Minbar Libya

بقلم امراجع السحاتي

في هذه الدراسة يحاول الباحث أن يوضح تأثير الهوية السياسية الليبية على الوطنية لدى المواطنين الليبيين، كما يحاول الباحث توضيح تأثير الهوية الاجتماعية على الوطنية في ظل تواجدها تحت مظلة الهوية السياسية من خلال الإجابة على التساؤل الذي يقول: هل للهوية السياسية والاجتماعية في ليبيا تأثير على الوطنية؟

الجزء الثالث

ثانيا: الوطنية المفهوم وأهم عناصر تعزيزها وضعفها

أـ الوطنية المفهوم

لو تعمقنا في مصطلح الوطنية نجد أن مصدره الوطنوالذي عرّف بأنه هو المكان الذي ولد فيه الشخص أو عاش فيه ويكن له ارتباط عاطفي خاص به إذا يشعر بالإنتماء إليه

عرّف الوطن كذلك بأنه “هو المكان الذي ينتمي إليه الفرد من خلال انتمائه لجماعة هذا الوطن، واندماجه مع النسيج الاجتماعي والثقافي لهذا البلد فينشأ بينهما نوع من التعقل والإنتماء

وقد عرّف الوطن بالنسبة للجماعة بأنه تلك القطعة من الكرة الأرضية التي تخصها دون غيرها بحيث يشعر أفراد الجماعة (المواطنين) بالإنتماء إليها من خلال انتمائهم إلى الجماعة نفسها“.

من خلال هذا التعريف نجد أن الرقعة الجغرافية لليبيا هي المكان .. إذا ليبيا هي وطن.

عند ذكر الوطن فإننا نصادف الكثير من المصطلحات التي ظهرت بوجود الوطن، ومن تلك المصطلحات (الوطنية) والتي عرّفت بأنها هي الشعور بالولاء للوطن والإخلاص له والإعتزاز به والدفاع عنه والإفتخار به، وهي ظاهرة نفسية اجتماعية مركبة ترتكز على حب الوطن، أرضا وأهلا، والسعي إلى خدمة مصالحه، وتشمل جميع النشاطات التي تساهم في تنمية حب الوطن والإعتزاز به“.

الوطنية مفهوم يعني حب الوطن وجعله فوق كل شيء والانتماء له أقوى من الانتماء العرقي والإجتماعي، وفي هذا عرّفت الوطنية بأنها نزعة حب الوطن أو الإنتماء لوطن“. وقيل كذلك بأن الوطنية هي التعلق العاطفي والولاء لأمة محددة بصفة خاصة واستثنائية عن البلدان الأخرى“.

كما أشير بأن الوطنية قد تجرّ المواطن والدولة إلى التطرف أو إلى الاعتدال أو عدم التطرف حيث وجدت هناك عدة أنواع من الوطنية منها المعتدلة ومنها المتعصبة أو المتطرفة أو عديمة التطرف وقد تستغل الدولة الوطنية المتعصبة المواطنين لتوحيد جبهتها الداخلية، وتحقيق مصالح خاصة بها التي قد تكون لشخص أو جماعة معينة دون أفراد المجتمع، قد عرّفت الوطنية المتعصبة بأنه هي أظهار أو أبراز المشاعر الوطنية المتميزة بطريقة مغال فيها“.

ليبيا هي وطن لمجموعة من المكونات من عدة أعراق وهذه حقيقة لا ينكرها إلا الجاهل أو صاحب المصلحة الفردية، ليبيا وطن للمكونات عربا وأمازيع وتبو وتوارق، وكذلك لعدة مكونات بسيطة غير عربية من آسيا وأفريقيا وأوروبا.

عند ذكر أن ليبيا تتكون من عدة مكونات من عدة أمم نجد أن من لهم مصالح للسيطرة على مقدرات ليبيا يتضايقون ويطلقون عبارات التقسيم للوحدة الوطنية لجعلها فزاعة ليعيشوا في في راحة وسلام ولا يهمهم ما يلحق بالوطن والوطنية من تشوهات.

ب ـ أهم العناصر التي تعزز الوطنية:

هناك عدد من العناصر بواستطها يتم توثيق وتعزيز الوطنية، من تلك العناصر الآتي:

ـ الإرتباط بالأمة: عندما يتم الارتباط بالوطن فإن الوطنية تعزّز وتقوّى.

ـ الإنتماء للأمة: عندما يتم انتماء المواطن لأمته فإن الوطنية تكون لدية قوية.

ـ الإهتمام بالهوية الإجتماعية: عندما تهتم الدولة صاحبة الهوية السياسية بالهوية الاجتماعية فإن ذلك يولّد الوطنية في نفوس المواطنين أصحاب الهوية الإجتماعية.

ـ تلاحم الهوية السياسية مع الهوية الاجتماعية: عندما تتلاحم الهوية السياسية مع الهوية الاجتماعية، فإن ذلك يعزّز الوطنية.

ـ التضامن مع مواطني الدولة: عندما يكون مواطني الدولة متضامين ومتمسكين فإن ذلك يولّد الوطنية في نفوس مواطني الدولة التي يتضامن مواطنيها مع بعضهم البعض.

