د. سراج الحجازي

صُوِّرت زيارة مسعد بولس، المستشار الأول للرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون العالمين العربي والأفريقي، إلى ليبيا الأسبوع الماضي — والتي تمحورت حول قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد (LEES 2026) في طرابلس — في الصحافة الليبية والدولية على أنها محطة مفصلية في العلاقات الأميركية–الليبية.
وبحسب التقارير الإخبارية، شدّد بولس على أن الولايات المتحدة ترى «قيمة عالية في الشراكة الليبية–الأميركية»، وأنها مستعدة لتعميق التعاون عبر القطاعات الاقتصادية والأمنية. كما أبرز الجهود الرامية إلى توسيع إنتاج ليبيا من الطاقة وتعزيز روابط التنمية مع الشركات الأميركية، في إشارة إلى تركيز استراتيجي أميركي متجدد على الإمكانات الطاقوية الهائلة للبلاد.
غير أن هذا التوقيت يتجاوز مجرد الصفقات الجديدة والاعتبارات الدبلوماسية الشكلية؛ إذ يكشف معضلة مركزية طالما شكّلت مسار ليبيا منذ ثورة 2011: هل سيُعزّز الانخراط الدولي مكاسب اقتصادية ضيقة واستقراراً قصير الأجل، أم سيدعم تنمية مستدامة تعالج التحديات البنيوية الأعمق التي تواجه البلاد؟
السياق: مشهد سياسي هش
لا يزال المشهد السياسي في ليبيا شديد الانقسام بعد أكثر من عقد على سقوط معمر القذافي. فالإدارات المتنافسة، والانقسامات المؤسسية، وتعدّد الفاعلين الأمنيين، تواصل تعقيد الحوكمة وتناسق السياسات. ويشير برلمان المملكة المتحدة إلى أن الحكومتين المتنافستين في الغرب والشرق لا تزالان خط الصدع المركزي، فيما تعكس التأجيلات المتكررة للانتخابات الوطنية حالة انسداد سياسي أوسع.
كما تستمر الاشتباكات الداخلية وحالات الاضطراب؛ فحتى في عام 2025 شهدت طرابلس مواجهات مسلحة متجددة تطلّبت إبرام وقف لإطلاق النار لحماية المدنيين واستقرار المؤسسات. وتؤثر هذه الظروف في صنع القرار الاقتصادي في ليبيا، حيث غالباً ما تُفضَّل الإيرادات السريعة — ولا سيما النفط — على التخطيط طويل الأمد والإصلاح المؤسسي.
إعادة الانخراط الاقتصادي: سيف ذو حدّين
في قمة LEES 2026، احتفى بولس ونظراؤه الليبيون باتفاقيات مهمة مع شركات نفط دولية كبرى، بما فيها شركات أميركية وأوروبية، تهدف إلى تعزيز إنتاج ليبيا من الهيدروكربونات وجذب الاستثمار الأجنبي. وفي الوقت نفسه، أفادت رويترز بأن ليبيا وقّعت اتفاقاً لتطوير النفط والغاز لمدة 25 عاماً تزيد قيمته على 20 مليار دولار مع شركتي توتال إنرجيز وكونوكو فيليبس، ما يعزّز دورها كمورّد رئيس للطاقة.
ومن منظور سياساتي تقليدي، تُقدَّم مثل هذه الصفقات على أنها ركائز للنمو الاقتصادي والاستقرار. غير أن هذا النموذج، بالنسبة لليبيا — الدولة المعتمدة بشدة على عائدات النفط التي تشكّل معظم الإيرادات المالية — ينطوي على مخاطر تعزيز الاعتماد على الموارد وتجاهل الحاجة إلى تنويع الاقتصاد وبناء القدرة على الصمود. ووفقاً لـالبنك الدولي، فإن اعتماد ليبيا على الهيدروكربونات، مقروناً بعدم الاستقرار، قيّد الإنتاجية وأضعف آفاق التنمية الأوسع.
وهذا ليس تحدياً ليبياً فحسب، بل مشكلة أوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، حيث تواجه الاقتصادات المعتمدة على الهيدروكربونات ضغوطاً مماثلة للانتقال نحو نماذج اقتصادية متنوّعة، قائمة على المعرفة وقادرة على الصمود.
الاستدامة أبعد من النفط: مرافعة لأجندة أشمل
لكي يكون الانخراط الدولي ذا معنى، يجب أن يتجاوز صفقات الطاقة اللافتة للعناوين ويشمل ثلاثة أبعاد مترابطة:
-
التنويع الاقتصادي
تاريخياً، أدت ثروة ليبيا النفطية إلى إقصاء الاستثمار في قطاعات أخرى. ويُعد هذا الاختلال البنيوي سبباً رئيساً لاستمرار البطالة والفقر وفجوات الخدمات العامة رغم وفرة الموارد الطبيعية. ويؤكد البنك الدولي أن الاقتصاد الليبي سيظل عرضة لصدمات الأسعار العالمية والاضطرابات المرتبطة بالنزاعات ما لم يتحقق التنويع. -
الحوكمة المؤسسية
تسلط تحليلات عديدة الضوء على هشاشة المؤسسات الليبية، التي تفتقر إلى القدرة على إدارة الإيرادات بشفافية، وفرض الحماية البيئية، وتنسيق التخطيط التنموي طويل الأمد. وقد أدّى الانقسام السياسي والفساد — بما في ذلك داخل قطاع النفط الوطني — إلى تآكل الثقة العامة وإعاقة جهود الإصلاح.
