بقلم المستشار

عند الحديث عن المسافة بين مسار بعثة الأمم المتحدة ومسار الولايات المتحدة الأمريكية، يشعر البعض أن هناك “مسارين” لا يلتقيان: مسار أممي سياسي، ومسار أمريكي أمني– طاقوي.

لكن هل هما متناقضان فعلاً؟ أم مختلفان في الأولويات؟

أولاً: ما هو مسار بعثة الأمم المتحدة فعلياً؟

البعثة الأممية تعمل – نظرياً – على: إنتاج تسوية سياسية شاملة، وتوحيد المؤسسات، والوصول إلى انتخابات، عبر إدارة حوار بين الأطراف المتنازعة.

المشكلة أن أدواتها توافقية وتعتمد على “رضا” الفاعلين المحليين، حتى لو كانوا جزءاً من الأزمة. لذلك تتحرك ببطء، وتُبقي على معادلة توازن هش، خوفاً من انهيار كامل.

ثانياً: ما هو المسار الأمريكي؟

الولايات المتحدة – سواء عبر البيت الأبيض أو عبر السفارة وملفات الطاقة – تنظر إلى ليبيا من زوايا مختلفة: استقرار تدفق الطاقة، ومنع توسع النفوذ الروسي، ومنع انهيار أمني يفتح باباً للهجرة أو الإرهاب، وضمان بيئة اقتصادية تسمح لشركاتها بالعمل.

بمعنى آخرأولوية الاستقرار الوظيفي قبل الشرعية السياسية الكاملة. وهنا يظهر الانطباع بالتناقض.

أين يبدو التعارض؟

ــ الانتخابات مقابل الاستقرار المرحلي: البعثة تدفع نحو مسار انتخابي (حتى لو كان هشاً)، وواشنطن تميل أحياناً إلى تثبيت الأمر الواقع إذا كان يحقق استقراراً أمنياً مؤقتاً.

ــ التعامل مع الفاعلين: الأمم المتحدة تحاول إشراك الجميع، ولكن الأمريكيون قد يختارون التعامل البراغماتي مع من يملكون القوة الفعلية على الأرض.

ــ الملف الروسي: بالنسبة لواشنطن، التصدي لوجود الفاغنر سابقاً في ليبيا كان أولوية استراتيجية، أما بالنسبة للبعثة، كان هذا ملف ضمن عدة ملفات، وليس المحدد الوحيد للمقاربة.

هل المساران فعلاً متناقضان؟ ليس تماماً

غالباً ما تتحرك واشنطن عبر الأمم المتحدة لأنها توفر لها “غطاءً دولياً”، بينما تحافظ على قنوات موازية مع أطراف محلية لضمان مصالحها. أي أن العلاقة هي أقرب إلى تقاطع مصالح غير متطابق.

التناقض يظهر عندما تدفع البعثة نحو إعادة هندسة سياسية، بينما تفضّل واشنطن إدارة الوضع بأقل تكلفة وأقل مغامرة.

أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

المشكلة ليست فقط في الخارج. بل في الفاعلين المحليين الذين يوظفون أي اختلاف دولي لتعزيز مواقعهم. أما النخب الليبية فهي لم تستطع ـ حتى الآن ـ أن تنتج مشروعاً وطنياً جامعاً يفرض على الخارج الانضباط ضمنه، فالخارج يتحرك وفق مصالحه… والفراغ هو ما يسمح بتعدد المسارات.

تقدير واقعي

هل هناك صراع أمريكي–أممي حول ليبيا؟

الإجابة: لا يوجد صراع معلن، لكن يوجد اختلاف في ترتيب الأولويات. وهذا الاختلاف في بيئة منقسمة يتحول عملياً إلى عامل تعميق للأزمة.

السؤال الواقعي: هل المشكلة في تضارب فعلي بين واشنطن والأمم المتحدة؟ أم في غياب مركز وطني موحد يستثمر أي دعم دولي لصالح مشروع ليبي؟

هناك 3 سيناريوهات متوقعة لمستقبل العلاقة بين المسار الأممي والمسار الأمريكي في ليبيا خلال المرحلة القادمة.

السيناريو الأول: التقاطع المنضبط (الأكثر احتمالاً)

في هذا السيناريو: تبقى البعثة الأممية هي واجهة العملية السياسية، وتتحرك واشنطن خلف الستار لضبط الإيقاع الأمني ومسألة الطاقة. ويتم تجنب أي صدام علني بين المسارين.

النتيجة: استقرار نسبي بدون حل جذري، وانتخابات مؤجلة أو مؤطرة بشروط توافقية تحمي مراكز القوى الحالية. إذن هذا سيناريو “إدارة الأزمة” وليس حلها.