ج ـ أهم العناصر التي تضعف الوطنية:

ـ تهميش الهوية الاجتماعية: وهذا التهميش هو من أهم أسباب إضعاف الوطنية، فعندما يتم تهميش هوية لمكون له هويته الخاصة به داخل وطن أو دولة ما، فإن ذلك يهدد الوطنية لأن أصحاب الهوية المهمشة سوف يحاولون أو يبحثوا عن شيء يظهر هويتهم حتى ولو قاموا بالإنفصال عن هوية الدولة والتي هي هوية سياسية ضعيفة والتي قد تتناغم مع هويات داخل الدولة لها تأثير شعبي كبير.

ـ إهمال الهويات الاجتماعية: كما يعد إهمال الهويات الاجتماعية والتي عادة جزء منها يكون مكون لهوية الدولة فيه تهديد للوطنية حيث أن هذا الإهمال قد يؤدي إلى محاولة الهوية الإجتماعية المهملة للبحث عن من يهتم بها وتحاول الثورة على هوية الدولة والتي هي ترشد للوطنية. وبالتالي فإن ذلك سوف يؤثر على الوطنية وقد يؤدي إلى موتها وظهور وطنية جديدة لدولة جديدة كما حدث للكثير من الدول التي تفككت إلى دول أخرى كدول الاتحاد السوفيتي والدولة العثمانية.

ـ عدم وجود نظام ديمقراطي: النظام الشمولي يعد عنصر مؤثر في الوطنية خاصة عندما يكون ذلك النظام يحكم دولة بها عدد من الهويات الاجتماعية التي في مجملها يكوّن الهوية الحقيقية للدولة بعيدا عن الهوية السياسية التي شكلها النظام بدستوره الخاص ونظامه.

ـ استبعاد الهويات الاجتماعية: إن استبعاد هوية من الهويات التي تنطوي تحت مظلة الدولة يعتبر ظلم لهذه الهوية وبالتالي ذلك سيؤدي إلى إضعاف الوطنية عند مواطني هذه الهوية وهذا ما قامت به الأنظمة التي حكمت ليبيا حيث استبعدت هويات الكثير من المكونات التي تكون ليبيا بل أن تلك الأنظمة لم تعترف بثقافتها وقامت بطمس تاريخ الهوية المستبعدة كهوية التبو مثلا، حيث استبعدت أسماء التبو من السجل المدني أبان الأنظمة السابقة فحين جلبت أسماء من خارج الهويات التي تمثل الوهية الليبية عموما كالأسماء التركية والإيرانية واللاتينية ناهيك عن أسماء شعوب أخرى وغيرها.

ـ تهميش المكونات من قبل السلطة الحاكمة: سواء كان ذلك التهميش سياسي أو ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي هذا يؤدي إلى إضعاف الوطنية.

ـ عدم وجود دستور شامل متفق عليه: عدم وجود نص دستوري واضح وصريح فيه حقوق كل المكونات الليبية وما يعيش تحت مظلة الدولة فيه إضعاف للوطنية.

ـ جهود المنظمات والجماعات المتطرفة: كما تعد الجهود التي تبذلها المنظمات والجماعات المتطرفة سواء كانت دينية أو سياسية وغيرها عامل إضعاف الوطنية، عندما تكون تلك الجهود في سبيل تدمير الهوية السياسية والاجتماعية.

ـ الإعلام المضاد: كما يعد بعد الإعلام المضاد المعادي للدولة والهويات السياسية والإجتماعية عامل من عوامل أضعاف الوطنية.

وحقيقة الكثير من عوامل الابتعاد عن الوطن الموجودة في ليبيا وقد زادت في ظل النظام الملكي والجمهوري والجماهيري وفي ظل المرحلة الفوضوية بعد ثورة فبراير خاصة عندما كان الحكام الذين حكموا ليبيا يستخدمون سياسة فرق تسد.

مما تقدم فإن الوطنية قد تكون قوية فيها الشعب بكافة هوياته الاجتماعية ملتحم مع دولته وحكومته ونظامه ومؤسساته وجيشه وأجهزته الأمنية يتعصب ويموت ويضحي من أجلها، وهذه الوطنية هي التي من تلاحم الهويات الاجتماعية مع الهوية السياسية، وقد تكون عكس ذلك، ولهذا يتطلب أن تكون الهوية السياسية حاضنة للهويات الاجتماعية والمكونات التي تكوّن الدولة، ويكون ذلك من خلال وضع خطة لتشكيل هوية سياسية تتكون من الهويات الاجتماعية.

إضافة إلى ذلك هناك عوامل ثانوية لها تأثير في تثبت الوطنية في نفس المواطن وتلك العوامل هي وسائل التنشئة الإجتماعية بدءً من الأسرة إلى الحضانة إلى الروضة إلى المدرسة إلى الجامعة إلى مؤسسات المجتمع المدني وإلى المسجد والنادي وغيره.

إضافة إلى القضاء على العوامل التي تضعف الوطنية والإهتمام بالعوامل التي تعزّز الوطنية.

يتبع في الجزء الرابع

____________

المصدر: مجلة الفصول الأربعة ـ عدد 124 ـ يناير 2020