Minbar Libya

بقلم عبد الحميد صيام

ليس صدفة في رأينا أن يعلن عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، والجنرال المتقاعد خليفة حفتر، القائد العسكري لما يسمى الجيش الوطني الليبي، انقلابين على الشرعية يومي الأحد والاثنين الماضيين تباعا، الأول أعلن انقلابه من أبو ظبي، والثاني من بنغازي:

تشابهت الظروف وتشابه الرجلان وقد تتشابه النتائج.

جاء في إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي الزبيدي ما يلي: «يعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الإدارة الذاتية للجنوب اعتبارا من منتصف ليل السبت 25 أبريل 2020، وتباشر لجنة الإدارة الذاتية أداء عملها، وفقا للمهام المحددة لها من قبل رئاسة المجلس».

إن تطبيق الحكم الذاتي في الولايات الجنوبية مقدمة للانفصال، تحت حجة فشل الحكومة الشرعية التي يمثلها عبد ربه منصور هادي، في الاستجابة لمطالب المواطنين بعد الفيضانات الأخيرة، التي ألحقت كثيرا من الدمار في عدن ومحافظات الجنوب.

وفي اليوم التالي الاثنين، أعلن الجنرال الليبي خليفة حفتر، من مقر قيادته في بنغازي، أنه يصغي لتفويض الشعب له لإلغاء اتفاقية الصخيرات. قال في إعلانه اليائس «نقبل تفويض الشعب الليبي لإرادتنا. نحن بدورنا سنستكمل مسيرة النصر وتحرير البلاد من الإرهاب. ورغم ثقل الأمانة نعلن قبولنا لإرادة الشعب وقبول تفويضه لنا في الدفاع عن حقوقه».

هذا يعني إنهاء كل ما نتج عن الاتفاق السياسي الليبي عام 2015، أي إلغاء حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، المعترف بها دوليا والمجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد عمار المشري، وبرلمان طبرق برئاسة عقيلة صالح.

تشابهت الظروف في اليمن وليبيا، وتماثلت ردود الفعل. فكلا الحركتين في المحصلة ترضعان من الثدي نفسه، والمياه الجارية في عروق الحركتين آتية من المنبع نفسه، ومعالجة الصراع ومحاولة حسمه بالقوة يدخل ضمن عقلية ذلك التيار، الذي أخذ على عاتقه إجهاض جميع الثورات الشعبية العربية، واستبدال إرادة الشعب وحركاته الجماهيرية بسطوة الطاغية المستبد، لخدمة مشروع التخلف والتبعية، وهدر الأموال،

وتمكين إسرائيل من السيطرة على هذه الأمة، وشطب القضية الفلسطينية مرة وإلى الأبد.

لقد بدأت أبو ظبي الانخراط في إنشاء ودعم الحركتين تقريبا في الوقت نفسه. في عام 2015 أطلق التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات «عاصفة الحزم» لتحرير اليمن من قبضة الحوثيين، وفي عام 2014 أعلن الجنرال الليبي إطلاق عملية الكرامة لتحرير ليبيا من الإرهابيين، كما قال.

والواضح للعيان الآن أن المشروعين يتعثران، فحرب التحالف تتعرض للتراجع والتفكك في اليمن، وحكومة السراج تبدو أقوى مما كانت عليه من قبل.

قامت الإمارات بتأسيس الميليشيات التابعة لها، وأصبحت تتصرف بمعزل عن دول التحالف.

وعندما بدا واضحا أن مشروع إعادة الشرعية إلى اليمن سراب، انفصل برنامج الإمارات عن التحالف وشرعية هادي، ربما بمباركة سعودية، لتقسيم اليمن وتقاسم خيراته، والسيطرة على ثرواته وموانئه ونفطه.

أما «كرامة» حفتر فقد تمكنت بعد سنوات من السيطرة على بنغازي ودرنة، بعد ارتكاب العديد من المجازر، كما ورد في تقارير فريق الخبراء المعني بمراقبة الحظر المفروض على ليبيا، بعد القرارين 1970 و1973 (2011) وتم تحويل بعض تلك التقارير إلى المحكمة الجنائية الدولية.

بعد كل معركة وانتشار أخبار الانتهاكات الجسيمة، كان حفتر يعود ويلتقي بالسراج، ويصدر بيان يدعو للوحدة، وحل النزاع بالطرق السلمية. من باريس إلى باليرمو إلى أبو ظبي.

استغل حفتر طيبة قلب السراج، الذي وصفه بأنه «ساذج».

أخذت حفتر العزة بالإثم، واتخذ الخطأ الفادح بالاتجاه نحو طرابلس في الرابع من أبريل 2019، معلنا «عملية الفتح المبين»، مستوحيا فتح مكة وكأن سكان طرابلس من الكفار وهو الرسول المنقذ، لكن أحلامه بدأت تتكسر على أبواب طرابلس ومصراتة وصبراطة وغريان، ما اضطره إلى أن يعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد.

حفتر والزبيديتشابه حتى في التفاصيل

يتشابه الرجلان كثيرا، وكأن الاختيار للعب هذا الدور اتخذ بعناية كبيرة.

فكلاهما جاء من صفوف العسكر، وكلاهما خاض معارك فاشلة، وعاد ورمم نفسه من بعد.

حفتر هزم وأسر في تشاد، وتدخلت وكالة الاستخبارات الأمريكية ونقلته إلى النيجر فالولايات المتحدة عام 1990. ثم أعيد إلى ساحة الأحداث بعد ثورة 2011، ثم انشق مع إحدى الكتائب، وأطلق عليها اسم الجيش الوطني الليبي، وأعلن معركته ضد بنغازي، بعد سيطرة جماعة «أنصار الشريعة».

