سراج دغمان

كذلك لو عدنا لتاريخ تأسيس دولة الاستقلال الليبية، سوف نلاحظ أن مركز الحراك الاجتماعي والسياسي حينها كان يرتكز على المدن في الشمال الليبي شرقًا وغربًا، بحيث منتوج ثقافة المدينة وكوادرها كانت إلى حدٍ ما هي المُتسيدة،   فنجد سلسلة من المدن في الشمال ترتكز عليها أسس الدولة في ذلك الوقت  وتُشكل بنية مؤسساتها وتكنقراطيها، مع الحفاظ على احترام دور القبيلة كركيزة وطنية اجتماعية في إطارها العام.

وهذا ربما ما نحتاجهُ اليوم فالكثير من المدن القائمة اليوم حُصرت بثقافة الصحراء منذُ وقت طويل، حتى تآكل البناء الاجتماعي الحضري الذي قامت عليه الدولة الوطنية الحديثة، والذي شهد الكثير من الشروخ الاجتماعية منذُ زمن طويل بحيث لم تحافظ المدينة على بقاء تنوعها الثقافي والعرقي والفكري.

فالتنوع هو أصل الحياة ومصدر تطورها، مما جعلها في النهاية تفتقد لليونة التطور والتغيير الايجابي في حركة التاريخ، وبالتالي يجب النظر في المساحة الحضرية اليوم وتوسيع دائرتها في المناخ الجغرافي الواسع للداخل الليبي.

ينبغي أن تقوم الدولة بتأسيس مدن سكانية وإدارية وصناعية مصغرة حديثة تستطيع أن تُشكل من خلالها نموذج اجتماعي وثقافي مغاير في الشمال والجنوب الليبي.

وينبغي أيضا أن تتوزع مؤسسات الدولة وقدراتها المالية عبر مجموعة من المدن الحديثة الموزعة عبر مناطق الشمال الشرقي والغربي إلى أعماق الجنوب، بحيث تُشكل نموذج يزرع الحياة والانتاج ويُقدم الخدمات والتنمية في مجال محيطهِ الدائري.

وكذلك يقضي على النعرات القبلية والمناطقية ويخرج من دائرة الصراع القائم اليوم لصالح ثقافة مجتمع المدن الحديثة، كما يضمن إنهاء المركزية الخدمية والمالية ويمتد بشكل أُفقي ويساهم في البُعد الأمني بشكل تكنولوجي حديث متطور ورسم جديد للجغرافية الليبية لتصبح جغرافية الإقليم الواحد.

كما يقوم بتوزيع الضغط السكاني القائم اليوم في العديد من المدن التي أصبحت عاجزة عن تقديم الخدمات لقاطنيها.

يأتي هذا مع إعادة صياغة وإصلاح النظام الاقتصادي من قبل المختصين بحيث يوازي المشروع الثقافي الفكري ويتم التحول في البنية الاقتصادية الريعية الاتكالية إلى البنية الاقتصادية المنتجة الخلاقة، سواء على الجانب الصناعي بحيث تكون هناك أفكار انتاجية صناعية للدولة حسب ما يرى الخبراء والمختصين المحليين والدوليين.

وخاصة في المجالات التي يمكن أن تصنع صناعة محلية دولية في ليبيا مع الاستفادة من حركة الهجرة التي تغزو العالم اليوم بما فيها ليبيا، وتحويل الهجرة غير الشرعية إلى هجرة منضبطة مُقننة تُوظف وفق مصلحة الدولة الليبية، تساهم في رفع أدائها الانتاجي في مجال الصناعة والزراعة والخدمات.

وهذا الحراك التغييري الشامل إن وُضع في خطط مدروسة ومنظمة، سوف يقوم بتحويل المجتمع الليبي إلى مجتمع حديث مبني على طبقات تكافلية مكملة لبعضها ومشاركة ومساهمة في دائرة الانتاج الاقتصادي والفكري والتعليمي والثقافي والحضاري، ويضمن منتوجه النهائي لبناء مجتمع نقابي حداثي وإخراج الداخل الليبي من عزلتهِ إلى التفاعل مع محيطهِ الإقليمي والدولي وبناء ثقافة المصالح  الحميدة.

كما سينعكس هذا المشروع الحضاري على المناخ السياسي العام، مما يسمح  ببروز طبقة سياسية حديثة تنتمي للمشاريع الفاعلة في مناخ حر عن الهيمنة مما تساهم في الحفاظ على دولة العدالة والحقوق والحريات والديمقراطية.

