رؤية ولي العهد للمشهد الليبي

يحرص وليّ العهد، الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي، على مداومة الظهور غير الصاخب كلما سنحت الفرصة؛ وتتمثل أبرز مناسبات ظهوره في إلقاء كلمة كل عام في الذكري السنوية لاستقلال ليبيا يوم 24 ديسمبر. كما حرص على المشاركة بكلمة افتتاحية تقدم إلى المؤتمرات التي انعقدت في مدن مختلفة منذ عام 2017 لدعم عودة النظام الملكي.

ولم يقتصر ظهور السنوسي على الوتيرة الخافتة فقط، لكنه أيضاً حرص على النأي عن التورط في تفاصيل الصراع السياسي الدائر، وتبني خطاب تصالحي وانفتاحي تجاه جميع الأطراف، بما في ذلك أنصار القذافي، رغم التناقض الطبيعي بين نظام القذافي وبين كل ما يمثل الحقبة الملكية.

وشهد منتصف عام 2022 تكثيفاً نسبياً لتحركات السنوسي، إذ طرح خلال شهر يونيو رؤيتهلحل الصراع الراهن، عبر مقال نشره في صحيفة وول ستريت جورنالالأمريكية؛ وبعدها بأيام، وفي الأسبوع الأول من يوليو، توجه السنوسي إلى تركيا، حيث التقى هناك السفير القطري لدى أنقرة.

وتتمثل الرؤية المطروحة في المقال المذكور في العناصر الأساسية الآتية:

ـ إن انتهاء مدة خارطة الطريق في 22 يونيو يمثل فشلاً جديداً للأمم المتحدة في بناء الديمقراطية في ليبيا؛ وأن هذا الفشل يرجع جزئياً إلى تجاهل البعد التاريخي، ومحاولة البدء من نقطة الصفر، في حين أن دولة الاستقلال في ليبيا تأسست بوصفها محصلة لجهود الأمم المتحدة بالتعاون مع ممثلين عن مكونات المجتمع الليبي؛ ومن ثم فإن العودة إلى ترتيبات لحظة الاستقلال سيكون الأجدى والأكثر واقعية وتعبيراً عن العمق التاريخي للهوية الليبية.

ـ إن واقع الانقسام القبلي والجغرافي تاريخياً في ليبيا لم يتم التغلب عليه نحو خلق هوية ليبية مشتركة إلاّ بتوحيد كل القبائل والمناطق تحت سلطة العائلة السنوسية، التي قادت النضال ضد الاستعمار من جهة، ومن جهة أخرى لا تنتمي إلى قبيلة بعينها، مما يجعلها كياناً متجاوزاً للانقسامات وقادراً على العمل كـغراءيحافظ على تماسُك مكونات المجتمع الليبي، ويخلق هوية وطنية مشتركة.

ـ إن تجربة الحكم الملكي تضمَّنت مظاهر ممارسة ديمقراطية برلمانية وانتخابات دورية وحرية رأي ومشاركة للمرأة في الحياة العامة، وهي أمور غائبة بشكل كبير منذ الانقلاب على السلطة الملكية عام 1969؛ وأن جميع المحاولات لاستعادة تلك المكتسبات منذ عام 2011 بائت بالفشل؛ ومن ثم فإن استعادة الملكية الدستورية تظل المخرج الأفضل للوضع الحالي.

وبخلاف هذا المقال، ووفق الرؤية المطروحة على الموقع الإلكتروني الرسمي الخاص بالسنوسي، فإنه يشير إلى أن استعادة دستور الاستقلال يكون وفق التعديل الذي أُجري عليه عام 1963، وأن أي تعديلات جديدة مطلوب إدخالها يجب أن تكون وفق الآليات التي يوفرها الدستور نفسه.

نقاط القوة والضعف

ثمة العديد من العوامل التي تؤثر سلباً وإيجاباً على فُرص تحقق مشروع إعادة النظام الملكي. ويمكن تقسيم تلك العوامل إلى نقاط قوة ونقاط ضعف لهذا المشروع السياسي، وذلك على النحو الآتي:

أولاً، نقاط القوة

1. يضمن خيار عودة الملكية حسم الصراع على قيادة الدولة بشكل نهائي، وحصر التنافس السياسي الديمقراطي في الإطار البرلماني والحكومي.