ويشير ذلك إلى معضلة أوسع: يمكن للفاعلين الدوليين ضخّ رأس المال من دون تعزيز الأنظمة المحلية، لكن الاستدامة الحقيقية تتطلب تمكين أطر الحوكمة الوطنية القادرة على الإشراف على التنمية وتنظيمها، لا الالتفاف عليها. -
القدرة البيئية والاجتماعية على الصمود
تقع ليبيا عند تقاطع الهشاشة المناخية وندرة الموارد. فالبلاد تواجه ضغطاً حاداً على المياه، والتصحر، والتدهور البيئي، فضلاً عن تزايد الظواهر المناخية المتطرفة المرتبطة بالاحترار العالمي.
وتفاقم هذه التحديات مواطن الضعف الاجتماعية–الاقتصادية، إذ تؤثر الصدمات المناخية بصورة غير متكافئة في سبل العيش الريفية والخدمات الحضرية. ومن دون التخطيط والاستثمار في الطاقة المتجددة، وإدارة الموارد المائية، والتكيّف المناخي، ستظل مكاسب التنمية في ليبيا هشّة.
وفي هذا السياق، تركز مبادرات حديثة تقودها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في ليبيا على الدفع نحو انتقال عادل ومستدام للطاقة، مع ربط صريح بين الاستدامة البيئية والتنويع الاقتصادي والقدرة على الصمود المناخي.
ليبيا في سياق الاستدامة الإقليمي والعالمي
تعكس حالة ليبيا تحولات إقليمية أوسع. فدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — من شمال أفريقيا إلى الخليج — تتعامل مع حتمية فصل النمو عن الوقود الأحفوري، وتعزيز القدرة المؤسسية، وإرساء حوكمة مستدامة. وتؤكد الأطر الدولية، مثل أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs) ومبادرات المناخ، أن الاستدامة ليست إضافة ثانوية، بل عنصر مركزي لتحقيق السلام والازدهار والرفاه الإنساني على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يجب أن تتكيّف السياسة الخارجية. وكما أشار معلقون في مجال بناء السلام المستدام، فإن مواءمة الانخراط الدبلوماسي مع حقوق الإنسان والحوكمة وأهداف التنمية المستدامة — بدلاً من المصالح التعاملية الضيقة — يمكن أن تساعد الدول المتأثرة بالنزاعات، مثل ليبيا، على كسر حلقة عدم الاستقرار التي لازمتها لعقود.
تحوّل استراتيجي أم فرصة مهدرة؟
لا يزال الانخراط الأميركي في عهد بولس قابلاً لأن يكون بنّاءً. فاستراتيجية أميركية تدمج التعاون الاقتصادي بدعم الإصلاح المؤسسي، والقدرة البيئية على الصمود، والحوكمة الشاملة، ستنسجم مع الجهود الإقليمية الأوسع للاستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن ثمة مخاطرة واضحة: التركيز الضيق على إنتاج الطاقة والأمن قد يعيد إنتاج النموذج القديم للانخراط القائم على الموارد، وهو النموذج الذي أسهم في دورات عدم الاستقرار.
ومع توسّع ليبيا في أهدافها الإنتاجية وجذبها للشركات الأجنبية، ينبغي على صانعي السياسات في طرابلس وخارجها طرح أسئلة صعبة:
-
هل ترتبط الصفقات الدولية بمتطلبات حماية البيئة، وبناء القدرات المحلية، وشفافية الإيرادات؟
-
هل تدعم أطر الاستثمار خلق الوظائف والتنويع خارج قطاع الهيدروكربونات؟
-
هل يمكن للشراكات أن تساعد ليبيا على تعزيز ترابط الماء والطاقة والغذاء لبناء القدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية والتقلبات السياسية؟
الخلاصة: الاستدامة كاستراتيجية
تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق حقيقي. وتعكس الزيارة الأخيرة لمستشار أميركي رفيع المستوى تنامياً في الاهتمام الجيوسياسي والاقتصادي. غير أن هذا الانخراط، إذا لم يُرسَّخ في إطار الاستدامة — بما يشمل التنمية المتنوّعة، والإصلاح المؤسسي، والقدرة البيئية على الصمود — فقد يعيد إنتاج دورات عدم الاستقرار تحت مسمى جديد.
لن يُؤمَّن مستقبل ليبيا بصفقات النفط أو الاستقرار المؤقت وحدهما، بل بسياسات وشراكات تدمج الاستدامة في نسيج الحوكمة، وبانخراط دولي ينظر إلى ليبيا ليس مجرد مورّد للموارد، بل شريكاً في تنمية طويلة الأمد.
وفي السياق الأوسع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ينسجم هذا النهج مع الضرورات الإقليمية للانتقال نحو الصمود والعدالة. وبالنسبة لليبيا، قد يكون جعل الاستدامة ركناً أساسياً في التعاون الخارجي هو الفارق بين ركودٍ طويل الأمد وتحولٍ حقيقي.
***
د. سراج الحجازي محاضر وقائد برنامج في التنمية المستدامة وتخطيط المشاريع بجامعة برادفورد، وعضو مجلس إدارة ومتخصص في دراسات شمال أفريقيا بمركز جون وإلنورا فيرغسون للدراسات الأفريقية (JEFCAS). تركز أبحاثه على التنمية الحضرية المستدامة، وإعادة الإعمار في سياقات ما بعد النزاع، والحوكمة البيئية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
_________