تمكن حفتر بعد معارك دموية، لعبت مصر فيها دورا مباشرا، من نزع بنغازي ودرنة من أيدي المتطرفين الإسلاميين وهو ما جلب له التأييد الجاد، خاصة من فرنسا بعد الإمارات ومصر والسعودية.

فبعد حسم معركة بنغازي في يوليو 2017، جمع الرئيس الفرنسي ماكرون حفتر والسراج وبينهما غسان سلامة، وكأن فرنسا تريد أن ترسم معالم ليبيا الجديدة على مقاسها:

تحت غطاء أممي يتولى الرئاسة «طرطور» والقوات المسلحة قائد عسكري صلب، يضمن تدفق النفط، ويمنع المهاجرين من أفريقيا الوصول إلى الشواطئ الأوروبية.

لكن شرعية السراج لم يستطع أحد أن يتجاوزها، بالضبط كما لم يستطع أحد أن يتجاوز شرعية عبد ربه منصور هادي.

فإذا كان تجاوز الشرعية في اليمن أو ليبيا أمرا صعبا إذن فليكن الانقلاب. وهكذا كان.

أما الزبيدي فقد كان أحد قادة حرب الانفصال عام 1994، وتمت هزيمة الحركة التي كانت مدعومة من السعودية، وهرب الزبيدي إلى جيبوتي.

عاد وتسلل عام 2006 بدعم من المخابرات السعودية، التي كانت تراهن على الانفصال، وأنشأ حركة تقرير المصير «حتم» وظل يعمل بالسر، حتى شمله عفو من علي عبد الله صالح عام 2010.

بعد الثورة اليمنية عام 2011 وسقوط علي عبد الله صالح، ثم سيطرة الحوثيين على المحافظات الشمالية، واحتلال صنعاء، انضم عيدروس إلى دول التحالف بالتصدي للحوثيين وجماعة صالح، واستطاع أن يسترد محافظة الضالع بقوة السلاح، ما أعطاه شعبية كبيرة.

عينه الرئيس هادي محافظا لعدن في ديسمبر 2015 لكنه، على طريقة حفتر، عاد وانقلب على هادي، كما انقلب حفتر على عقيلة صالح، الذي عينه قائدا عاما للجيش الليبي ومنحه رتبة مشير.

أنشأ عيدروس ميليشياته الخاصة بدعم إماراتي في 11 مايو 2017 تحت اسم «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي قد يصل عددها إلى ثمانين ألف مقاتل.

عندما اندلع القتال مع قوات الشرعية في أغسطس الماضي، أعدت له الإمارات طائرة خاصة يوم 8 من الشهر نفسه ليعود إلى عدن ويدير المعارك بنفسه.

ورغم توقيع اتفاقية الرياض في 5 نوفمبر 2019، إلا أن خطط السيطرة على الجنوب تمهيدا لإعلان الانفصال، ظلت قائمة تنتظر اللحظة المناسبة، التي وصلت مساء السبت الماضي.

لماذا الانقلاب الآن؟

مسحة من التفاؤل ظهرت في الأفق في الأيام الأخيرة حتى كدنا نعتقد أن اختراقات قد تحدث في اليمن وليبيا، أو في واحدة منهما على الأقل.

في ليبيا وبعد هزائم حفتر في غرب طرابلس، وتضييق الخناق على آخر معاقله في ترهونة وقاعدة الوطية، تزعزعت ثقه حلفائه فيه، وتحولت وعوده وساعات الصفر التي ما فتئ يطلقها، إلى علامات لخيباته المتتالية.

وبدا وكأن المجتمع الدولي عاد ليلتف حول دعم حكومة السراج، والعمل على إعادة الحياة لمشروع التسوية السياسية.

ويبدو أن عقيلة صالح التقط اللحظة، وأطلق مبادرة يوم الخميس الماضي، القائمة على وقف إطلاق النار، وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي بالإجماع، ثم التوجه نحو الانتخابات الرئاسية، فالتشريعية وصولا إلى اعتماد الدستور فالاستقرار.

أحس حفتر أنه يخسر على الجبهتين العسكرية والسياسية، فأعلن انقلابه على حلفائه وأعدائه، لعلها ضربة اليأس الأخيرة قبل السقوط أو إعلان انفصال الشرق الليبي تحت إمرته بالقوة المسلحة، بدعم من دولة وحيدة بعد أن تخلى عنه الجميع.

في اليمن أيضا كانت هناك هدنة من جانب واحد، وكان هناك تجاوب مع دعوة الأمين العام لوقف إطلاق النار. قدّم المبعوث الدولي غريفيث مبادرة للطرفين، مكونة من ثلاث نقاط: وقف إطلاق النار، إجراءات بناء الثقة وتسهيل المساعدات الإنسانية ثم العودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي تقريره أمام مجلس الأمن يوم 16 أبريل، أعرب عن تفاؤله قائلا: القرارات المطلوبة الآن من كلا الطرفين لها أهمية وجودية لمستقبل البلاد. أعلم أن كلا من الحكومة اليمنية وأنصار الله يريدان إنهاء هذا الصراع على أساس سلام عادل ومنصف. أنا ممتن لهم للغاية من أجل هذا».

في اللحظة المناسبة جاء الانقلاب الإماراتي ليعيد لخبطة الأوراق، ويجرف اليمن مرة أخرى إلى تقسيم جديد ومعاناة أعمق، في ظل المجاعة والحروب وجائحة كورونا.

والسؤال الذي يحير الناس جميعا:

ماذا تريد دولة الإمارات العظمى من هذا الخراب الذي تنشره في الوطن العربي شرقا وغربا؟

***

عبد الحميد صيام ـ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز في نيوجرسي الأميركية

__________