إنس برنا كيليتش

أطلقت إدارة ترمب أكثر مبادراتها طموحًا تجاه ليبيا منذ سنوات، وهي مبادرة تقوم على الاعتقاد بأن الانخراط الاقتصادي يمكن أن يفتح الباب أمام تقدم سياسي.

وبدلًا من إعطاء الأولوية لأطر الوساطة الرسمية، تضع واشنطن الشراكات التجارية مع طرفي البلاد في شمال أفريقيا في صميم مقاربتها. وأصبحت الاستثمارات في قطاع الطاقة، وإتاحة الوصول على مستوى رفيع، والتواصل المستمر مع الفصائل المتنافسة، عناصر محدِّدة للسياسة الأمريكية.

لأكثر من عقد، بقيت الولايات المتحدة غائبة إلى حدٍّ كبير عن المشهدين السياسي والأمني في ليبيا. فبعد تدخل حلف الناتو عام 2011 الذي أدى إلى انهيار نظام القذافي، قلّصت واشنطن تدريجيًا حضورها، واكتفت بانخراط دبلوماسي محدود، مع إفساح المجال إلى حدٍّ كبير للعمليات التي تقودها الأمم المتحدة.

لكن الفراغ لم يبقَ فارغًا. فقد دخل فاعلون إقليميون متنافسون إلى الساحة، وترسّخ وجود مرتزقة فاغنر المرتبطين بروسيا تدريجيًا في شرق ليبيا وجنوبها.

وفي الوقت نفسه، تعثرت العملية السياسية في ليبيا مرارًا رغم خرائط الطريق المدعومة من الأمم المتحدة، واتفاقات وقف إطلاق النار، وخطط الانتخابات. وفي هذا السياق، يبدو أن الإدارة تختبر ما إذا كان النفوذ الاقتصادي قادرًا على تحقيق ما أخفقت فيه الدبلوماسية التقليدية.

في صميم هذا النهج يكمن افتراض أن النخب الليبية، المعتمدة بشدة على عائدات النفط، يمكن دفعها نحو التسوية إذا جرى مواءمة مصالحها الاقتصادية. والسؤال هو ما إذا كان الانخراط وحده يمكن أن يتحول إلى نفوذ فعلي على الهياكل السياسية والعسكرية الراسخة.

عودة الولايات المتحدة إلى ليبيا

يمكن فهم المبادرة الأمريكية الأخيرة تجاه ليبيا على أنها عودة متعمّدة وليست مجرد دفع دبلوماسي روتيني. فبعد سنوات من الحد الأدنى من الانخراط، تعود واشنطن إلى الساحة الليبية عبر تواصل مستمر على مستوى رفيع، والتزامات اقتصادية، وتواصل مباشر مع مراكز القوة المتنافسة.

كما أن عدم الاستقرار في ليبيا امتدّ خارج حدودها، مؤثرًا في مسارات الهجرة، وأمن الطاقة، والتوازنات العسكرية الإقليمية.

وتعود جذور هذا الاضطراب إلى قرار إدارة أوباما التدخل عسكريًا دون خطة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد الحرب. فقد أدى إسقاط القذافي إلى تفكيك جوهر الدولة القسري، من دون أن يحل محله إطار سياسي أو أمني مستدام. وما تلا ذلك كان حالة من التشظي، وحكم الميليشيات، وانسحابًا دوليًا مطولًا.

صفقات الطاقة كأداة نفوذ

تُعد اتفاقيات الطاقة نقطة القوة والركيزة الأساسية في الانخراط الأمريكي المتجدد. فالاتفاقات الأخيرة التي تشمل شركات أمريكية وأوروبية كبرى تهدف إلى توسيع القدرة الإنتاجية النفطية لليبيا بشكل ملحوظ خلال السنوات القادمة. وتمثل هذه الالتزامات أيضًا أكبر موجة استثمارات غربية في قطاع الطاقة الليبي منذ أكثر من عقد.

وقد رفعت ليبيا بالفعل إنتاجها إلى مستويات لم تُسجّل منذ ما قبل انتفاضة 2011، ويرى مسؤولون من مختلف الأطراف أن التوسع الإضافي ضروري لاستقرار المالية العامة للدولة. وبالنسبة لواشنطن، يُقصد من الاستثمارات واسعة النطاق إظهار الجدية وخلق حوافز مشتركة للتعاون بين مراكز القوة في الشرق والغرب.

