضافيّا يدفع المجتمع الدولي إلى التعامل مع ليبيا ككيان فاشل، وليس كدولة ذات سيادة، مما يسهل فرض الوصايا الخارجية ويُعقّد مسار استعادة الاستقرار.

لذا، فإن معالجة ملف “دبلوماسيي الصدفة” ليس إجراءً تقنيا هامشيا، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية أي حكومة ليبية قادمة. الإصلاح يتطلب أكثر من قرار إداري؛ إنه يستلزم إرادة سياسية جريئة لقطع دابر نظام المحسوبية الذي تفشى كالسرطان في جسم الدولة.

هذا يعني إعادة هيكلة كاملة للبعثات الدبلوماسية، وربط التوظيف والترقية بمعايير شفافة من الكفاءة والاختبار، ومراجعة جميع التعيينات السابقة تحت إشراف هيئة مستقلة.

كما يعني ضرورة فصل السلك الدبلوماسي عن الصراعات السياسية الداخلية، وجعله مؤسسة وطنية فوق الانقسامات، تخدم مصالح ليبيا وليس مصالح فصيل أو مدينة أو قبيلة.

في النهاية، قصة “دبلوماسيي الصدفة” هي قصة ليبيا المصغرة: بلد غني بالموارد والموقع، يتحول إلى ساحة لنهب النفوذ والمال، حيث تُستبعد الكفاءة وتُحجب الرؤية الإستراتيجية خلف غيوم المصالح الضيقة.

إن إصلاح هذه الدبلوماسية المشوهة سيكون مؤشرا على قدرة الليبيين على استعادة دولتهم من براثن الفوضى. أما استمرار الوضع على ما هو عليه، فسيكون إعلانا نهائيا بأن ليبيا، رغم حدودها على الخريطة، قد تخلت عن أحد أهم مقومات الدولة الحديثة: القدرة على التمثيل المهني لنفسها في العالم.

في ليبيا اليوم، حتى السفراء باتوا موظفين بالصدفة؛ وما لم تُستبدل الصدفة بالمؤسسة، ستظل الدولة أسيرة الفوضى، وحلم الاستقرار مجرد وهم بعيد المنال.

_______________

مواد ذات علاقة