كذلك توظيف الأهمية الاستراتيجية للجغرافية الليبية توظيفًا عميقًا يخدم مصالح الدولة الليبية وأمن مجتمعها ويكفل التنمية المستدامة في الداخل الليبي، بحيث نتطلع لرسم البنية التحتية لتكون ليبيا مُنطلقًا تجاريًا مهمًا بين أفريقيا وأوروبا وكذلك منطقة ربط ووصل حضاري وتجاري واقتصادي مهم بين الشرق الأوسط وحوض المتوسط وشمال أفريقيا .

ثانيًا: البعد الدولي .. الشراكة الدولية في بناء الدولة الليبية

كما أسلفت في بداية المقال أن الحل الليبي يرتكز على عاملين غير منفصلين  العامل الداخلي والعامل الدولي الخارجي، فعند دراسة الخارطة الجيو سياسية المحيطة بليبيا في العصر الحديث نجد أنه مُنذُ انتصار الحلفاء على دول المحور قد تحولت الخطوط الجيوبوليتيكية الثلاثة المحيطة بليبيا إلى خطوط أطلسية تُدار من قبل الولايات المتحدة والمملكة البريطانية وحلفائهم الاستراتيجيين، مع تواجد الاسطول السادس الامريكي في جنوب أوروبا في الخط الجيوسياسي النابوليتاني، والاسطول الخامس في الخليج العربي الخط الجيو سياسي الشرق أوسطي وسيطرة البحرية الملكية البريطانية على مضيق جبل طارق الخط الجيو سياسي المغاربي.

مما فرض قوة نفوذ دولية سمحت باستمرار الاستقرار والسلم في المنطقة لعقود طويلة، وفق الرؤية الأطلسية الانجلوساكسونية لشكل الشرق الوسط وشمال أفريقيا وأوروبا، في الاتفاقيات الناتجة عن حربي العالم الأولى والثانية .

ولكن اليوم هناك صعود لقوى دولية جديدة تحاول أن تفرض صياغة جديدة للشرق الأوسط وأفريقيا وأجزاء من أوروبا وآسيا قد تودي برسم جغرافي جديد مغاير لما عليه الحال اليوم، بحيث تتوزع دوائر النفوذ الدولي بشكل جديد على جغرافية مناطق الصراع ذات الأهمية الاستراتيجية.

ومن الملاحظ أن التواجد الصيني الروسي في عمق القارة الأفريقية أصبح يحاصر جغرافية الجنوب الليبي ليشكل خطًا جيوبوليتيكيًا رابعًا، يمتد من أفريقيا الوسطى إلى شمال أفريقيا في مناطق الوسط الليبي ليحاول أن يرسم تواجدًا على ساحل شمال أفريقيا المتوسطي المُطل على جنوب أوروبا.

وبالتالي أهداف المشروع الروسي الصيني القائم في منطقتنا لا تلتقي مع وحدة التراب الليبي فهي قوى دولية صاعدة لا تؤمن بالرسم الأطلسي للجغرافية الليبية  في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتالي لا يرى ليبيا بهذهِ الجغرافية السياسية القائمة اليوم وربما يعمل على تفتيتها مع شركاء أخرين، يأتي هذا مع الصراع القائم بين دول المتوسط على الموارد الغازية وترسيم الحدود المائية بما يضمن بقاء وسيطرة الدول ذات النفوذ التاريخي على الحركة المائية في المتوسط .

وبالتالي العقل السياسي والنخبوي الليبي في تحدي كبير للحفاظ على الدولة الليبية وجغرافيتها الموحدة وأن يستوعب مدى خطورة المرحلة الدولية القائمة اليوم، عبر جر الجغرافية الليبية لكي تكون منطقة ساخنة لساحة صراع طويل المدى بين القوى النافذة المختلفة سواءً في مجال الشمال الليبي والصراع المائي المتوسطي، أو في مجال الجنوب الليبي والصراع البري على العمق الأفريقي.

بالتالي يجب أن يتوحد الداخل الليبي في مشروع الأمة والمجاميع الفاعلة لا في مشاريع الفرد والرهانات الخاسرة التي أوصلت الكيان الليبي إلى هذا الوضع  المأزوم القائم اليوم.

فالتغيير والاصلاح المطلوب لا يقودهُ زعيم واحد، بل تقودهُ مجاميع نشطة من الوطنيين الأحرار من مختلف ألوان الطيف السياسي والطبقي والمعرفي والفكري ليحافظوا بالعقل والدهاء وبثقافة البناء لا بالبندقية والحروب على بلادهم ووطنهم، وأن يعبروا العواصف بهدوء ورؤية وطنية جامعة واضحة المعالم لكي يبقى الوطن بجغرافيتهِ القائمة اليوم تحت مظلة الحكم الديمقراطي الحر الرشيد.

***

سراج دغمان ـ باحث وكاتب ليبي

_____________

مواد ذات علاقة