ومع ذلك، من دون ضمانات واضحة، قد تؤدي مصادر الدخل الجديدة إلى تعزيز الانقسامات القائمة بدلًا من ردمها. فكثيرًا ما زادت عائدات النفط من حدة التنافس بدل تعزيز التسويات، إذ غذّت النزاعات حول صلاحيات الميزانية، والسيطرة المؤسسية، وتوزيع الإيرادات.

مسعد بولس ومنطق “الدبلوماسية التجارية”

يقف مسعد بولس، المستشار الرفيع للإدارة لشؤون العالم العربي وأفريقيا، في قلب هذه العقيدة المتجددة. وتشير زياراته المتكررة إلى ليبيا في الأيام الأخيرة من يناير، وتواصله اللاحق مع قادة من جانبي الانقسام، ودوره في جمع اجتماعات دولية، إلى تصاعد الاعتقاد بأن الوصول الاقتصادي يمكن أن يفتح المجال السياسي.

ومن خلال الحفاظ على قنوات مفتوحة مع الفصائل المتنافسة وربط الانخراط الأمريكي بمشاريع اقتصادية ملموسة، تحاول الإدارة إعادة بناء الثقة واستعادة الأهمية في الوقت نفسه. وتُعطي استراتيجية السفير بولس أولوية لصفقات الطاقة، لا باعتبارها مكافأة على التقدم السياسي، بل كأداة لتوليده.

وبخلاف الجهود الأمريكية السابقة التي اعتمدت على الضغط الخارجي، تفترض مقاربة ترامب أن التفاعل المستمر، إلى جانب المصالح التجارية المشتركة، يمكن أن يخفض تدريجيًا حواجز الحوار، رغم أن نجاح هذا المنطق في البيئة الليبية المتشظية لا يزال محل اختبار.

وصول بلا نفوذ والعمل الجماعي

جمعت المحادثات التي سهّلها بولس في باريس الأسبوع الماضي ممثلين عن المعسكرين المتنافسين في ليبيا لأول مرة منذ أشهر، ما أظهر عودة قدرة واشنطن على جمع الأطراف وأن الانخراط الأمريكي لا يزال يحمل وزنًا.

وقد عُقدت لقاءات مع قادة ووسطاء نفوذ من غرب ليبيا المتمركز في طرابلس، وشرق ليبيا المتمركز في بنغازي. وتراوحت النقاشات بين التعاون في الطاقة، والتنسيق العسكري، وعمل المؤسسات المالية الوطنية.

لكن عمليًا، لم تفضِ الاجتماعات إلى التزامات ملموسة. وخلال السنوات الماضية، أثبت القادة الليبيون قدرتهم على الانخراط خارجيًا مع الحفاظ على الوضع القائم داخليًا. وهذا يبيّن أن الوصول الذي حققته واشنطن يحتاج إلى أن يُقترن بالعمل مع حلفاء مثل تركيا كي يتحول إلى نفوذ فعلي.

وكما يظهر من آثار “عقيدة ترامب” في سوريا، فإن تقاسم الأعباء والعمل مع الحلفاء عنصران أساسيان في السياسة الخارجية الأمريكية المتجددة. وفي هذا الإطار، قد يكون العمل مع أنقرة، التي تمتلك قنوات تواصل ونفوذًا مع الطرفين، الخيار الأول في المدى القريب.

وفي غياب هذه الشروط، تخاطر السياسة الأمريكية بإظهار نشاط من دون تأثير. لقد فتح النهج الحالي أبوابًا وخلق فرصًا، ومن الواضح أن الاستثمارات الجديدة قد تمنح أيضًا أملًا للشعب الليبي وتُسهم في استقرار المنطقة.

إلى أن يتحقق ذلك، تبقى الانقسامات المؤسسية المزمنة في ليبيا قائمة. وسيحدد ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل الحضور الاقتصادي إلى نفوذ سياسي ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستُنتج حلولًا، ومدى تحقيق المصالح الأمريكية.

__________

مواد ذات علاقة