Minbar Libya

بقلم أسامة عكنان

في سياق الدراسة الفنية والثقافية المقارنة، لا يمكن فهم المشهد الفني والثقافي الليبي خلال أحداث ثورة 17 فبراير دون فهم جذور هذا المشهد في الحِقَب الثلاث التي تعاقبت على ليبيا قبل الثورة، وهي حقبة الاستعمار الإيطالي، وحقبة المَلَكِيَّة، ثم حقبة حكم القذافي.

الجزء الأول

في هذا السياق، ولأن هذه الدراسة تتعلق بالمشهد الفني والثقافي خلال الثورة الراهنة، فإننا نكتفي في تقديمنا له بالإشارة إلى أن فترة الاستعمار الإيطالي إذا كانت فترة نستطيع فهم ظاهرة القحط والمسخ الثقافي والفني فيها، باتجاه خلق مبررات القطيعة بين الشعب الليبي وماضيه، وباتجاه ربطه بإيطاليا من كل الجوانب.

وإذا كنا نستطيع أيضا فهم المبررات التي تقف وراء البدء بالتأسيس لنهضة ثقافية وفنية بدا أنها ستكون واعدة في الحقبة المَلَكِيَّة، فإننا لا نستطيع أن نتفهم حالة القحط والجدب الثقافي والفني التي شهدتها ليبيا في عهد “القذافي”، إلا بتوجيه أصابع الاتهام إلى نظامه الذي وضع نصبَ عينيه شكلا لليبيا وللشعب الليبي يتماهيان مع تأليه الحاكم القائد الملهم، ليُصار بعد ذلك إلى صبِّ المشهد الثقافي والفني برمته في قوالب تخدم هذا التوجه التأليهي.

فكان ما كان من انحدار غير عادي في الحياة الثقافية والفنية في ليبيا على مدى أكثر من أربعة عقود طوال حكم القذافي. وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله على الولادة الصعبة والمتعسرة التي يشهدها الفن والتي تشهدها الثقافة في ليبيا منذ سقوط النظام المستبد في ليبيا.

وهو ما سنحاول تتبع مظاهره في تعقُّبِنا لأهم محطاته في كل من الفن التشكيلي، والسينما، والمسرح، وأخيرا الأدب، رواية وقصة وشعرا.

أولا: الجداريات والنحات “علي الوكواك” من أهم مظاهر الفن التشكيلي التي وثَّقَت تفاصيل ثورة فبراير في ليبيا

الفن التشكيلي بشقيه الرسم والنحت وجد في ثورة 17 فبراير بيئة خصبة ليعبِّرَ عن نفسه. فحيثما تتجول في ليبيا تطالعك جدرانٌ طُليت بألوان زاهية ولوحات مُعبّرة عن الثورة والحرب التي خاضها الليبيون ضد نظام القذافي.

وعند التدقيق في اللوحات المنتشرة في عموم ليبيا نجد أنها استمدت وحيها من تضحيات السابقين لتندمج مع تضحيات اللاحقين. فأخذت من شيخ المناضلين عمر المختار ومن الملك إدريس السنوسي، رموزا.

من جهة أخرى وفي أعقاب ثورة 17 فبراير 2011 كان النحات الليبي الراحل “علي الوكواك” الذي توفي في مطلع عام 2019، قد أقام معرضا دائما للنحت في “قصر المنار” بمدينة بنغازي شرقي ليبيا، وعرض فيه نماذج من النحت على المعادن تعبر عن أحداث الثورة والتراث الليبي وتحكي قصصا إنسانية من البلاد.

فقد استطاع “الوكواك” تطويع بقايا الذخيرة والقنابل والصواريخ، التي سعى لتجميعها منذ اندلاع القتال في بلاده، وتمكّن من تحويلها إلى منحوتات وأعمال فنية تدعم الانتفاضة ضد القذافي. ونالت أعماله التي جسدت الجندي المجهول وتماثيل للحرية وحروف الأمازيغ، إعجاب جمهور معرض “جرائم الطاغية” في مدينة بنغازي الذي عقد في منتصف عام 2011.

وعن تجربته المميزة هذه أشار الوكواك إلى أن القذافي جاء بذخيرة كبيرة لتدمير بنغازي في مارس 2011، وعلى هذا الأساس فكّر هو في تحويلها إلى أشكال جمالية، وأمضى شهرين في نحت التماثيل، واستخدم فيها حوالي عشرة آلاف ظرف فارغ.