ويمثل ذلك حلاً لأحد المعضلات الرئيسة المعطلة لعملية التسوية حتى الآن، والمتعلقة بالصراع على رئاسة الدولة والخلافات حول شروط الترشح. كما أن خيار الملكية الدستورية لا يبتعد كثيراً، من حيث الجوهر، عن تجربة المجلس الرئاسي الحالي، من زاوية أنه يمثل رأس السلطة في ليبيا، لكنه لا يمتلك عملياً الصلاحيات الكبرى في إدارة البلاد، والتي تظل محجوزة لمنصب رئيس الحكومة المعين من قبل البرلمان.

بذلك، فإن هذا الخيار قد يتَّسق مع أي توجه يسعى لتسوية الصراع بصورة غير صفرية، بحيث يضمن التوازن بين نفوذ الأطراف الرئيسة بما يكفل لها تحقيق بعض المكتسبات، وفي ذات الوقت يجعل التنافس بين هذه المصالح يُدار بأدوات سلمية تحت سقوف لا تصل إلى الصراع الشامل على رأس السلطة.

2. عدم تورط ولي العهد، أو أي من رموز العائلة السنوسية، في الصراعات العديدة التي شهدتها ليبيا منذ 2011.

ويمكن القول بأن الأمير السنوسي هو الطرف الوحيد تقريباً الذي يتوفر به هذا الشرط، وذلك إذا ما قُورِنَ بالوجوه التي تتصدر صراع السلطة وقدمت أوراق ترشحها للانتخابات الرئاسية خلال خريف العام الماضي، مثل سيف القذافي وخليفة حفتر وعقيلة صالح وفتحي باشاغا وعبد الحميد الدبيبة وغيرهم.

وقد تُعزز تلك الحيادية من حظوظ السنوسي كطرف توافقي يمكن الدفع به دولياً، لإنهاء صراع القيادة، وإزاحة أغلب عناصر الطبقة السياسية المتصدرة للمشهد والمتسببة في إطالة أزمة الانتقال السياسي. ويتسق هذا الملمح مع رؤية ولي العهد لدور العائلة تاريخياً في تحقيق الاستقلال وبلورة هوية وطنية متجاوزة للانقسامات القبلية والصراعات بين مراكز القوى في المجتمع الليبي.

3. إن واقع التوازنات في ليبيا اليوم يُعزز فرص العودة نحو الوضع الذي كان قائماً غداة الاستقلال، فيما يتعلق بالفيدرالية والعلاقة بين الأقاليم الثلاثة.

هذا الأمر يُضفي واقعية ما على الطروحات الداعية إلى إعادة تفعيل دستور الاستقلال، لاسيما في ضوء الاستعصاء المزمن للتوافق حول أي صيغة دستورية على مدار السنوات الماضية. ويعد دستور الاستقلال أحد الأدوات المحسوبة بطبيعة الحال على الحقبة الملكية، بشكل يمكن توظيفه سياسياً ودعائياً لصالح أنصار الحكم الملكي أكثر من غيرهم.

ثانياً، نقاط الضعف

1. التباعُد بين أنصار الملكية وبين أنصار الفيدرالية

فمع أن مؤيدي العودة للنظام الفيدرالي يمثلون، نظرياً، رصيداً سياسياً محتملاً يمكن توظيفه لخدمة أهداف التيار الملكي، لاسيما على الصعيد الدستوري، إلا أن الواقع يشير إلى عدم وجود أي تنسيق بين الطرفين، أو محاولة من قبل أنصار الملكية للاستثمار السياسي في تزايد مؤيدي تطبيق الفيدرالية. حيث يطالب دعاة الفيدرالية داخل مجلس النواب وداخل لجنة المسار الدستوري بالعودة إلى دستور 1951 في صورته الأولى، أي التي تنص على النظام الفيدرالي؛

في المقابل فإن الرؤية المطروحة من قبل الأمير السنوسي، والتي يطالب بها أنصاره، تتمثل في إعادة تفعيل دستور 1951 وفق صورته التي كانت قائمة عشية الانقلاب على الملك عام 1969، أي متضمناً التعديلات التي تم إجراؤها عام 1963، والتي بموجبها تم إنهاء التجربة الفيدرالية وتحويل ليبيا إلى دولة موحدة.