السيناريو الثاني: أولوية الأمن والطاقة على السياسة

في هذا السيناريو: تشتد أولوية ملف الطاقة ومنع التمدد الروسي، ويتم بدعم ترتيبات أمر واقع حتى لو لم تكن منبثقة عن مسار سياسي واضح. وهنا تصبح البعثة الأممية إطاراً شكلياً أكثر من كونها محركاً فعلياً. وملف وجود قوى مرتبطة سابقاً بمرتزقة فاغنر قد يدفع واشنطن إلى مقاربة أكثر مباشرة.

النتيجة: هدوء أمني نسبي مقابل انسداد سياسي طويل الأمد. وهنا يتعمق شعور الشارع بأن الشرعية لا تعني شيئاً.

السيناريو الثالث: ضغط أممي حقيقي نحو إعادة تشكيل المشهد

في هذا السيناريو: عند حدوث توافق دولي أوسع، أو حدوث انهيار اقتصادي يفرض إعادة ضبط المشهد، أو حدوث تبدل في موازين القوى الداخلية، قد تدفع البعثة بقوة نحو إطار دستوري واضح، وحكومة موحدة بمهام محددة، وانتخابات تحت رقابة صارمة. لكن هذا يتطلب توافقاً أمريكياً ضمنياً… وإلا لن ينجح.

أين الخطر الحقيقي؟

الخطر ليس في اختلاف المسارين… بل في الأطراف المحلية التي توظف أي تباين دولي لتعزيز الانقسام. وأيضا في عدم وجود مشروع وطني يفرض على الخارج الانخراط ضمن رؤية ليبية واضحة.

الدول الكبرى لا تتصرف بدافع التناقض الأخلاقي… بل بدافع المصالح. وحين لا تجد شريكاً وطنياً منظماً، تتعامل مع الأمر الواقع.

إذن الحل يكمن في إعادة ضبط العلاقة مع الخارج من خلال إنتاج كتلة وطنية منظمة قادرة على فرض أجندة داخلية.

خريطة النفوذ في العلاقة بين المسارين

ــ المسار الأممي

الفاعل المركزي هي البعثة: عبر أدوات النفوذ، والشرعية الدولية، وإدارة الحوارات السياسية، والاعتراف بالحكومات، والتأثير في ملف الانتخابات والدستور.

نقاط القوة: غطاء دولي جامع، وقدرة على خلق منصات تفاوض.

نقاط الضعف: البعثة تعتمد على توافق مجلس الأمن، ولا تملك أدوات تنفيذ قسرية، وتُقيَّد بتوازنات القوى الكبرى.

ــ المسار الأمريكي

الفاعل الأساسي هو ترمب: عبر أدوات النفوذ، والضغط الدبلوماسي المباشر، والعقوبات الفردية، والتأثير في القطاع النفطي، والتنسيق الأمني والعسكري غير المباشر.

أولويات ترمب: منع تمدد روسيا، واستقرار إنتاج النفط، ومنع الفوضى العابرة للحدود.

ــ الفاعلون المحليون: حكومتان متنافستان، ومجالس تشريعية، وتشكيلات مسلحة، وشبكات اقتصادية – مالية.

أدواتهم: السيطرة الميدانية، وتعطيل النفط، وادعاء الشرعية المتنازع عليها، والتحالف مع أطراف خارجية. وهنا مربط الفرس: الفاعلون المحليون لا يتلقون النفوذ فقط، بل يعيدون تدويره بما يخدم مواقعهم.

ــ الفاعلون الإقليميون: تركيا، ومصر، والإمارات، وقطر، وإيطاليا وفرنسا بدرجات متفاوتة.

كل طرف يتحرك عبر: الدعم السياسي، والترتيبات الأمنية، وعقود الطاقة، والنفوذ الاقتصادي.

كيف تتقاطع المسارات؟

ليبيا اليوم ليست ساحة صراع مباشر بين الأمم المتحدة وأمريكا بل هي ساحة تداخل مصالح غير متطابقة. الأمم المتحدة تريد مساراً سياسياً تدريجياً، والولايات المتحدة تريد استقراراً وظيفياً سريعاً، الفاعلون المحليون يريدون بقاءهم في السلطة. فحين تتعارض هذه الأهداف، ينتج الجمود.

الاستنتاج المركزي: المشكلة ليست في الخارج بقدر ما هي في غياب كتلة وطنية منظمة قادرة على فرض جدول أعمال ليبي يُجبر المسارات الدولية على الاصطفاف حوله.

التوصية الاستراتيجية: بدلاً من انتظار توافق دولي، لا بد من بناء رؤية سياسية مكتوبة ومحددة، والعمل على البدء بالضغط المجتمعي المنظم، وتوحيد خطاب إصلاحي واضح.

وبالتالي تكون مخاطبة الخارج من موقع “مشروع جاهز” لا من موقع شكوى.

__________

مواد ذات علاقة