وفي تلك الأجواء سافر إلى جبهة البريقة غربي بنغازي مرات عدة لجمع الذخيرة والصواريخ التي دخلت في القتال، معتبرا أن ما قام به يعد جهدا بسيطا لخدمة الثورة، وأن صحفيين ألمانا وإيطاليين وإنجليزا اطلعوا على منحوتاته.

في ردها على سؤال: “لماذا وجد الليبيون في الجداريات أداة للتعبير عما يريدونه”؟ قالت “عفاف الزبير”، عضو هيئة التدريس بكلية الإعلام بجامعة بنغازي: “هذا الفن يظهر بالتزامن مع الأحداث التاريخية الكبرى كالمعارك والانتصارات والثورات والمهرجانات والاحتفالات الوطنية ليوثقها. وأوضح دليل على ذلك هو مواكبة هذا الفن للثورات العربية بوجوده على جدران الشوارع والمباني المحيطة بميادين التحرير بأيدي هواة للفن يعكس صوت ورؤية الشعوب”.

وعن هذه التجربة قالت الفنانة التشكيلية “مريم علي العباني: “بعض من رسموا على الجدران ليسوا بفنانين. وحتى لو كانت الرسومات ليست جيدة فنيا، لكنها رائعة لأنها تعبيرٌ صادق عن الأحداث، إن الكتابات والرسومات التي وثِّقَت على الجدران كما هي الحال في “باب العزيزية” كونت لوحات رائعة وسيمفونية لونية لا مثيل لها”.

وإلى هذا الاتجاه ذهب أيضا الفنان التشكيلي “جمعة الفزاني” الذي قال: “إن هذه التجربة رائعة وجميلة وتبدو هذه الأعمال وكأنها لمبدعين حرفيين وليس لهواة”. إن هؤلاء متحمسون لنشر أعمالهم على الجدران بهدف التعبير عن النفس وعن حرمانهم من حرية التعبير سنوات طويلة”.

ثانيا: كيف تعاطى الليبيون سينمائيا مع واقعهم منذ 17 فبراير 2011

بعد 42 عاما من حكم ديكتاتوري منغلق، كان من الطبيعي أن تهتم الأعمال السينمائية بالمسائل الحقوقية وبالنبش في جراح الماضي وآلامه وكوارثه.

لكن يبدو أن المخرجين الشبان اختاروا تسليط الأضواء على قصص حياتية عادية، أو على مسائل ذات طابع ثقافي أو إنساني، مثل:

فيلم “صانع السندويتش” الذي اهتم بشخصية ليبية شهيرة ببيع أكلة نظيفة في طرابلس منذ عشرات السنين،

وفيلم “الغرفة السرية”، الذي يحكي قصة غرفة شيدها سرا مواطن مثقف من أجل حماية القطع الأثرية الصغيرة في أهم متحف بطرابلس من النهب والسرقة أثناء الثورة،

وقصة “العداَّء”، الليبي الذي لم يتردد في رفع علم الثورة في سباق فاز به في الخارج قبل سقوط القذافي،

وفيلم “غرافيتي” الذي اهتم برسام شارك في الثورة بكتابة شعارات على الجدران ويواصل اليوم عمله برسوم وتعبيرات على الجدران “لممارسة حرية التعبير” التي افتكها الليبيون بكثير من الدماء والدموع.

ففي الأشهر التي تلت انهيار “الجماهيرية”، بدا أن كل الأحلام أصبحت قابلة للتنفيذ مثلما قال المخرج خليفة علي أبو خريص، وتحرَّرت الألسن من عقالها ونشطت الذاكرة المكتومة فأصبح من المُمكن إنجاز أشرطة عن ذكريات السجناء السابقين،

وأخرى عن أوضاع المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في السجون والمعتقلات كما في فيلم “طريق مسدود” لأحمد عبوب،

وعن الصعوبات الجمّة التي تُواجه السينمائيين الشبان كما في فيلم “مهمة مستحيلة” لـ نجمي عون، أو عن ممارسة بعض هوايات الشباب الممنوعة سابقا كما في فيلم “دريفتينغ” لـ سامر عمر .

ويعد الفيلم الليبي القصير “العشوائي” من الأفلام ذات الأهمية التي ظهرت خلال الثورة، فهو يعكس تأثيرات 17 فبراير 2011 على المجتمع الليبي ويرصد ظاهرة بروز الصراعات والتصنيفات الأيديولوجية المفتعلة عقب سقوط نظام القذافي.