وعلى هذا النحو فإن أنصار الملكية يخطّون حدوداً فاصلة بينهم وبين أنصار الفيدرالية، بشكل يصعب معه الاستثمار سياسياً في انتشار المطالبات بإعادة تفعيل دستور الاستقلال، بوصفها أحد أركان عودة النظام الملكي.

2. الافتقار إلى قوات مسلحة داعمة وموالية للتيار الملكي

وعلى الرغم من اتساق ذلك مع التوجه العام للارتقاء فوق الصراعات السائدة منذ 2011، كامتداد للموقع التاريخي للسنوسية بوصفها وسيطاً محايداً بين القبائل المنقسمة وحاضنة جامعة لهم، إلا أن ذلك يعوّق من قدرات التيار على النشاط والانتشار.

فإقليم برقة على سبيل المثاليمثل القاعدة الاجتماعية الأكثر دعماً للملك إدريس السنوسي، ما يجعل من المنطقي أن تكون هناك شبكات اجتماعية داعمة للملكية في المنطقة الشرقية؛ لكن في المقابل يصعب تصور السماح بتوسع نشاط هذا التيار في ضوء سيطرة حفتر العسكرية في مدن برقة.

وهنا يمكن القياس على التضييق الأمني (والذي يصل إلى حد القمع) الذي تمارسه قوات حفتر إزاء أية فاعليات يحاول أنصار القذافي تنظيمها. ولعل عدم وجود صِدام بين حفتر وبين هذا التيار يرجع إلى عدم تحوله إلى مصدر تهديد ملموس حتى الآن. لكن بشكل عام من المرجح تعرُّض أنصار الملكية لحملات قمع من قبل الأطراف المسيطرة عسكرياً وأمنياً شرق وغرب البلاد في حالة تحوّل المشروع الملكي إلى مصدر تهديد كبير لمصالح هذه الأطراف.

3. عدم اتضاح شبكة الدعم الدولي

فعلى خلاف بقية المشاريع السياسية المتصارعة في ليبيا، والتي تجد لها مصادر دعم دولية عديدة، لا يمكن القول بأن هناك أطرافاً دولية تدعم صراحة مشروع عودة النظام الملكي.

وبالتبعية ليس من الواضح حدود التداخل البريطاني مع تحركات السنوسي، في ضوء العلاقة التاريخية التي كانت قائمة بين بريطانيا وبين الملك إدريس السنوسي قبل الاستقلال وبعده، فضلاً عن الإقامة الدائمة بلندن. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن لقاءاته الدولية القليلة التي يتم الكشف عنها، حيث لم تتح تفاصيل كافية عن لقائه في أنقرة بالسفير القطري.

ولا يعني عدم اتضاح شبكة الدعم الدولي عدم وجود أطراف داعمة، حيث يمكن الإشارة مثلاً إلى الظهور المبكر لـولي العهدبعد شهرين فقط من اندلاع الثورة ضد القذافي، وذلك حين شارك في أبريل 2011 في جلسة للبرلمان الأوروبي حول الأحداث في ليبيا، فيما يعني أنه قد يكون أحد الرهانات التي طُرِحَت مِن قِبل الأطراف الأوروبية في مرحلة ما بعد القذافي.

ويمكن القول بأن خيار عودة الملكية يمثل على الأغلب أحد المسارات التي قد يُحتَفَظ بها أو يُلوَّح بها كورقة أخيرة في حال فشل مختلف المسارات التي تحظى بالأولوية؛ ولعل هذا ما يفسر استمرار مظاهر وجود هذا التيار لكن عند سقوف منخفضة ووفق تحركات محدودة لـولي العهد، بدرجة لا تكفي للدفع به إلى الواجهة، لكنها ليست أيضاً بالخفوت الذي يؤدي إلى تلاشي المشروع بالكامل.

… 

يتبع في الجزء التالي 

***
بلال عبد الله ـ باحث غير مُقيم، متخصص في الشأن الليبي. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة حلوان، ودبلوم الدراسات الأفريقية من كلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، يُعد حالياً رسالة الماجستير في نفس الكليَّة تحت عنوان القبلية ومستقبل الدولة في ليبيا بعد 2011″. ومن دراساته المنشورة عن ليبيا الحراك الأمازيغي وديناميات الحياة السياسية الليبية؛ والربيع الأمازيغي في ليبيا: بين مكتسبات الثورة وتحدي الانقسام؛

____________________

مواد ذات علاقة