تدور حكاية الفيلم حول “المعتصم”، الشاب الليبي الذي كان خارج البلاد في فترة الثورة، إلا أنه يقرر العودة للوطن بعد نهاية الصراع المسلح في صيف 2011، متفائلًا وطامحا بالمشاركة في إعادة بناء المجتمع والدولة بعد أعوام طويلة من القمع والكبت للحريات،

فيجد نفسه ضحية لالتباسات كثيرة حول كيفية تصنيفه ضمن داء تفشى في المجتمع الليبي في فترة الثورة حتى وصلت للاقتتال الأهلي بين بعضهم البعض وبعد فترة من ممارسة العنف اللفظي والجسدي في الحياة اليومية، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، والمواقع الالكترونية والفضائيات الجديدة.

من جهة أخرى أتاح عرض مجموعة من الأشرطة القصيرة الليبية الجديدة في الدورة 68 لمهرجان الفيلم بلوكارنو بسويسرا عام 2015، للمُخرجيْن الشابيْن “مُهند الأمين” و”نجمي عون” فرصة نادرة للتعريف بالمواهب الجديدة وبالصعوبات التي تُواجه انطلاقة جديدة للفن السابع في ليبيا.

فقد تمَّ اكتشاف أن هناك سينما ليبية جديدة ونابضة ويافعة. صحيح أنها تخطو بحذر شديد خطواتها الأولى، لكن الشبان الذين يتجشمون الكثير من الصعوبات لتأمين انطلاقتها وحضورها قدموا الدليل على أن المواهب المستوعبة للتقنيات السينمائية الحديثة متوفرة،

وأنها لا تحتاج إلا إلى عودة الاستقرار إلى البلد وإلى قدر أكبر من التفهم المجتمعي والدعم الحكومي لإنتاج المزيد وافتكاك مكان مُستحق تحت الشمس وعلى الشاشات الفضية عربيا وإفريقيا وعالميا.

في هذا السياق لفت المخرج الشاب “مهند الأمين” إلى أن الناس في ليبيا “لا يعتبرون أن العمل في المجال السينمائي يُمكن أن يكون مهنة حقيقية”، فليس هناك تاريخ في هذا المجال، والسينما لا تشكل جزءا من الثقافة العامة.

لكنه يؤكد على أن “أهم مشكلة تظل هي المشكلة الأمنية”، حيث يحتاج المرء “إلى حجم كبير من العلاقات” لتأمين عملية التقاط المشاهد، وضمان عدم تعرض الفريق العامل لأي خطر خلال إنجازه للعمل السينمائي.

بل إن المعضلة تتمثل في أن من يقبل بك اليوم يُمكن أن يُغيِّرَ رأيه في أي لحظة ويتحول إلى رافض لقيامك بالتصوير حيث أن “الكاميرا تحولت في ظل الانفلات الأمني بنظر كثيرين إلى “مرادف للتجسّس”، فالمشكلة “ثقافية بالأساس، ويُمكنها أن تتسم أحيانا بقدر كبير من الخطورة”، ذلك أن “من يملك السلاح اليوم في ليبيا “لا يُفرّق بالضرورة بين العمل الثقافي وممارسة التجسّس”.

أما عن الكيفية التي يفكر بها المُخرجون الليبيون الشبان لتجاوز هذه الصعوبات الأمنية والبيروقراطية والمالية والتنظيمية والثقافية، يقول “نجمي عون”: “نحاول أن نتجاوز الأوضاع الحالية في هذه الفترة غير المستقرة من خلال المشاركة في مهرجانات من هذا القبيل، ونحاول أن نستمر في إنتاج أفلام من تونس وغيرها حتى يكون ذلك حافزا للشباب العامل في هذا المجال بليبيا، ولإعلام الرأي العام في الداخل بوجود أفلام ومخرجين ليبيين”.

في السياق نفسه، يُضيف مهند الأمين أن “من فوائد القدوم إلى مهرجانات دولية مثل لوكارنو توسيع مجال العلاقات والاطلاع على تجارب الآخرين في مجالات التوزيع والإنتاج وربط شبكة من العلاقات بما يُساعدنا على إنجاز أفلامنا ومعرفة أفضل القنوات لإيصالها إلى الجمهور الليبي في ظل عدم وجود قاعات عرض عامة ولامُبالاة الأغلبية الساحقة من القنوات التلفزيونية الليبية الخاصة ببث أعمالهم للمشاهدين.

البقية في الجزء الثاني

***

أسامة عكنان ـ كاتب وباحث أردني من أصل فلسطيني

__________

أفريقيا 2050